(بمناسبة المشاركة في صالون تكنولوجيا المعلومات SIT AFRICA)
توفيق الشابي
-1-
2 ماي 2023 الخامسة و25 دقيقة
في المدخل العلوي للمطار، نسيم صباحي بارد. على اليسار تبدو المدينة مزيجا من الالوان. بياض المباني، خضرة الاشجار، صحو الافق قبل بزوغ الشمس، الوان زاهية في واجهة محل لا اكثر.
امامي: طابور طويل من المسافرين. ورائي بقية الطابور.
في الاسفل ضجييييج دخول فوضوي الى المطار.
بداخلي يتعمق حب ما.
في الداخل: طابور آخر ينتظر فتح باب التسجيل في رحلة الدار البيضاء. في الانتظار فيروز تغني….
على وقعها، بين هذا الكم من المنتظرين لا أرى و لا اسمع.
في الطائرة: شيء من النوم بعد ليلة بلا نوم. أُكلة الصباح، واستراحة مع المجموعة القصصية “شريط بنفسجي”
منتصف النهار.
خرجنا من المطار. مطار الدار البيضاء. منذ الكيلومترات الاولى في الحافلة الى مراكش قلتُ انها مدن الجنوب. حرارة صيفية في أول ماي، خضرة نادرة، الكثير من الفوضى واللاجمالية في المباني والطرقات.
الثالثة مساء.
على طول الطريق الممتد من الدار البيضاء الى مراكش، لم أجد ما أسجله.
لوحة بلون واحد. لم أفهمها. أحتاج بيكاسو لتفكيك سورياليتها.
الرابعة مساء.
بدأ لون مراكش في الظهور. في بعض التجمعات الصغيرة، في المساجد عند الاستراحات، في منازل متفرقة بعيدة، لون حمرة الافق عند المغيب في يوم حار، لون شاحب لكنه الاكثر وفاء للمكان. أشجار النخيل ظهرت دفعة واحدة. في قلب الجنوب المغربي نحن. أي تمر تُنتجه تلك الواحات؟ هل تمر النور مكان هنا، أم هو تونسي بحت؟
مراكش هل هي توزر المغرب؟
وصلنا النزل نزل روتانا اين تغير وجه المكان نسبيا. معمار النزل مغربي صميم. مغلق ومظلم بعض الشيء، ربما للمحافظة على البرودة بداخله في هذا الطقس الحار.
من الخامسة الى السادسة. نمر إلى شيء من الجدية. لقاء مختصين حول تحديات الامن السيبرني في افريقيا. تحديات كثيرة وعاجلة. تحديات التطور التكنولوجي في زمن السرعة، الذكاء الاصطناعي، انترنات الاشياء وغيرها… (سرعة تَغيُّر نواجهها، نحن سكان الجنوب، ببطء مضاعف وبقول اكثر من الفعل). تحديات الماء والغذاء والطاقة. إنها تحديات الحياة والوجود. (بلدان الجنوب في بحرٍ أمواجه العالية كل هذه التحديات).
ليلا ذهبنا الى قصر (namaskar) . فضاء واسع واخضر، تشقه احواض من الماء ومُضاء بشكل جيد. انفتاحه على الفضاء مريح وممتع. أربع ساعات حول طاولة دائرية. ثلاثة تونسيين، وخمسة افارقة من الكامرون و السنغال. تعارف واحاديث في الاختصاص، واسئلتي الفوضوية حول ثقافة البلاد: المائدة، السياحة والمواقع الطبيعية والاثرية، اللغة والثقافة وسؤال الهوية ما بعد الاستعمار.
حول الثقافة قال لي احدهم “إنها تتمحور حول الرقص والغناء والحكي وشيء من المسرح. أشكال تمارس بشكل جماعي. السينما رافد غربي نخبوي”.
لا حديث منهم عن الكتابة والشعر والرواية، فيما سؤال الهوية مطروح لكن بلا تنافر بين الافكار. يبدو أن لغة المستعمر حسمت الأمر أمام تعدد اللغات في الشعوب الافريقية. إنه الجنوب يا صديقي.
منتصف الليل العودة الى النزل.
نوم حتى الصباح. لا اتذكر أني حلمت بشيء.
-2-
3 ماي 2023
السابعة صباحا.
برودة مستحبة ومنعشة. منظر الخضرة والمسبح لافتان. صور وفيديوهات للذكرى. المطعم الذي يتوسط احواض المسبح، يُفتح بعد قليل. عماله المغاربة بازيائهم الموحدة يسارعون في اعداده.
لا جديد. أكلات الصباح المألوفة في نزلنا : قهوة وعصائر (مستحضرة طبعا)، بيض، أجبان، مرطبات، فواكه جافة، غلال، تمر وأكلات اخرى بعضها نعرفه في تونس بأسماء أخرى (ملاوي، غرايف، مبسة…)
بعد فور الصباح، عنَّ لي أن اجلس في مقعد جانبي، أتأمل المشهد واستمع الى فيروز سيدة الصباح
(حبالك
التي تسحبينها بهدوء
تقتلع
أبراجي
من جذورها)
فجأة يقدم لي عامل مغربي قهوة (لم اطلبها). شكرته وشربتها بسرعة. حان وقت المرور الى الاشياء الجدية.
من التاسعة الى منتصف النهار.
في الطريق الى قصر المعارض، التقيت بشاب سينغالي، مهندس في أمن انظمة المعلومات، تعارف سريع وحديث خاطف عن المشترك بين تونس والسينغال، افريقيا والاسلام وصداقة بورقيبة وليوبول سيدار سنغور، زعماء ما بعد الاستقلال في كلا البلدين.
قصر المعارض، سوق للتعرف على ما تعرضه الشركات في مجال الامن السيبرني. اسماء الشركات بالفرنسية أو الانقليزية، أاصول أغلبها غربي، واحدة فقط هندية. (أين مساهمة أبناء الجنوب وافريقيا خصوصا في هذا العلم؟ هل قدرنا أن نكون مستهلكين لا اكثر؟)
لقاءات وحوارات. تفاصيل تقنية مهمة. ثمة من يحدثك ويضيف لك. يحدثك عن اليوم والغد. ثمة من هو وسيط لا اكثر.
وجوه شبابية، من أماكن متعددة. أحدهم أردني من أصل فلسطيني. عمل في تونس والآن في المغرب. لمست فيه حبا لتونس ورغبة في زياتها مجددا. اسم فلسطين لا يمر دون أن يحرك فيّ الكثير.
الآخر فرنسي من أصل جزائري. بشير. من منطقة القبائل. حريص على زيارة الجزائر مع صغاره تعويضا عن حرمان منها في طفولته.
هنا ثمة محبة ورمزية كبيرة للبلاد. وهنا يتكرر السؤال عن أحوالها.
الامن السيبرني. قد يبدو موضوع اختصاص بحت. معقد وعسير الفهم. الأهم هو الوعي بآثار غيابه او اختراقه. من سرقة معطيات حساسة إلى تعطيل الخدمات من البسيط الى الحيوي.
تخيل بنكا معطلا، أنظمة توزيع الكهرباء أو الماء معطلة، أنظمة انتاج مواد حيوية معطلة. تخيل عطالة كل ذالك في نفس الوقت، ولمدة ايام إنها مسألة حياة أو موت للفرد، للمؤسسة، ولأجهزة الدولة أيضا.
……………..
لا ترتعب. ثمة حلول دائما. فقط علينا بالوعي والعمل قبل فوات الاوان.
مساء، كنت في حاجة لاقتناء بعض الاشياء من أماكن محددة. فرصة أولى للنزول الى قلب المدينة. نحن في منطقة النخيل، في ضواحي المدينة، هي ضاحية للنزل والجنان والفلل.
مراكش. الأسماء معان ودلالات. من الرويات أن اسم “مراكش” يرجع إلى الكلمة الأمازيغية أموراكش، وتعني بلاد الله أو أرض الله. وتسمى أيضا بلاد “سبعة رجال” هم سبعة من الصُّلحاء تقع أضرحتهم بمدينة مراكش، هم يوسف بن علي الصنهاجي، القاضي عياض، أبو القاسم السهيلي، أبو العباس السبتي، محمد بن سليمان الجزولي، سيدي عبد العزيز التباع، سيدي عبد الله الغزواني، ويبدو أنهم أتوا من أماكن مختلفة وجمعتهم مراكش.
هذه الأعمدة السبعة المبنية على شاكلة أعمدة الاسوار القديمة إشارة معمارية إليهم.
هي بلاد الله اذن. تجمع عباد الله من أي مكان. بالتعبير المعاصر مدينة عالمية، كوزموبوليتية.
فتنت مراكش الكثيرين، سكنوا فيها وكتبوا عنها ومنهم الكاتب الاسباني خوان غويتيسولو (1931-2017) وهو دفين مراكش، وهو الذي اعتبر أن خروج الموريسكيين من إسبانيا أكبر كارثة حضارية.
مدينة مراكش مرتبة ونظيفة. اللون الموحد لمبانيها يشعرك بتناسقها. لون موحد تشقه خضرة الاشجار.
مراكش المدينة الحمراء. في المغرب كل مدينة لها لون غالب او اثنان هكذا قال لي سائق التاكسي. اختيار يعكس رؤية جمالية ضد الفوضى.
مررنا باماكن متعددة. امساك الاسماء والتفاصيل غير ممكن ونحن نتجول في التاكسي.
أحتاج الى التجوال على القدمين لملامسة التفاصيل وتشمم رائحة الأمكنة والانصات لاصوات الذين مروا من هنا.
-3-
4 ماي 2023
فطور الصباح على وقع أحاديث أصدقاء النادي، هذه الخيمة، هذا الظل، وموسيقى الضحكات والتعاليق المتبادلة. تعاليق مشجعة حول ما كتبته من يوميات، هل هي مُراسلات الجزيرة أم القناة الوطنية؟ (علق أحدهم).
انفض المجلس وكل واحد يفكر ببرنامجه اليومي…
وأنا؟ هل يبدأ يومي دون أن أكون ولو لدقائق، في زاوية خلف الكاميرا…
جلسة صباحية أخرى على حافة المسبح، أسمع خرير الماء المتسلل الى أحواضه في ايقاع رتيب، الموسيقى نسمعها، ونقرأها أيضا. بين يدي كتاب شعري بعنوان “استجب إن دعتك الجبال” (هل اقول استجب إن دعاك السفر)، كتاب من آخر شراءات معرض الكتاب. ديوان الشاعر التونسي محمد الغزي
(شاعر تونسي معروف، من مواليد القيروان، استاذ جامعي، في كتابته مسحة تأملية تستنطق بواطن الكائنات والاشياء، الاحداث والازمنة والامكنة. من كتبه الشعرية: كتاب الماء كتاب الجمر، كالليل استضيء بنجومي).
أتصفح الكتاب. يا للصدفة. من أول النصوص قصيدة “المعتمد بن عباد” الشاعر وأحد ملوك الطوائف في الاندلس، صاحب حكاية مأساوية في ضواحي مراكش، في مدينة أغمات تحديدا. على بعد ثلاثين كيلومترا من هنا.
العاشرة صباحا.
موعد انطلاق انشطة الصالون بين قاعة العارضين، وقاعة المحاضرات.
ما تستمع اليه هنا يُؤخذ منه ويُرد. يُوضع في سياقه. يُساعد حتما على تكوين رؤية لاشكاليات الامن السيبرني وحلولها، لكن لا حلول جاهزة.
البرمجيات، الذكاء الاصطناعي وغيرها مجرد ادوات.
الانسان هو مركز الحل.
منتصف النهار
صوت المعتمد بن عباد في ديوان محمد الغزي مازال يتردد في داخلي. هو موعد الفطور لكنني لا اشعر بالجوع. يبدو أنني نسيت هذه الايام مبدأ تقسيم المعدة الى ثلاث.
– لأحيا مساء مختلفا. قلت لنفسي.
سألت سائق التاكسي عن أغمات. هل يعرفها؟ كم تبعد من هنا؟ كم تستغرق المسافة من وقت؟ من اين يمكن ان استقل سيارة او حافلة تحملني اليها؟
– سأوصلك الى باب أغمات في مراكش قال، هناك ستجد وسائل النقل التي يمكنك ركوبها للوصول الى أغمات.
(هذا قبر المعتمد بن عباد، وهذا هو الشعر الذي اوصى بأن يُكتب على قبره. وتلك مأساته: النفي هنا، فى الصحراء بعيدا عن زهراء الاندلس، فقدان المُلك، قتل الابناء، سبي الابنة الوحيدة… مبرر للشعور المطلق بالفقد وكتابة مثل هذه الكلمات:
( قَد كانَ دَهرُكَ إِن تأمُرهُ مُمتَثِلاً
فَرَدّكَ الدَهرُ مَنهيّاً وَمأمورا
مَن باتَ بَعدَكَ في مُلكٍ يُسرُّ بِهِ
فَإِنَّما باتَ بِالأَحلامِ مَغرورا).
– هذا هو باب أغمات وهذه محطة النقل فيها، قال لي صاحب التاكسي.
نزلت وأنا أفكر في الرحلة الى أغمات كيف ستكون؟
– الذهاب الى أغمات ليس من هنا، قال لي رئيس المحطة. عليك بالعودة الى ساحة جامع الفنا الشهيرة.
توقف الحلم بالذهاب الى أغمات وضريح شاعرها المعتمد بن عباد.
رويدا أعود الى الساحة. على بعد اربع كيلومترات تقريبا. أشق شارعا واسعا، حركة المرور فيه متوسطة، على اليسار سور لا أعرف ما الذي يخفيه. وعلى اليمين مبان حكومية: ادارات مختصة ومعهد ثانوي. مبان متشابهة، ربما بفعل اللون الموحد للمدينة. مع نهاية الشارع بدأت معالم المدينة القديمة في الظهور. السور، الحوانيت المختصة في الصناعات التقليدية، مداخل الانهج الضيقة للمدينة، روائح الأكل من بعض المطاعم الشعبية، تعرجات الطريق الذي أنا فيه…
وجدتني أمام أول مَعْلم أثري: قصر “باهية”. مجموعات من السياح عند المدخل. اشجار وورود على جانبي الممر الداخلي للقصر، ماذا سأفعل؟ أتسلل بين مجموعة من السياح الفرنسيين ومرشدهم المغربي. أستمع الى حديثه عن الاشجار والنباتات. للمغاربة اهتمام خاص بالنباتات تجعلك تقول أنَّ وراء ذالك صناعة كاملة. منها العطور والادوية ومستحضرات التجميل والعصائر وغيرها من الاستعمالات.
– ما أصل هذه الشجرة، شجرة النارنج، سالت المرشد السياحي. أصلها أندلسي، جاءت مع هجرات المورسكيين المتعاقبة. قلت هي موجودة عندنا ايضا في تونس وخصوصا في المدن التي استقر فيها الاندلسيون، كتستور من ولاية باجة وسليمان من ولاية نابل وغيرها من المدن.
لمحات سريعة بيننا حول السياسة وواقعنا العربي الرديء. عاد الى عمله، فيما ذهبت أنا لالتقاط بعض الصور لهذا الممر الجميل الذي يزين القصر.
الانهج الضيقة، الصناعات التقليدية، روائح الاكل، بعض المتاحف كمنزل السيد سعيد هي ما يميز المدينة القديمة.
……
أخيرا أصل الى ساحة جامع الفنا. ساحة واسعة. لا مكان هنا للمباني العالية. ساحة مفتوحة على السماء. كما المدينة. تشقها محلات للفواكه والغلال، تجار سلع تقليدية وأخرى صينية، مجموعات صغيرة للتنشيط الموسيقي، مزامير، طبول، أفاعي وثعابين، مداخل لانهج تجارية محيطة بالساحة، بائع كتب قديمة، لم أجد لديه ما يغري من كتب حول تاريخ المدينة، عربات تقودها أحصنة (كوتشي بالاسبانية وكاليش بالفرنسية) لمن يريد التجوال في نواحي بعيدة من المدينة. حركة لافتة في الساحة رغم حرارة الشمس.
صور وفيديوهات لمشاهد شتى، ذكرى مرور من هنا، بينها صور بين الافاعي والثعابين المدربة.
حديقة الساحة، عند نهايتها.
هناك بدأت التفكير في العودة الى النزل. هل تجولت بما يكفي بين ثنايا المدينة؟ طبعا لا. لكنني بعد ثلاث ساعات من المشي، أحسست بالشبع منها. ثمة نوع من الألفة مع ما أرى يدعوني الى المغادرة بحثا عن وجهة أخرى.
من بعيد بدأت اقترب من جامع الفنا. بصومعته العالية وبلونه الواحد. يبدو ضخما وواسعا. لا اعرف صومعة بهذه الضخامة. ربما تلك فرادتها كما فرادة المدينة التي لا يمكن إلا أن تفتنك بأشياء منها على الاقل:
اللون،
النظافة،
الاتساع،
طيبة أهلها، ترحابهم،
تاريخها الثري كمدينة أصلها ثابت في المكان والعالم.
-4-
5 ماي 2023
ليلة الخامس من ماي.
سهرة في الهواء الطلق. في مكان بعيد داخل أرض مراكش الرحبة. وصلناه بعد ساعة ونصف على متن الحافلة. علو الحافلة يُتيح فرصة لمشاهدة أفضل للمدينة. غياب البنايات العالية يجعلها مكشوفة. مفتوحة على السماء. يتخلل حرارتها اوكسيجين صاف.
نصف ساعة من السير بالحافلة في طريق ريفي ضيق ونصف مُعبَّد. على اليمين و اليسار، عند كل ربوة تقريبا، خِيّم، سيارات، جِمال، دراجات نارية سياحية. الحياة الانسانية نابضة في هذا الخلاء.
أية جرأة بديعة على الاستثمار فيه؟ على محو العدم في هذه الامكنة؟
هذا سحر مغربي بحت. (عندما كنت صغيرا سمعت حكايات تخيف من المغاربة، “الغربي، هو الساحر، صديق الجن، الباحث عن الكنوز، يفعل أي شيء للوصول اليها، كالخطف والقتل، وسمل العين). أساطير ولا شك. بهذا النوع من الاستثمار الواقعي حصل المغربي على الكنز.
وصلنا الى دوار العويصة، مكان السهرة.
استقبال بالموسيقى والشموع والاضواء والزرابي الحمراء المفروشة على كل المكان المُعد للحفل.
خِيم بيضاء بألوان مغربية أصيلة في الداخل، طاولات دائرية معدة للعشاء. برودة المكان دفعت أغلبنا الى الداخل، ساعتان بين الحديث، والموسيقى، والاكل: مفتحات، كسكس مغربي بالخضار، خروف مشوي لكل طاولة.
في صالون علمي لابد من نهاية تحيل عليه. عرض الكتروني في السماء. (السماء صفحة بيضاء بين يدي رسام). هنا، الرسام أجهزة الكترونية متطورة: ثمان وتسعون طائرة مسيرة (Drone)، حاسوب وبرمجية حديثة، بعض المهندسين للمراقبة والتدخل عند الضرورة. الحبر هو الضوء. تطلقه المسيَّرات، الرسوم: علم المغرب، ساحة الفنا، جامع محمد الخامس، وغيرها من علامات ها الحدث… أحدهم علق: هذه نهاية الالعاب النارية في الاعياد والمناسبات.
الجمعة هو اليوم الاخير في مراكش.
في مقهى فرنسا كنا اربعة. أمامنا ساحة الفنا وقد أفاقت من نومها. ساعة مرت سريعا بين ارتشاف القهوة، تأمل المكان، أحاديث في الحاضر والتاريخ، تصفح كتاب عن تاريخ مراكش و الاستماع الى انغام موسيقى الغيتار بأنامل فتى مغربي كان أمام المقهى.
ساعة بذهن خال وفي راحة تامة.
منتصف النهار، في النزل، صور وفيديوهات من زوايا أخرى. طريقة كلاسيكية لتوديع المكان.
أنا ومراكش.
لقاء خاطف وخاطف أيضا.
لقاء لا يمحى.
السادسة والنصف
في الطريق الى الدار البيضاء انشغلت بالقراءة والكتابة.
على أبواب الدار البيضاء، بدأت نسائم المحيط في الهبوب بلطف. ثمة غيوم افتقدناها في مراكش. هي من بركات مجاورة المحيط .الضجيج. حركة المرور البطيئة، البناءات العالية، الوجه الصغير للسماء، بياض البناءات، شبكة الميترو… عمران شاهد على الآن بكل ما فيه. مدينة حديثة في العمران والسن ايضا. تأسس وجهها الجديد سنة 1770 لكن المدينة قديمة. تعود الى ما قبل الميلاد وكانت تسمى”آنفا”. موقعها على المحيط جعل منها، عبر الزمان، ميناء مناسبا للتجارة والحروب.
في الليل، ساعتان من المشي لاكتشاف المدينة، زيارة لمسجد الحسن الثاني، تحفة فنية بأنامل مغربية، للمغاربة باع طويل في حِرف النقش والتزيين يٌستنجد بهم حتى خارج البلاد. مع هذا الجمال، أفكر في ما التهمه من أموال.
هل كان ذلك ضروريا؟
في مثل هذه المعالم، التهام الأموال أهون من التهام البشر (يروى عن الاهرامات أن العمال الموتى كانوا يدفنون داخل حيطانها).
في الساعات الاخيرة قبل العودة.
جولة نهارية في الدار البيضاء، إنها تشبه تونس العاصمة حد التطابق أحيانا. مدينتان يجمعهما الكثير: العروبة، الاسلام، آثار الفرنسيين، الاسواق في نهج الجزيرة، نهج شارل ديغول،…
الجولة هنا، بعد عالم مراكش، تدريب أولي على بعض الفوضى قبل العودة الى المدينة التوأم.
أضف تعليق