وليد الزريبي
قلتُ لهُ:
كيف تقيمُ هُنا؟
في طريقِ المطاراتِ،
تترك بيتكَ عند البصرة، وغابات النّخيلِ، ومقبرةَ الغُزاةِ، وتسكنُ في بيتٍ للمسنّين بلندن؟
قلتُ له أيضاً:
إنّك الأصغر عُمرًا في تاريخ هذا البيت،
هل تعرفُ أنك صرت من آل البيت؟
أتعرفُ أنّك إذْ تسكنُ في عاصمة الضّباب، فهذا لن يساعدك على الاحتماء من قيظ الصحراء،
أتعرفُ أنّك إذْ تهرب بعيدًا من اللّهب، لا تبتعد كثيرًا عن أبي لهبٍ،
أتعرفُ أنّك وإن أطلت الوقوف على جسر البرج المعلّق خوفا من لدغة عقرب،
فإن العقارب في لندن تنزل من السماء،
أتعرفُ أنّ شياطين التاريخ قد سبقتك هناك، تشرب الويسكي قبلكَ، وتلعب الروليت في نوادي سوهو للقمار قبلكَ، وتدخّن السيجار الكوبيّ قبلكَ، وتبكي على صدور شقراوات أوروبا الشرقية في شارع «بيتر» قبلكَ، وتعود آخر اللّيل مثقلة بالمواجع والدموع أكثر منك.
………………….
في لندن:
الغاوون أوّلا،
ثم الشعراء،
لقد أخفيتَ عنّي كلّ هذا.
أتعترفُ أنّك أسأت تقدير اللّحظة حين أردت أن ترجم التاريخ بكرات من الثلج المكعّب،
قبل أن ينكسر قلبك في حلبة ألكسندرا بالاس.
قلتُ له كذلك: مع أنك تحبّ العَرَقَ البدوي المقطّر كثيرا، إلاّ أنك لا تفوّت موعد شاي الساعة الخامسة السّاخن.
قل لي يا سعدي، من أين تأتي نشوة جند الاحتلال المسعورة، هل كانوا يشربون العَرَقَ أم النّفط؟
(يشربون الدّم العراقي يا بني)
أعرفُ هذا.
قل لي يا سعدي:
لماذا يذهب الجنود من بلدهم إلى بلدك؟
لماذا يذهب الشعراء من بلدك إلى بلدهم؟
لكن، إنْ كانت العراق حانةً للأمريكان وندمائها،
فهل أفضلُ لك أن تسكرَ في حانة بعيدة عن الأهل؟
أنت في منفى ريفيٍّ بلندن… حقّك،
فيد الحاكم هنا، أطول من يد قيصر،
وحذاء الحاكم هنا، أثقل من حذاء قيصر،
ومزاح الحاكم هنا، أكثر رقاعةً من مزاح قيصر،
وصبر الحاكم هنا بلا صبر،
ومزاج الحاكم هنا خرائيّ لا يُطاق.
لن أسألك عن رصاصة ترصّدتك حتّى صاحبتك وجايلتك فأصبحت تسافر في جيبك،
قد يكون الأمرُ بسيطا جدّا جدّا، على رأيك،
فالغربة هي الغربة، وطن أو منفى.
………………….
الآنَ،
سأنعقُ في اللّيل حتى يرجع الصّدى:
يا خليج،
دم سعدي في رقبتك.
* من ديوان "حفيد سعدي يوسف"، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع 2023
أضف تعليق