كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

هدمُ التَّمَسرح والخروج من العلبة الإيطالية: تأملات في “الملاك عازف الكمنجة” لحكمت الحاج..


حميد عقبي



يبدو أن المسرح والشعر في إبداعات حكمت الحاج وجهان لعملة واحدة. ثمة ترويضات ومساحات واسعة للتخييل، والكثير من المشهدية القابلة للتأويلات المتعددة.
تعالوا بنا إلى تأملات في نصه المسرحي الذي يحمل عنوان (الملاك عازف الكمنجة)، المنشور في كتابه المسرحي بعنوان (جِنّ أو الموعد القاتل: ثلاث مسرحيات من دراما اللامعقول).
فبداية، ومنذ عتبة العنوان، يبتعد بنا المؤلف عن أية مقارنة بين هذا النص وأي نص آخر، ولعل من أهم مميزات نصوص حكمت الحاج أنها تفتقد الصناعة وتميل إلى الخلق والتفرد والكثير من الأنفاق الغامضة، وفي هذا النص سنجد كتابة مختلفة وسريعاً يزج بنا الكاتب إلى عالم ميتافيزيقي وشائك دون أن يُسرف في مقدمات وتمهيدات مملة، وهذا النص، يضع الدراماتورج والمخرج في عدة عوالم وبعضها قد تكون خادعة ويمنحهم الكثير من الحرية للوصول إلى عمق وجوهر النص.

دلالات الفضاء المسرحي

نحن مع نص مسرحي من فصل واحد، تدور الأحداث في هذا الفضاء كأننا على شاطئ البحر ويتميز بوجود التراب وربما أشياء عدة يمكن أن تتناثر هنا وهناك والأهم ربما (عند منتصف المسرح، ثمة صندوق كبير من النوع الذي يستعمله الأطفال في تخزين الرمل واللعب به، هذا بالإضافة إلى دلو وجاروف من النوع الذي يتوفر على الشواطئ)، هذا الصندوق يمكن أن يكون مادة خصبة للتحريك وتنوع استخدماته وهذا التراب والرمل أيضاً مادة خلاقة لخلق وتصوير العالم المخفي والذي ربما اجتهد الكاتب محاولاً أن يخفيه ويُخفي خطورة الدلالات الكثيرة التي يُمكن تفجيرها.
في القراءة الأولى للبداية تخيلت أن الشاب عازف آلة الكمان قد تكون قدماه مغروستان في الرمل وربما يعجز عن الحركة ويمكن أن تأتي معالجة أخرى وتتصور أن ثمة قصورا أو بيوتا من الرمل تحيط بهذا العازف وربما بعضها مُدمر، كأن حكمت الحاج ينزع القداسة الظاهرية لما يوحي به هذا الفضاء ويدعونا إلى التأمل الإيجابي ونوع من الرياضة الروحية والحوارات بداية كأنها عادية ولا تشير أو تعطينا تفسيرات لموقعها وكينونتها في هذا المكان، تبدو حركتها الأولى شبه طبيعية وكأن لا شيء يحدث هنا أو سيحدث بعد ذلك.
ثمة عناصر نشطة في هذا المكان ويمكنها أن تستدعي عناصر أخرى وتتشابك معها، مثلاً يوجد دلو وأشياء عدة وكذلك الرمل والتراب وهي تشير إلى عدة عناصر كالماء وربما النار والريح لتكتمل العناصر الأربعة وتتحرك بفاعلية لتوليد الدلالات الفلسفية والعالم الميتافيزيقي الذي يجتهد النص كي يخفيه، طبعاً توجد عدة اشارات غير مباشرة لعالم يختلف عن هذا الظاهر على السطح والمرئي بشكل مباشر.
قد تذهب حركة الشخصيات وتقلباتها مفجعة في هذا الفضاء، فالمكان كالشخصيات يتميز بأكثر من قناع يلبسه ومع كل قناع عالم يناقض أو يهدم ما قبله، هذه العجوز التي يتم حملها، نراها محمولة ويشير النص لحالتها (وهي متصلبة تماما وساقاها مضمومتان وقدماها تلامسان الأرض وعلى وجهها العتيق يرتسم تعبير ينمُّ عن الحيرة والخوف) لا يدرون أن سيضعونها، هنا.. لا هناك؟
تقول المرأة : ..لا بل هناك.. نعم هناك.. لا لا لا بل هناك لا بأس لا بأس هنا في الصندوق (صمت) في الصندوق أليس كذلك (إلى الرجل) لكن هيا ماذا تنتظر؟ في الصندوق (يحملان الجدة معا إلى صندوق الرمل).
ينبه الكاتب إلى هذه الاداة وهي تكسب قيمتها المتعددة من هذا المكان وكذلك تمنحه قيماً اضافية وكذلك بقية الأدوات فهي هنا للتفاعل وتنفعل في هذا الفضاء، فالمقعد قد لا يعني بتاتاً قيمته الفيزيائية المعروفة ومهمة المخرج أن يحرك هذه الأدوات أو يدمرها أن أحب.

شخصيات متعددة الأقنعة

الشخصيات هنا وإن كانت محددة وهي (المرأة، الرجل، الشاب، الجدة، العازف) هي كمن يهرب منا ومتعددة الأقنعة، تتلاعب بنا وهي أيضاً تتوارى حتى من نفسها وثمة خوف من خلع كل قناع، وحتى حواراتها تكون قصيرة ومتقطعة ودون مستوى الفهم. فجوات فارغة وتبدو متعمدة من الكاتب الذي يميل إلى الصدمات بطرق غير مباشرة. هو هنا لا يصنع العقدة بمفهومها الكلاسيكي والبحث عن حل لها، ولا شعارات فخمة ومشكلات، ولا يتعمد صناعة أساليب تشويقية ليمسك بنا، ربما روعة هذا النص ومن نقاط القوة فيه أنه لا يُمسك بنا كي يثيرنا كشكل درامي وسيكون من المهم المحافظة على هذه الروح وليكن العرض هكذا ليظل من يريد بمكان العرض وليغادر من يريد، فنحن مع فنان وشاعر ينزع إلى مسرح اللامعقول، إذا كانت المعالجة إعادة اللامعقول إلى معقول لغرض كسب الجمهور سيكون هذا بمثابة تدمير حقيقي لجوهر النص وبتر كامل لكل منصاته الخارجية.
قولي بعالم ميتافيزيقي لا يعني نزع بشرية هؤلاء البشر والتمرغ بأساطير قديمة. ان قوة أي عمل فني هو خلق أسطورة جديدة وعبر بشر وعالمنا اليوم يعيش فجائع كارثية تفوق ما عاشته الإنسانية في الماضي، الكثير من الأسئلة الكونية تختفي ولعل كثرة الأسئلة في الحوارات تعطي اشارات قابلة للتطوير. ولنستمع مثلاً إلى بعض الحوارات:
المرأة (تتلفت) إذا ما سارت الأمور بهذا الشكل فإننا حتما سنصل إلى نتائج مدهشة. ما رأيك؟ الرمل موجود، والماء من خلفه.. ما رأيك؟ (بعنف) قل لي ما رأيك؟
ثم حوار يأتي بعد وضع العجوز بذلك المكان
الرجل: هل تعتقدين أنها مرتاحة بهذا الشكل؟
المرأة: (بعصبية) وما يدريني أنا؟
(صمت)
الرجل: والآن ماذا سنفعل؟
المرأة: (كأنها تتذكر ما قاله سابقا بنفس الكلمات) ماذا سنفعل ماذا سنفعل؟ أليس لديك غير هذا لتقوله؟ اسمع. أنا سأقول لك ماذا سنفعل. نحن س ن ن ت ظ ر. نـجـلـس هـنا و ن ن ت ظ ر. هذا ما سنفعله. مفهوم؟
ثم حديث الشاب وحواره مع الجدة:
الشاب: من؟ أنا؟ في الحقيقة أنا كنت أتمشى قليلا ثم…
إذن هكذا نتورط أكثر مع هذه الشخصيات ثمة رغبة لمعرفة الكينونة والذات وهذا المكان وربما قد توجه بعض الأسئلة إلى الجمهور وقد تتحرك شخصية ما بجنون لتهدم الجدار الرابع، فالنص يحوي هذه الروح النزقة والمتورطة بماسأة جديدة قديمة ومحض إنسانية.
ضجر وانتظار وملل والبحث عن حلم، عن نغمة جديدة، جلبة وضجة خارج المسرح وتنتهي بالدخول إلى المسرح، هذه الشخصيات في مكان وعالم مفتوح ولكن هل تملك حرية الخيار أم أن هذا المكان المفتوح فيه قيود وثمة قضبان وكأنه محاصر بالألغام والمفخخات ويصل الحال ببعض الشخصيات تصريحها أنها لا تحتمل الموقف، صراعات داخلية وخارجية، لا أحد بخير لا هم ولا نحن!

نص يهدم التمسرح

كما تتجلى روعة النص من حيث أن الكاتب يهدم الدراما ومسرحة النص فنحن هنا مع اللامعقول بكل تجلياته وتطلب بعض الشخصيات تعديلاً في الإنارة أو تخاطب المخرج وليس فقط تخاطب وتحاور الجمهور والنص، وقد يبلغ الحماس بأحدى الشخصيات أن تستدعي الكاتب وتطلب تعديلاً في الحوار أو تطلب قطعة ديكور ليست متوفرة على الخشبة.
بإمكان هذه الشخصيات أن تفعل أكثر وتطلب أكثر وتسأل أكثر عن الموت والحياة.
الجدة وكنا بالبداية نظنها شخصية ثانوية ولكنها ترفض تصنيفنا وتتحول لشخصية نشطة وديناميكية وهي تحاول إلى أخر لحظة أن تفهم معنى الحياة، يأتي موتها، هنا تقول
الجدة: ماذا؟ الموت؟ أهاااا.. الآن فهمت كل شيء.
لا توجد شخصية ضعيفة هنا، وهم جميعاً بلا أسماء، وبعضهم لا يعرف مصدره ومنبعه، كأن الجدة تسأل الكاتب حكمت الحاج من أين أتيت بنا إلى هنا، ولماذا؟
النهاية مفتوحة، والموت بداية وشكل من أشكال الحياة، والنص يمتلك عناصر بصرية قابل لأية معالجة مسرحية، كما أنه مادة خصبة للمعالجات السينمائية المتعددة.

* جِنٍ أو الموعد القاتل، ثلاث مسرحيات من دراما اللامعقول، حكمت الحاج، مومنت للكتب والنشر، لندن 2018.
* تلاث مسرحيات بالتونسي من دراما اللامعقول، مسرحيات بالعامية التونسية، تأليف حكمت الحاج ود. زينب بن ضياف، مومنت للكتب والنشر، لندن 2019.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.