حميد عقبي
بعض التجارب العربية في كتابة قصيدة النثر تتحول إلى تجارب جيدة وتقفز إلى أرصفة الدهشة الممتعة وشاعرتنا اللبنانية لولا رينولدز من هذه التجارب التي تحتاج إلى وقفات تأملية ونقدية جادة وليس إلى لايكات فايسبوكية، وأنا من المتابعين لهذه التجربة وتطوراتها بقراءة أغلب ما تنشره الشاعرة على جدارها الفايسبوكي وبعض المواقع وكثيراً ما تستوقفني بعض قصائدها المتخمة بالحركة وكأن بداخلها مناجم مجهولة وكلما تعثر على واحداً منها تسارع لتفرغه وهي لا تعلم ما به ولا تحسب حسابات التلقي والتأويل وربما تعود لتقرأ ما تكتبه فتضحك إن كان فيه من الفرح والأمل وتبكي عندما تستكشف ما فيه من ألم وفجائع وقد تكون القصيدة كأئناً بعدة أجنحة تتصارع، تتفق وتختلف لكنها تحلق بنا إلى دهاليز وغياهيب وحدائق معلقة من الشعرية الداعية إلى الخيال.
في هذه الوقفات التأملية مع تجربة الشاعرة لولا، سوف نستمتع ببعض النماذج وإليكم هذا النص:
هناك فتحة تحت صدري
دخل منها عمال المناجم
دخل منها السحرة والأرانب
هناك فتحة تحت صدري لها شكل عين
دخل منها العالم على قدميه
ورقص كثيراً في داخلي
هناك فتحة تحت صدري
يلفها الملح كثيراً
ولا يحرقها
أحب شكل وجهك
وهذا موضوع أكثر جدية .
تعتز الشاعرة بأنوثتها وكينونتها كامرأة، يولد منها العالم ويخرج ويعود إليها وتمنح هذه الكينونة الكثير من القداسة والسحر وتحول أن تستكشفه أكثر وأكثر وتعبر عنه، مخاوفه وألمه وأحلامه، ترسم الشاعر وبشجاعة دون ابتذال الجسد الأنثوي وهنا تستكشف سراً وجزءً من هذا الجسد (هناك فتحة تحت صدري) لم تقل أن الفتحة بوسط الصدر ولا بالجانب الأيسر مثلا، ربما تجعل من نفسها مخلوقاً ساحراً أو حتى مسحوراً، فجسدها لا يشبه بقية الأجساد وفيه من الكثير الألغاز المثيرة.
هذا الجسد يرحب ويستوعب عمال المناجم، السحرة والأرانب وكل هذه المخلوقات ليست عادية فعمال المناجم والذين يصلون إلى نقاط في الأرض ويتعايشون مع المخاطر والمفاجآت وهكذا فكل فئة هي دلالة لأكثر من عالم وربما ما يجذبها في السحرة الخيال وفي الأرانب ومحرم أكل لحم الأرنب في بعض الشرائع وهي هنا تمنح هذه الكائنات المختلف في نوعيته هل من القوارض أو الثديات؟ وربما أيضاً الحنين إلى الوطن حيث يقال أن موطنه وأصوله تعود إلى فلسطين وماحولها وقد يكون ثمة خاصية أخرى ترأها الشاعرة في هذا المخلوق ولا نرأها نحن، ولعلها أيضاً تسمح للسحرة بالدخول وهنا الخيال والدهشة ورؤية شيء يختلف عن الواقع، هي تشتهي هذه الخيالات المتعددة بل تذهب أبعد وتفتح صدرها للعالم ليرقص لعله ينسى ما يحيط به من كوارث أو ليعد هذا العالم طفلاً مرحاً.
سرعان ما تكسر حالة انسجامنا وتوقعاتنا وتفصح عن ألم ما وأوجاع قاسية تتحملها هي وحدها، فهذه الفتحة على شكل عين ولكن وهنا لنتأمل ماذا يحدث؟
يحدث أن ألم قاسياً (يلفها الملح كثيراً/ ولا يحرقها) كأن تبدو راضية بتحمل أي ألم وأن لا تحترق هذه الفتحة ليست لكونها تخاف دمار جسدها، لكنها تريد أن يظل هذا المدخل أمناً لدخول هذه العوالم لتحتمي فيه وتستعيد فرحها.
سنلاحظ أن لولا رينولدز من فئة الشعراء والشواعر الذين يكرهون وضع نهاية لقصائدهم وكأنه شهرزاد، تنهي النص أو المقطع بفتح نافذة تخيلية تشويقية وكثيراً ما تخاطب الآخر أي الحبيب لتبث أمنية أو تعترض أو تصرخ أو تدعوه إلى العناق وكما أنها تمنح جسدها قداسة ساحرة فهي كذلك توهب الحبيب شيئاً من القداسة وقد تصف جزء من جسده وتصوره في عدة قوالب مادية ملموسة أو ميتافيزيقية وقد تمزج بين كل هذه الأساليب وكأنها تريده هو الآخر أن يكون ساحراً وبديعاً.
تعالوا إلى المقطع الثاني والذي يفصح أكثر عن الكينونة الأنثوية دون الحرج من الاشارة إلى الرحم وتسميه بأسمه هنا :
لم أُطِعك ولم أصدقك
لكني جهزت لأبنائك رحمي
دورته جيداً
سقيته بماء الورد المقدس
هذَّبته
كتبتُ عليه أسماء المخرفين والسحرة
عطرته أحببته جداً جداً ودللته
أنا أغار من قصص الحب الكبيرة
تتشنج أناملي حين أمر بعاشقين أحمقين
ينزل الحلم عليها
تتحسس رحمي
أغار فتهمس
لا بأس
سنكون أيضاً سعداء وحمقى..
خلف أذنك قصة قصيرة
طويتها وأنت نائم
تمر حياتي في نومك من قربي ولا أعرفها
خلف أذنك قبلة أيضاً..
هنا لم تكن مجرد اشارات بسيطة أو عابرة عن العضوء التناسلي للمرأة أو حتى لنكن بمثل شجاعة الشاعرة ولنقل العضوء الجنسي أيضاً، تعود لتخاطب نصفها الآخر ولنسميه كما نشاء الحبيب، وكأنها في حالة شك ما، لكن ثمة رفض للخضوع والهيمنة والتخلي عن الذات فهي لا تصدقة ولا تطيعة طاعة عمياء، تذكره أيضاً أنها جهزت له رحمها كأرض خصبة لحمل الأبناء وهي تعرف وتحب وتشعر بهذا الجزء من جسدها، توليه اهتمامها ولا تتحرج أن تهذبه وتعطره وتلمسه فيزيائياً، لنتمل كمية الأفعال وما قد توحي به من دلالات متشعبة ومتشابكة (جهزت رحمي،سقيته،هذَّبته، كتبتُ عليه..،عطرته، تتحسس رحمي ـ أي أصابعها تتحسس عليه) ثمة انزياحات تُخرج النص من مساره ومن مجرد كونه بوح أنثى ثقذف بها الرغبة والرهبة، كأنها تريد أن تصرخ فتصرخ في شكل همسات ساخنة وتارة حالمة ولا تخجل من كينونتها ولا رحمها وهي تثير الحبيب (أحببته جداً جداً ودللته) وكذلك لا تستعطفه ولا ترى نفسها ناقصة بدونه وبوسعها أن تحب فرجها وتمنحه الدلال والمرح وأن تحبه جداً جداَ ولا عيب في هذا، الخاسر الحقيقي سيكون الآخر إن لم يذعن لهذه الدعوات المغرية اللطيفة لآنه سيخسر اللحظات الفردوسية من امرأة تعرف جسدها وتعتز به كله، أين الآخر من كل هذه الحديقة الساحرة العطرة المهذبة المقدسة والراغبة للذة، ربما نائم وقد يكون المقصد أنه ربما يجهل قيمة وروعة ما ينتظره وهنا لا يُشترط أن الشاعرة تحكي تجربتها أو حكايتها وكأنه تعود إلى المرأة الأولى في الكون إلى أمنا حواء، إلى المخلوقة الأولى التي تأقت للذة والمغامرة وربما ترى الشاعرة أن ما حدث بالأمس البعيد يحدث الآن وسيحدث غداً، سيحدث لكل امرأة طالما هنا حياة ولذلك ليس علينا أن نرى ظاهر النص دون أن نتجول في الطبقات المتعددة المثيرة التي حاولت خلقها الشاعرة.
وفي نص قصير تقول :
لا أعرف شيئاً عن الشعر
كل مرة أكتب فيها أخجل
كما فتاة فاجأها الحيض لأول مرة وفضحها ..
لا أعرف شيئاً عن أي شيء
أنا يا حبيبي إمرأة صغيرة
ولا أريد من هذا الكون سوى أن أحبك.
هنا كأنها تفصح عن جانب آخر فيها، منجم من الخوف قد يكون بدواخل كل امرأة، وتستغرب من هذا العالم كل شيء من المرأة قد يكون عيباً، وهي مطالبة أن تكون خجولة وخاضعة وحتى أشياء من طبيعتها كأنثى مثل الحيض سيصبح عيباً إن لم تخفيه بكل الوسائل وأن تظل جاهلة وشابة صغيرة وطرية ومطيعة تسعى لنيل الرضا والقبول، ثمة تهكمات في هذا النص أو تصوير لحالات كثيرة ولا يعني أننا مع شاعرة تناقض نفسها أو تعلن الخضوع بعد التمرد أو الشجاعة التي لمسنها بالنماذج لسابقة وعشرات النماذج يمكنكم أن تجدونها للشاعرة لولا رينولدز.
لنذهب إلى النموذج الأخير في هذه القراءة التأملية :
حين تخضر الأشجار من جديد
وتصير كلمة “مرحباً ” عنقود عنب جاهز للقطف
حين تصير العصافير أكثر من مجرد عصافير
والنجوم أقرب بقليل مما تبدو عليه
حين يتحول الليل من وشاح غامق الى سجادة مزركشة
أمشي عل ألوانها حتى الصباح
حين الأغاني والأفلام والقصائد
تأخذني الى مكان واحد
الى نفس المكان
تكون قد مريت بي
لا تثق بي
إني إمرأة تحب عشبة الحميضة
تحب قطفها وأكلها مباشرة
من الأرض
إمرأة تضع النافذة بإطار لأن المشهد عزيز عليها
لا تثق بأناملها
فهي حتماً ستخونك
في قصيدة ما
حين يعود اليباس ويأكل كل شيء من جديد
لا تثق بي
قد كان لي بيت
وسرقه الصمت.
في هذا النص الكثير من الاشتغالات الكيمائية الشعرية للخروج من أي حالة شاعرية إلى فضاء شعري متخم بالكثير من الحمولات المتعددة، وأعود إلى عنوان هذه القراءة (الحفر في عمق امرأة بكيمياء شعرية وشحنات الألم والأمل) ولعلنا هنا سنشعر بكل المحاولات للحفر والتقيب داخل الذات عن كل ما هو حالم أو موجع، التعبير هنا يأتي في شكل خلق إبداعي وبوعي وليس ضربات حظ، أي تجربة شعرية تلعب الكثير من العناصر في تنميتها وتطويرها منها الموهبة طبعاً، فهناك أناس لا ينبغي لهم الشعر وليسوا مؤهلين له وقد يكابرون ويتحول ما يكتبونه صناعة لا ترتقي إلى الإبداع وعندما توجد موهبة فهي وحدها قد لا تصمد وبحاجة للثقافة والتأمل والاستمرار وكما تعلمون هناك الكثير والكثير من العوامل وثمة تجارب ذاتية حياتية قد تساهم أيضاً في نضوج التجربة.
تعيش الشاعرة في الولايات المتحدة الأمريكية وهي من أصول لبنانية ونتلمس الكثير من الصور في نصوصها تضج بذكريات لموطنها الأصلي إلى مسقط رأسها وبعضها يشع بالشوق والحنين إلى هناك الأشجار التي تتجدد خضرتها والليالي المزخرفة بالنجوم ولكن كثيراً ما تكسر لولا توقعنا كمتلقين لتزج بنا في مواقف هنا وهناك تتغير وتتبدل وتتناقض أحيناً وهي بظني لا تعبر عن المرأة العربية وتدعوة للثورة وتتصارع مع ذكوريتنا المفرطة وليست هي العربية التي تدعو المرأة الأمريكية إلى رؤية الشرق وجماله وتقديس الرجل والأسرة والترابط و..و.. من الشعارات التي تتظاهر بعض الشاعرات برفعها لقصد كسب سوق وجمهور لمنتجها وهي كذلك ليست سلبية ولا نحن بصدد قرءة سيرتها الذاتية، ما شعرت به أن النداء والمشاهد وهذه العواصف الصاخبة تارة والمغرية تارة كل هذا يأتي من نظرة الشاعرة إلى نفسها أنها امرأة وإنسانة ومخلوقة ساحرة أي نظرتها أن كل النساء كذلك، فلا يعني أننا مع شعر وصف الذات والتفاخر بالذات، هي تنصهر تماماً وتقدس كينونة المرأة جسداً حباه الخالق بالجمال والسحر والرغبة للذة أيضاً وكما تأملنا في أحد النماذج تتفاخر برحمها أو فرجها وعضوها الجنسي الأنثوي وتدعو كل امرأة أن تشعر بكل سنتيمتربجسدها وهذا حق وليس منحة أو كرم من أحد وليس فضيحة، إذن فهي تعبر عن الآخريات وتثير الأسئلة ومهما كانت بعض الأسئلة شائكة على مستوى الكثير من المجتمعات الإنسانية وليس فقط مجتمعنا العربي الذي يوصف بالذكورية وقهر الأنثى وهذه قضية إنسانية عالمية قديمة وواقعية في حاضرنا وربما ستظل إلى المستقبل وستظل هناك نساء مبدعات شجاعات يخرجن من الاطر المحلية الضيقة إلى توجيه خطابات إنسانية وشاعرتنا من هذا النوع.
أضف تعليق