كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

حارة عضم..

حكمت الحاج *

إلى د. نور الدين العلوي 

.. في البرزخ ما بين اليقظة والنوم، أحس بصوت باب الشقة يُفتح.
إنها هي طبعا، فليس غيرها من يملك المفاتيح.
تَناوَمَ أكثر، طمعا في قبلة الإيقاظ الصباحية. وعندما فتحت عليه باب غرفة النوم، هبَّ تيار خفيف من هواء بارد أجفله، لكنه لم يمدَّ يداً ليتغطى بالملاءة القطنية، وشعر إنه يشبه قطا منزليا قد أفسده الدلال.
كانت هي تحاول أن تسير على رؤوس الأصابع، غير أن كعب الحذاء الجديد كان حادا في الإعلان عن نفسه، رغم الحيطة المؤنثة.
صوت أكياس من النايلون القاسي، وطقطقة معدن متين. نعم، أكيد هو كيس التسوق من “مونوبري” بصوته المخشخش المزعج.
ثمة أشياء توضع على الطاولة المستديرة في الغرفة، وعلى طاولة الزينة أمام المرآة الكبيرة أين يقبع اللابتوب الكبير بشاشته العريضة، وأين تكون الفوضى العظيمة المصاحبة للشغل اليومي على الحاسوب، ومخلفات الورق المصاحب للعمل، والأقلام الملونة، وفواتير الليلة السابقة، والنقود المتبقية في الجيوب، والنظارات الثلاث، واحدة للطريق وأخرى للقراءة والاخيرة للشمس القوية، وعلبة النيفيا الزرقاء الصغيرة المستديرة، وعطر الأرماني كود للرجال، وبخاخ الربو، ومزيل روائح الآباط، والساعة اليدوية بسوارها الجلدي من ماركة “ليميت” المحتفظ بها منذ أزمان سحيقة دون الرغبة باستبدالها.. على هذه الطاولة التي كان يسميها في بغداد “ميز التواليت” والتي هنا لا يسمونها كذلك بل ربما هي طاولة الزينة أو شيء من هذا القبيل. على هذه الطاولة، شعر انها قد رمت بشي ناعم الصوت. ما هو يا ترى؟ طفق يفكر. لكنه افتقد رائحة الكرواسانت الساخن المتوقع منها هذا الصباح قبل مغادرتها للعمل. ربما الفطائر قد حضرت فهي تعرف انه يحب منها أن تأتيه بمعجنات الصباح من “كوشة عمار” في طريقها اليومي المعتاد من شقتها إلى شقته إلى عيادتها الطبية.
طالَ تَـمَاوُتــَـهُ دون أن يحصل على قبلته الصباحية. وبعيون مغمضة، ومن صوت حركات جسدها عرف انها ستغادر الغرفة.
صارت الآن بين الكليدور وغرفة النوم، وستقفل عليه بابه بهدوء بينما ستصفق باب الشقة بصوت لا مفر من حدوثه كل مرة. إذن فقد قرر الإعلان عن نفسه. لا مناص. ومن مكمنه قال بصوت يغلبه نعاس الصباح: ها حبي، جيت؟ قالت بخفوت: نعم. سألها: ماشية للعيادة؟ قالت: إيه، بس جيت جبت بعض الأشياء لك. وحقيبتي الصغيرة فيها أمور منحبش تشوفها حنين لأنها ستزورني العشية، وبالمرة خليتلك دفتر الملصقات الأخضر اللي تحبه. بربي اطلع عليه يعيشك، مش تنسى ملاحظاتي كالعادة!
وخرجتْ!
نهض من سريره.
وبالكاد كان يميز النهار الطالع بسبب ستائر الغرفة السميكة التي يصر عليها صيفا وشتاءا. لم يبحث عن البانتوف السماوي اللون، بل ذهب حافيا نحو طاولة الزينة فهو يعرف رغم ادعائه كل مرة بأنه لا ينتبه لدفتر الملصقات الأخضر الصغير على شكل قلب، أين سيجده، وفي أية بقعة صغيرة فاضية في خارطة أزمان الفوضى الخلاقة التي لا يعرف حتى هو متى ستنظف الطاولة منها، ومتى سيذهب غبارها المتراكم أدراج العناية من مدبرة المنزل التي لا تتجرأ أبدا أن تقترب من مستطيل الفوضى هذا، سيلقاه.
“ذات أصياف الترقب!”.
هذا هو العنوان الذي كان موجودا على الدفتر الأخضر منذ أن اشترياه معا من مكتبة تبيع القرطاسية جنب المقهى التي غالبا ما كانا يلتقيان فيها، وذهبا به الى “غار الملح” فوجدا الشاطئ هناك مزروعا على طوله اللامتناهي بالأجساد العارية المبلولة المزدحمة الملتصقة ببعضها البعض بحثا عن الظلال والألفة والتماس تحت شمس تموز الحارقة، وعزّ عليهما حتى وضع أقدامهما في مياه البحر الأبيض المتوسط على سبيل النكاية بالرمال وطبعات أقدام المصطافين، فعادا الى السيارة في الموقف المحاذي للبلاج، وهناك، بالضبط وفي السيارة المشتعلة بلهب القيظ، جلس وكتب تلك العبارة على غلاف الدفتر دون أن يذيلها بالتاريخ، فقالت له تداعبه “ترقّبُ ماذا؟”، فأجابها محاولا مسايرتها فكرة السؤال رغم انه كان شاردا عنها قليلا، “ترقب مقعدين ومظلة في غار الملح”. وهكذا ضحكا معا وقبلا بعضهما، وقفلا راجعين نحو العاصمة.
أشعل النور، وتناول نظارة القراءة، إذ يدرك تماما انها تكتب بخط يدوي صغير الحروف، دقيقها. أمسك بالدفتر وراح يقرأ كلمات مثل صباح الخير، أحبك، مساء الخير، أحبك، توحشتك برشا برشا، هيا صحصح وخذ دوش والتحق بي لكن لا تتأخر، أنا في انتظارك لنشرب القهوة، الخ الخ.. لكنه عدّل من وضع النظارات الطبية على أنفه وقرأ مجددا وبشكل صحيح هذه المرة دون خيالات: “لا تنسى وانت راجع تجيب معاك معجون طماطم مركز، وزيت متاع قلي، وحارة عضم..”. ثم قرأ الصفعة في النهاية: bye”.

تونس 2020 

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.