كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

لاعب الظل وجماليات السرد القصصي عند عواطف محجوب..

يوسف هدماني



“لاعب الظل” مجموعة قصصية للكاتبة والشاعرة التونسية عواطف محجوب، جاءت في 104 صفحات وتضم 25 قصة قصيرة، صدرت في لندن عن دار مومنت للكتب والنشر عام 2021.
لم تجعل القاصة عنوان الكتاب واحدا من عناوين القصص القصيرة الموجودة في الكتاب، بل فضلت اختيار عنوان من عندها صاغته بدقة وبأدبية ليكون مناسبا للكتاب ككل ويشمل موضوعاته وقضاياه، وليكون جذابا للقارئ الذي سيتبادر أول سؤال إلى ذهنه وهو: من يكون لاعب الظل؟
تجيب صاحبة لاعب الظل عن هذا السؤال، في حوار مع الإعلامية الكبيرة غابي لطيف على أمواج اذاعة مومنت كارلو الدولية، بقولها: (لاعب الظل يكون في متناقضين هما المسيطر الذي يختفي في الظل أو ذلك المهمش الذي يعيش في الظل لا صوت له، يعني هنا متناقضات تطرح نفسها، فإما السلطة التي تبني نفسها كدولة ظل، أو ذلك المهمش في البعيد) .
وبالتالي فالظل له رمزيته فقد يوحي إلى الظلام الظلم الفقر التهميش، وهلم جرا. وأما بالنسبة لعناوين قصصها فقد اختارتها بعناية بحيث تكون مرتبطة بشكل أو بآخر بموضوع وقضايا القصة، فالعنوان يكون في القصة بشكل عام بين التلميح والتصريح، وبين الكاشف والغامض، فنجد من بين عناوين قصصها (لوسيفر، شارون، ثرثرة الظلال، ثمنا للحرية والكرامة، هيراكليس الرئيس، آتروبوس، اطلالة على العالم الحديث، أرجيريا)، وبالتالي استطاعت القاصة من خلال هذه العناوين الغوص في عمق المجتمع والإنسان والسياسة وتناولت مواضيع حساسة كالفقر والتهميش والإرهاب والاغتصاب والمرأة والشباب والهجرة، وبالتالي أبحرت عواطف محجوب في كهوف النفوس البشرية.
تكتب عواطف محجوب عناوين قصصها قبل كل قصة فيكون العنوان واضحا للقارئ أحيانا، وأحيانا أخرى تختار عنونة القصة بأسماء أسطورية قد لا يعرفها القارئ للوهلة الأولى ولذلك تعرفها في نهاية كل قصة ليتمكن القارئ من فهمها.
وتسرد المؤلفة بأسلوبها السهل الممتنع دون استعمال كلمات غريبة لغويا، متوخية بذلك هدفها النبيل وهو ايصال الفكرة للقارئ، فهي تعالج تقريبا جل المشاكل والأزمات التي يعيشها المجتمع التونسي، بل وتتخطاه إلى الواقع المغاربي كذلك من خلال ذكرها لأحداث “شمهروش” التي قتلت فيها السائحتين الأجنبيتين في مارس 2018 جراء عملية ارهابية وحشية، وبالتالي القاصة مرتبطة بالواقع الإنساني بشكل عام، فهي لا تعيش في برج عاجي، بل تشارك الإنسان همومه وأمراضه وحزنه ومشاكله وهذا يتضح لنا جليا من خلال مواضيع قصصها، فنجدها تتطرق لقضية الاغتصاب التي تتعرض لها المرأة في السجن في قصتها “قضبان للصدفة”، و بعض الشيوخ الأوغاد الذين يستغلون الدين وجهل الناس من أجل إشباع غرائزهم الوحشية والتي جسدتها عواطف من خلال شخصية “الشيخ عدنان” الذي اغتصب “عفاف” في قصة (عرائس القصر)، وتعالج مشاكل الهجرة السرية التي يقوم بها الشباب باتجاه أوروبا بشكل كبير بسبب الطغاة الذين يعشقون الكراسي، وكثرة اللصوص في بلدانهم وهم الساسة الذين لا يكفون عن النفاق والكذب بشكل يومي دون توفير حياة ملائمة لهم. وأشارت إلى هذا كله من خلال قصة (القونة)، بالإضافة لموضوع الانتحار من خلال قصة (أتروبوس) والذي ذكرت فيه عواطف محجوب انتحار الكاتب والشاعر “نضال الغريبي” في مارس 2018، ويتضح من خلال القصة تأثر القاصة بموت نضال بشكل كبير، فلم تجد سوى القصة لتساعدها على تقيؤ تلك الغصة على شكل كلمات للتخفيف من الصدمة التي شعرت بها .
وأما في قصة (هيراكليس الرئيس) فقد عرت صاحبة لاعب الظل غرور الطاغية ورغباته الشخصية وأفكاره وعشقه للسلطة وليس للشعب، وتعري بشكل واضح كيف يمثل أمام التلفاز والإعلام، كأنه مجرد ممثل فوق خشبة المسرح يؤدي دوره حسب الجمهور ويلبس قناعا طوال الوقت. ويمكن اعتبار هذه القصة إدانة لكل طاغية عاشق للسلطة والمال. بالإضافة إلى اطلاع عواطف على علم النفس وبعض الأمراض النادرة ونذكر “بورفيريا وأرجيريا” وهما مرضان جعلتهما عنوانين لقصتين .
وانطلاقا من كل هذه المواضيع وغيرها التي تناولتها عواطف محجوب في كل قصصها في هذا الكتاب نجدها تتناول قضايا حساسة بكل جرأة دون خوف من المجتمع أو من الحاكم أو غيره، وبالتالي تجسد مفهوم المثقف العضوي عند “غرامشي” .

الرمز و الأسطورة في لاعب الظل..

تستحضر عواطف محجوب شخصيات مرجعية حسب تعبير “فيليب هامون”، أي شخصيات أسطورية ميثولوجية، وهي شخصيات ممتلئة دلاليا يحتاج فيها القارئ إلى معارفه لتفكيك دلالتها، أي نملك عنها معارف مسبقة أحيانا، وقد تعيش في ذاكرتنا، وهذا شأن الشخصيات التاريخية والاجتماعية والرمزية والأسطورية، وهذه الأخيرة اختارتها القاصة كعناوين لبعض قصصها فنجد “أتروبوس” وهو إله الجحيم عند الرومان والإغريق واعتمدت داخل هذه القصة شخصيات أسطورية مثل ( لاشيسيس، وكلوتو) و”بوقارت” وهو غول في اسكتلندا خرافي وخبيث يتسبب في المصائب وهو شخصية استحضرتها عواطف في قصة (ماريونيت)، واستحضرت كذلك أسطورتي “مردوخ” و”تيامات” في قصة (البرزخ) وبطل الميثولوجيا الإغريقية في قصة (هيراكليس الرئيس) كما استحضرت في قصة (اطلالة على العالم الحديث) شخصية “بروميثيوس” الذي سرق النار في الأسطورة الإغريقية وقدمها للبشر، و”زيوس” و”باندورا” وهما أسطورتان اغريقيتان.
واستعملت القاصة الرمز حيث جاء ابن خلدون في قصة (ثرثرة الظلال) كرمز للمثقف، واستحضرت يسوع كرمز للنبي، فالهدف من استحضارها لكل من يسوع وابن خلدون من الماضي هو تأمل الحاضر وتعريته بكل سلبياته التي غاص فيها الإنسان دون الشعور بما تفعله بنا، فنجد مقطعا من هذه القصة يؤكد الهدف من استعمال الرمز: (ألا ترى شاشاتهم ماذا تفعل بالقول والعقل والرأي؟) وبالتالي هنا تكمن المفارقة وهنا تكمن عبقرية عواطف محجوب لتوصيل الفكرة لقارئ بشكل جميل وحثه على التفكير والتأمل وليس فقط استيعابه للمعرفة السردية، وبالتالي يتشكل المتلقي الإيجابي.
فعواطف التي تعيش الواقع، والتي تعرف عبثية الواقع وسوداويته ولها رؤيتها الخاصة للعالم، والتي تراه أحيانا بأنه عبارة عن كوميديا سوداء فإنها قد تعتبر استحضار الميثولوجيا والأسطورة ضرورة بنيوية، وليس لإضفاء جمالية على نصوصها فقط، فلغة اليوم المقننة قد لا تكون كافية للتعبير عن مآسي الإنسان وما نعيشه، وبالتالي فلا بد من استحضار الميثولوجيا وما تحمله من معاني الألم في الماضي لتحاكي أحداث الحاضر، وللتعبير عن اللحظة التراجيديا الإنسانية الراهنة.
وفي قصة (اطلالة على العالم الحديث) نجد عواطف محجوب وكأنها تعاتب الشخصية الأسطورية “بروميثيوس” الذي سرق النار وقدمها للبشر ، معتبرة فعلته سببا في موت العديد من الناس من بينهم (محمد البوعزيزي) إذ تقول في القصة نفسها (أهذه هي النار التي سرقها من أجلهم؟ ها هي اليوم تشتعل فيهم وتقتلهم بدل أن تكون سبيلا للمعرفة وأداة إبداع)، ليبكي بروميثيوس في نهاية القصة لما فعته ناره وليهرب إلى عصره بعدما صدمته المشاهد المأسوية التي شاهدها في وقتنا الراهن.

الجماليات القصصية في “لاعب الظل”..

1 جمالية الحلم: وهي آلية خطابية تشخص المنسي والمهمش والمقموع والمسكوت عنه، وهذا يتضح جليا من خلال تناولها لموضوع الاغتصاب في قصة (الأقل حظا) وفي قصة (قضبان للصدفة) وتعري ما يتعرض له المهمش وهو المرأة هنا التي تتعرض للعنف والاغتصاب، وبالتالي قد يمكن اعتبار الاغتصاب في هاتين القصتين كشخصية سلبية.
2 جمالية السخرية: أي جمالية الفضح والكشف، ونجد عواطف محجوب في أغلب قصصها تعري وتفضح الواقع. ففي قصة “هيراكليس الرئيس” تفضح الوجه الحقيقي للحاكم العاشق للسلطة والمال، وكيف يرتدي قناعا أمام الشعب، وفي “عرائس القصر” تعري جهل الناس وتصديقهم لخرافات بعض الكهان باسم الدين وهلم جرا.
3 جمالية التشذير: خرق النمط القصصي التقليدي وبناء عالم التشظي والشتات أو ما يسميه البعض “النمط المتمفصل”، ونجد أن عواطف محجوب جسدت هذه الجمالية في قصة (المهجوس) حيث تستعمل الغريب والعجيب والفانتاستيك فنجد “قفز الرأس مجروحا”، فهذا المهجوس يعيش عبثية وشتاتا بحيث يصير دماغه في حذائه، ومن هنا فكأنه يعيش أحلاما سريالية، وبالتالي عواطف محجوب نجدها استندت على فلسفة العبث واللامعقول والعدم، وذلك لأنها تدرك جيدا أن الواقع أقرب إلى العبث في أحيان كثيرة.
4 جمالية الهامش: تمردت القاصة على سلطة المدن، والتفتت للهامش، وهذا هو الغالب على جل قصصها. ففي قصة (رق) تعالج عواطف ذلك المهمش في الهامش، وهي تلك المرأة التي تشتغل في البيوت وما تعانيه من اهانات من طرف سيدتها في العمل، وحوادث السير المروعة والمأسوية التي تتعرض لها العاملات في المجال الزراعي .
5 جمالية المسخ: الارتباط بعوالم كفكاوية عبر “جمالية المسخ”، لانتهاك المقدس والسلطوي، وانارة المعتم وتعرية الموبوء والتمرد الرمزي على اليومي والمألوف. ففي قصة (المهجوس) نجد هذا العالم الكفكاوي والسريالي، فنجد عبارة تدل على تلك من قبيل (فقهقهت صورته المنعكسة عن طيفه، عدم يمشي على قدمين)، والناس يمشون على رؤوسهم بدل أرجلهم، وبالتالي استعملت عواطف هذا كله من أجل انتهاك المقدس وهي السلطة عندنا فلا أحد يحق له التعبير عن رأيه، و لا أن يثور ضد الظلم الذي يتعرض له في حياته اليومية فالناس في القصة يمشون على رؤوس لما يتعرضون له من الظلم فنجد صرخة من القاصة في القصة تقول ( من الراعي؟ الوزارة، كالعادة الوزارة، الشيوخ والراقي، إنها الثقافة، يستحضرون ما يحفظون دون وضوء، دون وجود، هذا هو الوجود، الحال مرهون، لن أذهب إذا)، فنلاحظ أن عواطف تستغل شخصياتها من أجل اطلاق رصاصات مصوبة نحو الطغاة، أو أحيانا نحو الإرهاب والاغتصاب والفقر، وبالتالي تدين هذه الظواهر من خلال حكاية موازية يكتشفها القارئ عند نهاية كل قصة.
هذه اذن هي بعض الجماليات القصصية في لاعب الظل، بالإضافة إلى ذلك استعملت عواطف محجوب تقنية سردية هي الاسترجاع ونجدها في قصة “بورفيريا” حيث تركت القاصة الحدث وعادت تسرد أحداثا من الماضي، و المكان في بعض القصص لم يعد مكانا مرجعيا بل مكانا للغرابة والغربة و تشعر فيه الشخصية بالغربة والخوف بدل الحميمية والطمأنينة، فنجد في القصة نفسها قولة على لسان الشخصية “أحس كأن المكان غير المكان”. وفي قصة “شيزوفرينيا” تتضح سلطة المكان على الشخصيات فنجد (تخنقه الأمكنة رغم اتساعها تنطبق عليه فيضيق صدره) وفي قصة “التحول” نجد نفس الشيء فالمكان له سلطته وقوته (الأرض تنسحب له وتتمدد وكل شيء استحال كبير الحجم)، ويمكن اعتبار المكان بدوره هنا شخصية اخرى تلعب دورا ايجابيا أو سلبيا في القصة.
أما الزمن في هذه القصص فهو في غالب الأحيان زمن مبعثر لا نظام له، فأحيانا نجد بعض الإشارات للزمن مثل “الليل يرخي سدوله”، “الليل ستار فاحم اللون”، بالتالي الزمن فاقد لملامحه.
وانطلاقا من كل ما تطرقنا إليه نجد أن الكاتبة عواطف محجوب نجحت في كتابة القصة القصيرة التي تعتبرها أصعب الأجناس الأدبية فهي تحول بحرا إلى بحيرة، وأفلحت في إحداث دهشة لدى القارئ في نهاية كل قصة، لتتوغل داخل النفس البشرية معبرة عن قضاياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والوجودية والنفسية بكل حرية وجرأة باعتبارها امرأة، وبالتالي جسدت عواطف محجوب المعنى الحقيقي للمثقف العضوي .

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.