بقلم: أسماء المصفار*
إنّ تطور الرواية عند “ميخائيل باختين” يقوم على تعميق “الحوارية” فيها وتوسيعها وإحكامها. ولعل من أهم الدراسات الغربية الحديثة المنظّرة للأسلوبية الروائية متعددة الأصوات كتاب “ميخائيل باختين والمبدأ الحواري” لتزفيتان تودوروف، إذ اهتم هذان الباحثان بالبحث في نظرية الرواية والقول بوجوب وشروط حواريتها. فشكّلت الرواية لديهما مجالا خصبا لكشف تجليات البوليفونية (التعدد الصوتي في الخطاب الروائي). وقد تمّ توظيفها لتجسيد العلاقة بين الكاتب وشخصيات روايته والأصوات المجهولة التي تعمل على التصريح بأشياء على لسان المؤلف دون الإعلان عن نفسها.
رأى باختين أنّ الخطاب لا يشتمل على صوت واحد، بل هو مجال تتعدد فيه الأصوات، ومدار هذا التعدد يعتمد على استعمال القائل لما قيل قبله أو استباق ما ينتظره المخاطَب. لذلك فقد وجدنا أنّ باختين يعتبر الرواية تقوم وجوبا على الحوارية أي تعدد الأصوات فيها وحاول تطوير مفهوم الخطاب من كونه نصا كبيرا منغلقا على نفسه إلى نص منفتح على المتخاطبين باعتبار أنّ الخطاب لا يقال لخبر فقط، وإنما يقال لما ينجزه القائل من أعمال في المقول له. إذ إنّ القول البلاغي يحضر فيه صوت المخاطب والمخاطَب وأصوات متعددة في القول نفسه. وهذا المفهوم للخطاب موسوم بمفهوم أوسع هو مفهوم الحوارية الذي يقوم على تعدد الأصوات ويعود ذلك إلى اعتماده على الأبحاث اللسانية الماركسية لتأكيد وجود الإيديولوجيا في بنية الفن الروائي، فهو يعتبر أنّ الدليل اللغوي محمّل بشحنة إيديولوجية لا تعكس الصراع الاجتماعي السائد وإنما تجسّده وتدخل في سياقه وباعتبار أنّ الرواية هي نظام من الدلائل فإنّ باختين كان مدفوعا إلى القول بإقحام الإيديولوجي بعالمه المعقد، ذلك أنّ الروائي في نظره لا يتكلم لغة واحدة كما أنّ أسلوبه ليس هو لغة الرواية ذاتها لأنّ الرواية في الواقع متعددة الأساليب، فكلّ شخصية وكلّ هيئة تمثّل في الرواية إلّا ولها صوتها الخاص وموقفها الخاص ولغتها الخاصة وأخيرا إيديولوجيتها الخاصة. وهكذا فلا حاجة إلى أن تدعو مقابلة الرواية بالواقع لأن الواقع حاضر في الرواية على المستوى اللساني نفسه.
يتنزّل مشروع باختين في إطار نقد الجمالية المادية وتجاوز الشكلانيين الروس الذين اهتموا بالشكل وغيّبوا المحتوى لتحقيق رهان علميّ وضعيّ، إذ بالنسبة له ليس المحتوى إلا عنصرا من الشكل أي أنّ القيم الإدراكية والأخلاقية لها في الأثر الفني دلالة شكلية خالصة الشرط الوحيد الذي يمكننا من الحديث عن أدبية عند باختين هو التفاعل المستمر وعدم الانفصال بين المحتوى والشكل مثل مسألة العقل والجسد، والمحتوى يتشكل عنده بالمادة والشكل معا.
انشغل باختين بتوضيح مفهوم الحوارية الذي يُعدّ اصطلاحا مفتاحيا في عمله الفكري ونظرته إلى علاقة الأنا بالآخر. فإذا كانت الرواية ملحمة برجوازية عند هيجل وجورج لوكاتش ولوسيان غولدمان، فإنّها لدى باختين ذات أصول شعبية تتمثل في الحوارات السقراطية والروح الكرنفالية. هذا يعني أنّ الرواية قد تفرّعت عن أجناس شعبية دنيا تحيل على الطبقة الاجتماعية العامة، بمعنى أنّ الأدب المضحك والساخر كان وراء نشأة الرواية حسب باختين فهو يذهب إلى أنّ نشأة الرواية تفرّع عن أجناس أدبية ثلاثة وهي: الملحمة والخطابة والكرنفال. وتتّسم الرواية متعددة الأصوات لدى باختين بتعدّد وجهات النظر والرؤى الإيديولوجية وبتعدّد الشخصيات والرواة والسّرّاد والمتقبّلين وهي تختلف كلّيّا عن الرواية المونولوجية التي تتميّز بطابع الأحادية على مستوى الراوي والمواقف واللغة والأسلوب. يقول باختين في ذلك معتمدا نماذج روائية من أعمال تولستوي: “يتّسم الخطاب في عمل تولستوي بحوارية داخلية شفافة، إذ يدرك تولستوي بحدّة ونفاذ في الشيء وكذلك في أفق القارئ، الحوارية التي تتميز بخصائصها الدلالية والتعبيرية”.
اعتبر باختين أعمال تولستوي متميزة عن غيرها خاصة وذلك لتميزها بسمة التعدد الصوتي، فكلّ شخصية من شخصيات هذه الروايات لها صوتها الخاص بها الذي يختلف تماما عن صوت المؤلف، و تتمتع الشخصيات باستقلال نسبي وحرية كاملة في التعبير عن عوالمها الداخلية والموضوعية ولها الحق في الكلمة الحقّة والصريحة التي قد تتعارض وذلك بشكل من الأشكال مع كلمة المؤلف أو السارد أو البطل الموجّه من قبل الكاتب. كما يرى أن بروز الملمح الحواري في الأعمال الأدبية لم يكن جليا فقط في أعمال تولستوي، بل كذلك ظهر في روايات دوستويفسكي. إذ يُعدّ دوستويفسكي أيضا في نظر باختين من أهم خالقي الرواية متعددة الأصوات لأنّه أوجد صنفا روائيا جديدا بصورة جوهرية ولهذا السبب بالتحديد فإنّ أعماله الإبداعية لا يمكن حشرها داخل أطر محدّدة من أي نوع. وما يلاحَظ كذلك في الشخصيات الروائية في أعماله أنّها غيرية مستقلة عن شخصية المؤلف أو الشخصية التي تمثل الكاتب نفسه، كما أنّها شخصيات حرّة وهنا ليست الحرية مطلقة بل هي حرية نسبية وفي هذا النطاق يقول باختين: “لقد تمّ التوصّل إلى الاستقلالية الداخلية المدهشة لأبطال دوستويفسكي وهذه الاستقلالية والحرية تدخلان في خطة المؤلف، فالشخصيات أقنعة رمزية وإيديولوجية”. ويضيف باختين قائلا: “دوستويفسكي هو خالق رواية التعدد، لقد أوجد صنفا روائيا جديدا بصورة جوهرية”. ويقرّ أنّ التعددية الصوتية قد دخلت بقوّة عالم الأدب بعد دوستويفسكي، باعتبار أنّه حسب باختين يستند في حواريته إلى الخبرة الذاتية لشخصياته، لذلك فقد بلور مفهوم الحوارية اعتمادا على إنتاج دوستويفسكي الروائي حيث تتعدد الأصوات وخاصة روايته ذائعة الصيت “الجريمة والعقاب”. وهي ما تمثل لدى باختين ارتباط الشكل بالمحتوى وما بينهما من حركة تفاعلية، فالرواية عنده ملفوظات لغوية باعتبارها ظاهرة لغوية تقتضي دراسة خطابها مجاوزة الجملة إلى الملفوظ.
قدّم باختين نظرية نقدية للرواية ميّز من خلالها بين نمطين روائيّين متباينين من حيث الشكل والتوظيف الإيديولوجي، يتعلق الأمر بالرواية المونولوجية والرواية البوليفونية (متعددة الأصوات).
يطلق على الرواية الكلاسيكية بالمونولوجية أو المناجاتية أي الرواية ذات الصوت الواحد، وذات البناء التقليدي، فهي تسعى لتأكيد إيديولوجيا واحدة ولا تسمح للإيديولوجيات الأخرى المناقضة بالبروز إلا بما ينفعها ويخدمها في النهاية. فالرواية تشمل عدة تصورات متباينة يجسّدها أبطال متعددون باعتبارهم متكلمين، لكنّ الكاتب باعتباره متكلما أيضا لا يسمح باستقلال لغاتهم ذات الطابع الاجتماعي، فيتحكم بها كلّها، وينتصر لفكرة واحدة لا غير ويجعلها الغالبة والمهيمنة في الأخير، وقد يهدف من إدراجه للإيديولوجيات المناقضة إلى إبراز مساوئها وتثمين فكرته في المقابل، وهذا ما يفسّر أحادية الرؤية للكاتب، والتي تسعى إلى إقناع القارئ بأهميتها و أن لا جدوى من الآخرى فلا تترك له مجال الاختيار ولا تسمح للرواية بتجسيد صراع إيديولوجي عميق.
لقد رفض باختين هذا البعد المونولوجي في الرواية التي تكتفي بعرض إيديولوجيا واحدة من بداية الرواية إلى آخرها معتبرا أنّ هذا قد ينطبق على الشعر دون الرواية التي يجب أن تحوي خطابات متعددة اللغات ومتباينة الرؤى سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي.
يعتبر باختين أنّ الرواية المثلى هي الرواية التي تحقق مبدأ الحوارية من خلال تعدد الأصوات داخلها وتحاور شخصياتها، على أنّ كل شخصية تؤدي دورها من خلال اسمها وصفاتها ومظهرها وخطابها وبما تحمله من قيم ومواقف وفي المقابل يغيب صوت الراوي مفسحا المجال للشخصيات لتعبّر بكلّ تلقائية وفق انتمائها الاجتماعي ومستواها الثقافي. واعتبر هذا التعدد عامة دعامة أساسية في تحقيق الحوارية وخلق جوّ تسوده الديمقراطية في توزيع الأدوار وذلك لكونها تمنح الحقّ لكلّ الأفكار في التعبير والتمثّل في هذا الملفوظ، كما تحقّق صراعا إيديولوجيا عميقا وتعدّدا للآراء ورؤية أكثر شمولا للواقع، ممّا يكسبها كمّا من القرّاء الذين يجدون فيها ضالّتهم من أفكار ورؤى دون انحياز من الكاتب لشخصية على حساب أخرى، وإنما يعطي لكلّ الشخصيات القدر نفسه من الاهتمام والمساواة بينها من حيث إبراز مختلف جوانبها المضيئة والمعتّمة، فيسعى الكاتب بذلك إلى تحقيق حياد مطلق وترك القارئ حرّا في الاختيار بين هذا الزخم الإيديولوجي.
لقد أشار باختين إلى هذا الحياد بقوله: “إنّ مؤلف الرواية متعددة الأصوات مطالب لا في أن يتنازل عن نفسه وعن وعيه، وإنما في أن يتوسع إلى أقصى حدّ أيضا في إعادة تركيب هذا الوعي وذلك من أجل أن يصبح قادرا على استيعاب أشكال وعي الآخرين المساوية له في الحقوق”. فالكاتب في نظر باختين ملزم بأن يحتفظ بموقفه ولا يدافع عنه وأن يطرح بالمقابل أشكال الوعي الأخرى التي تناقض موقفه. وعليه تعدّي شخصية المتكلم البارز في الرواية، فهي الصوت الإيديولوجي المعبّر عن مختلف المواقف بمختلف التقنيات السردية والمقومات الفنية.
يجب أن نقر بأن باختين يؤمن بحقيقة أنّ ظاهرة الصوت الحواري الداخلي تكون متجلية بشكل أو بآخر في جميع مجالات الكلام الحيّ، لكن إذا كان الصوت الحواري في النثر العامّي أي خارج الأدب يتميّز عادة بفعل مستقل وينتشر في حوار مباشر أو في بعض الأشكال الأخرى المعبّر عنها تركيبا من خلال الجدال مع كلام الآخرين فإنّه في النثر الأدبي على العكس من ذلك وخاصّة في الرواية إذ يبدو التوجه الحواري وكأنّه حدث الخطاب نفسه مضفيا عليه الحركة الدرامية من الداخل.
“لعبة النسيان” لمحمد برادة كرواية بوليفونية: الخصائص الأسلوبية والمميزات الفنية.. *
تمتاز الرواية متعددة الأصوات (البوليفونية) بمجموعة من المقومات والخصائص الأسلوبية والفنية أبرزها:
تعدد الرؤى الإيديولوجية والمنظومات السردية والأجناس الأدبية، تعدد الشخصيات واللغات والصيغ والأساليب، توظيف الكرونوتوب (وحدة الزمان والمكان) واستعمال فضاء العتبة وتشغيل الفضاءات الكرنفالية الشعبية، ومن جهة أخرى تسعى الرواية التقليدية إلى الإكثار من السرد على حساب الحوار والأسلوب غير المباشر الحرّ مع الانطلاق من رؤية إيديولوجية معيّنة، يتمّ ترجيحها سردا وتحبيكا وتخطيبا. في حين تتضاءل الإيديولوجيات الأخرى، حيث يتمّ تبخيسها فكريا والانتفاض منها عمدا وذلك لوجود السارد العارف المطلق الذي يتحكم في دواليب السرد والحكي بغية التأثير في المتلقي المفترض، أمّا الرواية البوليفونية فهي رواية ديمقراطية تدمج كلّ القرّاء المفترضين، ليدلوا بآرائهم بكلّ حرية وتلقائية، فيختاروا ما يشاؤون من المواقف والإيديولوجيات المناسبة، حيث يتمّ الحديث عن حرية البطل النسبية واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بصراحة حتى ما إذا كانت مواقفها بحال من الأحوال مخالفة لرأي الكاتب، كما أنّ كل شخصية تسرد الحدث الروائي بطريقتها الخاصة وذلك بواسطة منظورها الشخصي، ومن زاوية نظرها الفردية وبأسلوبها الفردي الخاص بمعنى أنّ الرواية تقدّم عصارتها الإبداعية وأطروحتها المرجعية عبر أصوات متعددة، وهذا ما يجعل القارئ الضمني الواعي يختار بكلّ حرية الموقف المناسب ويرتضي المنظور الإيديولوجي الذي يلائمه ويوافقه دون أن يكون المتلقي في ذلك مستلبا أو مخدوعا من قبل السارد أو الكاتب أو الشخصية على حدّ سواء، ومن أهمّ النصوص الروائية العربية التي سارت على هذا النحو نشيد برواية “لعبة النسيان” للكاتب المغربي محمد برادة التي استعمل فيها كاتبها تقنية الرواية متعددة الأصوات، والتي تتشابك فيها أحداث تخييلية وواقعية متنوعة، وتتناغم فيها تيمات عديدة على إيقاعات درامية حدادية دائرية التركيب إلى جانب تفاعل عدة شخصيات رئيسية وثانوية عبر حركة التاريخ وصيرورة الزمن وتناوب الأجيال ما بين الأحداث والاستقلال وما بعد الاستقلال، إذ تحضر في هذه الرواية عدة تيمات مثل الحياة والموت، والجنس، وصراع الذات مع الموضوع، والوطن والنضال، والحرية…
تنبني رواية لعبة النسيان على تعدد السّرّاد والأصوات والضمائر والمنظورات. إذ إنّ كلّ قصة نووية يسردها سرّاد مختلفون، وكلّ سارد كانت له رؤيته الخاصة إلى موضوع رغبته، وذلك يدخل في خطّة المؤلف الذي أعطى لشخوصه الحرية التّامّة في التعبير عن وجهات نظرها دون تدخّل من المؤلف لترجيح موقف على آخر، بل ترك كلّ شخص يدلي برأيه تجاه حدث أو موقف ما دون زيف أو تغيير لكلامه، لذلك نكتشف في كل قراءة جديدة لتلك الرواية أنّها قابلة لأن تُروى و تفهم من منظورات ووجهات عديدة متناقضة، يعود ذلك إلى مدى نجاح صاحبها في جعلها رواية متعددة القراءات بتعدديتها الداخلية. فهي رواية ذات منحى حداثي وتجريبي لاعتمادها على تشظية المتن الروائي إلى عدة حكايات صغرى نووية، وتوظيف تقنية الاسترجاع من خلال اشتغال الذاكرة والحنين إلى الماضي والخوف من المستقبل المجهول، فتعدّد السّرّاد منهم: (راوي الرواة، الهادي، الطايع، سي إبراهيم، نساء الدار الكبيرة…). وتعدّد الضمائر والأجناس وغلبة الحوارية وتداخل الأزمنة وتوظيف التخييل الذاتي والموضوعي، وتناول تيمات جريئة مثل تيمة الجنس والشهوة والاستبداد والسلطة. كما نلاحظ أنّ الكاتب يخفّف من تدخلات الراوي العالم بكلّ شيء في الرواية والذي أدركنا أنّه يملك المعرفة المطلقة من خلال رؤية خافية ينظر بها إلى الشخوص مدّعيا الحياد والموضوعية مما يتبادر منه في شكل تعليقات وتقويمات عندما أدخل راوي الرواة إلى حلبة السرد ليشوّش على الراوي المطلق الذي يمثل المؤلف الضمني، لأنّ وجود راوي الرواة هو تصحيح لعدّة حقائق من الرواية وفضح لأسرار الذات وانطلاق لماهو ضمني وغيبيّ وبوح بالحقيقة واعتراف بها، ويحضر الخطاب المسرود الموضوعي في تقديم أسلوب إخباري تقريري عن الشخصيات والأحداث والفضاءات بطريقة توحي بالواقعية وتموّه بصدق المحكي، لذا يعمد الراوي أو راوي الرواة إلى تبنّي السرد والنيابة عن الشخصيات في نقل الأجواء السردية ونورد الشاهد الآتي داعمين ما سبق قوله وذلك باعتماد راوي الرواة على وصف المكان وصفا دقيقا: “يكاد يكون زقاقا لولا أنّه طريق سالكة تفضي بك إلى باب مولاي إدريس والنّجارين، والرصيف، والعطارين.. وباب الدار الكبيرة لا يواجهك، تجده على يمينك إذا كنت نازلا من “كرنيز”، أو على يسارك إذا أتيت من “سيدي موسى”، نصفه الأعلى قطعة واحدة مرصّعة بمسامير غليظة، والنصف الأسفل الذي ينفتح، له خرصة كبيرة ويمتد نصف متر إلى ما تحت مستوى الزقاق”. يمثّل هذا المقطع وصفا لفاس البالية والدار الكبيرة تسكنها الأم لالّة الغالية مع الجيران ويعمد الراوي العارف بكلّ شيء إلى ضمير الغائب والأسلوب غير المباشر.. لتقديم الفضاء الذي ستتحرّك فيه الشخصيات مع تمديد هندسته وسماته المكانية وطبائعه الإنسانية ومعالمه الحضارية.
ويقول راوي الرواة في موضع آخر في حديثه عن سيد الطيب معتمدا ضمير المتكلم الجمع: “لا نفهم من نعايشهم وبالأخص لا نفهم من نحبهم إنما نكون عنهم صورة تتناسل وتتمايز عبر التلوينات التي تضفيها الذاكرة كما تباعدت مسافة اللقاء بينهم “.
ويستند الكاتب إلى الخطاب المسرود الذاتي موظّفا المونولوج لاستنطاق الذات مباشرة في صراعها مع الموضوع عبر استدعاء الذاكرة والأوهام والأحلام ومن خلال التأمل الذاتي والتعبير الشعوري واللاشعوري حيث يبحث البطل عن الأم والزمن الضائع الذي يتعلق بزمن الطفولة وقبل وفاة الأم وقبل الانتقال من مدينة فاس إلى الرباط، والانطواء على الذات للتلذذ بالغربة المكانية والروحية المؤلمة والضياع الوجودي والثورة على الواقع الكائن إلى حدّ اليأس والسأم والعبثية (شخصية الهادي) أو الرجوع إلى الصواب والإيمان الرباني (شخصية الطايع).
ويُعتبر المونولوج تعبيرا عن التمزق النفسي والذاتي والصراع الداخلي والمناجاة النفسية والتي أورد فيها الكاتب مقاطع كثيرة من الخطاب المسرود الذاتي ليخلق توازنا أسلوبيا وتعددا صوتيا داخل رواية لعبة النسيان البوليفونية. ومن هذه المقاطع المونولوجية نذكر القول التالي حيث تناجي شخصية الهادي نفسها حانّة إلى موضوع الرغبة وهي الأم: “منذ الآن لن أراها ومن ورائي كان زوج أختي يهمس لي: انتقلت إلى دار الحق وبقينا في دار الباطل”.
وفي موضع آخر يقول: “أقول الآن، الأم كالموت، وعلى عكس الأب، لا يفكر فيها إلّا من خلال الافتقاد”.
ويقول الراوي مبيّنا حنينه إلى المكان: “عندما تغادر الدار لمناسبة ما، نُحسّ الكآبة والكدر، ينزل علينا الضيم، لالّة الغالية تملأ جنبات الدار وتسبغ على الساعات مذاقا خاصّا”. فقد استعمل الروائي محمد برادة تقنية التعدد الصوتي في نصّه الروائي والذي اندرج موضوعه حول ألم فقدان إنسان عزيز وهي الأم التي تحتلّ المكانة الأكبر في الرواية. إذ أنّ الرواية تركّز على لحظتين مركزيّتين في حياة الهادي الشخصية البطلة في الرواية وهذان اللحظتان تتمثلان في موت الأم تلك المرأة التي لا تعوَّض، وبعد ذلك موت امرأة أخرى هي أول موضوع للشهوة والرغبة المشتعلة في الذات الفاعلة “الهادي” في الشروع الحكائي السردي وهي لالّة ربيعة، عدا عن ذلك يطرح الراوي مواضيع أخرى تتعلق بالسياسة والدين وانتشار القيم غير المحمودة، فغلب على الرواية طابع التفجع والتوجع والرفض للحاضر ماهو كائن والضيق والكآبة. لذلك عمد الراوي إلى ممارسة لعبة النسيان، نسيان الآلام والأوجاع ممّا جعله يقع في براثن استحضار الذكريات والشروع في تشخيص متخيّل للشيء العزيز المفقود والمفتقد. يقول في هذا السياق مخاطبا نفسه بالاعتماد على المونولوج: “لماذا تريد أن تفتح بابا لن يأتيك منه إلّا الوجع وصداع الرأس، مع أنّك تريد الكتابة عن لعبة النسيان وطرائق تحاشي ما يؤلم النفس”. ذلك ما يجعلنا نوقن أنّ هذه الرواية في دلالاتها تتّخذ طابعا واقعيا وذاتيا ووطنيا وفلسفيا نظرا لما فيها من أهواء وعواطف ومواقف ومواضيع واضحة.
لذلك يمكن القول إنّ الرواية البوليفونية تُعنى بتصوير تنوّع الحياة وتعبير عن صورة الإنسان ونقل صادق لتعقّد المعاناة البشرية، كما أنّها كفاح ضدّ تشيّء العلاقات والقيم الإنسانية التي أضحت مهددة في ظلّ النظام الرأسمالي ويعني هذا أنّ رؤية كاتب الرواية البوليفونية هي رؤية إنسانية ترفض بشكل قطعي تحويل القيم المعنوية أو الكيفية إلى قيم مادية وكمّية، وذلك باسم اقتصاد تبادل البضائع والسلع الذي شيّأ العلاقات الإنسانية.
يرى أوسبنسكي أنّ الرواية البوليفونية تمتاز بمجموعة من الشروط والتي رأينا أنها تتطابق ورواية لعبة النسيان التي قمنا بتوظيفها نموذجا في اعتبارها رواية بوليفونية، وتتمثل هذه الشروط في:
– تواجد عدة منظورات مستقلة داخل العمل.
– انتماء المنظور مباشرة إلى شخصية ما من الشخصيات المشتركة في الحدث أي ألّا يكون موقفا إيديولوجيا مجرّدا من خارج كيان الشخصيات النفسي.
– اتّضاح التعدد المبرز على المستوى الإيديولوجي ويبرز ذلك في الطريقة التي تقيّم بها الشخصية العالم المحيط بها.
من خلال توظيفنا لرواية لعبة النسيان أنموذجا طبّقنا عليها نظرية التعدد الصوتي التي درسها باختين نلاحظ أنّ التعدد فيها لم يقتصر على المتن الروائي الداخلي فقط بل بدءا من النظر في العنوان الذي تتعدد فيه اقتيادات القارئ إلى الظفر بمعاني النص إذ تتعدد أفكاره واتجاهاته وتأويلاته. فالعنوان في هذه الرواية يستمد شرعيته من كون الحكي في لحظات عديدة يتعلق بلحظات النسيان والنسيان يقترن وجوبا بفعل التذكر. فمحاولة النسيان في حد ذاتها تذكّر والتذكر يخلّفه الحنين إلى الشيء (ما كان) أو النفور منه. وبالتالي ستتفرع وجهات القارئ الأهوائية والإيديولوجية.
يصحّ القول في رواية التعدد الصوتي أنّ مزاياها عديدة إذ خلقت تطوّرا للرواية العربية على المستوى الفني لغة وأسلوبا وضميرا وعلى المستوى المضموني فكرة ومنظورا وإيديولوجية لعلّ ذلك ما جعل بعضهم يسِمُها بالرواية الديمقراطية. ولعل رواية لعبة النسيان لمحمد برادة خير مثال على ذلك.
————–
* كل الإحالات المرجعية:/ إلى كتاب: “تزفيتان تودوروف، ميخائيل باختين والمبدأ الحواري”، ترجمة فخري صالح، ط2 1996، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
* محمد برادة، لعبة النسيان، دار الأمان للنشر والتوزيع، الرباط، طبعة 1421-2000.
* اسماء المصفار: باحثة من تونس.
#تودوروف
#باختين
#الرواية_البوليفونية
أضف تعليق