كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

التجربة الشعرية للشاعر المصري محمد نصر: امتلاء بالحلم وتدفقات بالمشهدية..


حميد عقبي

يعد الشاعر المصري محمد نصر من الناشطين المهمين جداً في كل ما يتعلق بقصيدة النثر العربية ويدير مشروعاً تنويرياً بديعاً منذ تأسيسه جروب (مجانين قصيدإ النثر) وهي من أقدم المجموعات والجميل أنها مستمرة في نشاطها منذ عدة سنوات وببرامج وتقاليد ثابته لتصبح من المختبرات الإبداعية المهمة لشعراء وشاعرات قصيدة النثر وقدرت المجموعة كذلك طبع ونشر بعض الكتب والاستمرار من أهم علامات النجاح ورغم شهرة هذا المنبر فأننا سنجد من النادر جداً نصوص أو دراسات حول مؤسسها الشاعر محمد نصر، وهو يحبذ أن يتم تناول مبدعات ومبدعين ولا يركض وراء الصفات والألقاب، لكننا لو تأملنا بعض قصائده سنشعر بكمية وهيجان شلالات الحلم وأنهارها المتدفقة بمشهدية بديعة وربما هذا العنصر يثيرني كسينمائي ومسرحي وأغلب تأملاتي تتناول هذا النوع من التجارب فهي تخامر جنوني وهذياناتي وتُسكرني لذلك فما أكتبه ليس مجاملة ولا ادعي صفة الناقد وهذه التأملات هي تأملات سينمائي ومسرحي محب للشعر.
أود أن ننتقل إلى بعض النماذج وهي قصائد للشاعر محمد نصر ومصدرها جداره الفايسبوكي:

ضعي بعضاً من السكر

ضعي ولو قليلاً
فأنا ممتليء بك
أدور مع ملعقتكِ الفارغة
أجوب البلاد باحثاً عن ابتسامة وجهكِ أو نصف ابتسامة
أشمّ ريحك في كل خطوة
ـ من هنا خرجت كدابة الأرض .
ـ من هنا مرت .
ـ من هذا الطريق عبرت .
و أنتِ كما أنتِ
تغضبين ، فتبكين
تصرخين، فتبكين
تضحكين ، فتبكين
” اللهم اجعله خيراً “
و دعاؤكِ عود بخور مشتعل
يقف أمام ” زهرة البستان ” *
يتسول من الفتيات قُبلةً أو قُبلتين
لقمةً أو لقمتين
و حين يعود أكثر اشتعالاً
يقف وسط ميدان التحرير
يوزع رائحته على المارة
على الأرصفة
على الخمّارات في الشوارع الجانبية
و أنتِ هنا
لا .. أنتِ هناك
لا .. لستِ هنا و لستِ هناك
ربما تقفين عارية
لتلتقطي ” سيلفي ” مع أبي الهول
تمدين شفاهكِ الناعمة أمام وجهه
فيجذبكِ بيده الحجرية
و يقبّل ما تبقى من يدك
ما الذي تخجلين منه الآن غيري ؟
أنا الذي أشعل أصابعه العشرة شمعاً لمائدتكِ الفاخرة
طريدتكِ الدائمة
التي لا تعرف: كيف تنجو من كل تلك الشراك ؟
فضعي و لو قليلاً من السكر
فأنا مرٌّ
والحياة مرٌّة .

  • مقهى شهير بالقاهرة

قصيدة النثر لا تجعلنا نسأل فقط عن كينونة الشعر وجوهرة و..و..الكثير من الأسئلة التي لاتزال أغلبها شائكة، هي ربما تكون دعوة للتفكير ليس بمكانة الشعر في اللغة وقوة اللغة وما تُحدثه قصيدة النثر من صدمات نفسية ولكن ربما يظل الحلم والبحث عن المخفي في الذات الإنسانية هو من الأسئلة الأكثر اثارة، ما نعيشه من متغيرات تتسارع بالكثير من الأمواج المقلقة تجعلنا حتى نشفق على أنفسنا بوجودنا في هذا العصر وقد ينطلق الشاعر للتعبير عن قلقه بالحديث إلى حبيبته أو شجرة أو يختلق كائناً وعوالم لا نرأها أو يمزج ويخلط بين كل هذه العوالم ويستدعي ما يقلقه ويخيفه ويفرحه، تصوير الواقع السطحي حتى وإن ظهر درامياً قد تخفت جذوة تآثيره، فالقراءة الحقيقية للواقع تكمن في قراءة ما يخفيه في عمقه.
تصويرات محمد نصر في هذا النص، يخاطب الشاعر حبيبته ويتمنى عليها أن تضع ولو قليلاً من السكر، التمني ليس للحاجة إلى طعم السكر الحلو، وكأنه يريد هذه الرحلة، هذا الدوران مع الملعقة، هنا الملعقة دلالة لم يوضحها ورمى مهمة الفهم إلينا، يستدعي الشاعر الحبيبة، أفعالها المتناقضة، البكاء يمتزج بالفرح والصراخ والحزن والضحك، كأنها ترى أكثر مما يرأه، هو التواق للقبلات، لا يملك إلا رائحه الخمر من فمه والتي ربما هي رائحته التي ترافقه أينما يحل ويرحل، ربما رائحه الخمرهي قصائده وأشعاره وهذيانه وأمانيه، (يوزع رائحته) وهنا ميتافور يتشكل ويتحور ويتهرب من أي معنى.
رغم ما يملكة وما يستطيع أن يمنحه للناس والكون أي القصيدة، يجد نفسه مرّاً، لذلك تصبح مجرد قطعة السكر من يدها مفتاحاً النجاة من الكابوس ورحلة إلى حلمٍ مفرح.
فضعي و لو قليلاً من السكر
فأنا مرٌّ
والحياة مرٌّة .

لنذهب إلى نموذج آخر

اول تذكر الشعر:

إذا أردت أن تكتب قصيدة

إذا أردت أن تكتب قصيدة
فافتح صدرك للريح
وحاول أن تسمع صوتها
حين تمر بين رئتيك للجهة الأخرى
حاول أن تجعل عينيك بابين
افتح أحدهما على مصراعيه
واغلق الآخر مهما طرقته أحزانك
إذا أردت أن تكتب قصيدة
فألقِ قلبك لأول سيدة عجوز تبحث عن رغيف خبز
و لا تنس أن تضع حبيبتك في جيب بنطالك
سدّ أذنيك عن تلك الموسيقى الصاخبة
فقط
اسمع صوت الموج حين يجري بين كفيك
اسمع رائحة اليود حين تملأ صدرك
حاول أن تقرأ ملامح وجهك على حقيقتها :
عينك : نون
أنفك : لام
فمك : سين
شعرك : وحدتك
جبهتك : انكسارك
حبيبتك : صحراؤك التي لا تنتهي
إذا أردت أن تكتب قصيدة
لا تجر باتجاهها فيقف قلبك
ولا تنتظرها فلا تأتي
إذا أردت أن تكتب قصيدة
فأفرغ نفسك منك
ودعها تدخلك
مشتعلة
كنهديّ حبيبتك.

هنا يفصح الشاعر عن الفعل الأكثر تعقيداً والأكثر صعوبة، ميلاد القصيدة وكأنه يقول لا تتطلب أن نحفظ القواميس والقواعد والأوزان وتاريخ الأدب وما يقوله النقاد والمنظرين، لآنها أي القصيدة تحتاج لتضحية كبيرة ليكون لها القداسة وليست صناعة يمكننا أن نتدرب ونتعلم كيف نتقنها لننتج مادة للاستهلاك.
إذا أردت أن تكتب قصيدة
فألقِ قلبك لأول سيدة عجوز تبحث عن رغيف خبز
يعود الشاعر لبؤس الواقع المتضخم بالجوع والصراعات والألم، هؤلاء البؤساء الذي تنتجهم الصراعات ربما يحتاجون أيضاً إلى قلوب تنصت لهم، يغترف الشاعر من دواخله وهي تتدفق في تشكيلات مشهدية مرتبكة، يشعر هو بهذا الارتباك ويعجز عن توقف هذا الفيضان، هنا صوت وصور، بل عدة أصوات بعضها خافت وبعضها مرتفع وبعضها كأنه مخنوقاً.
الشاعر هنا لا يلقي محاضرة تعليمية حول كتابة القصيدة، هو يحاور ذاته وكأنه يلوم شاعريته ويدعوها أن تتجدد وتثور، الشاعر لا يمجد شعريته هو هنا يثور عليها ويبحث عن نقاط ضعفها، كأنه يقف أمام مرآة ليحاكم ذاته ويحاول أن يستكشف المظلم والأسود والمتكلس ليحررها من عوامل الضعف وحتى العقلانية والمنطقية، يريد تحطيم كل القيود لتنطلق الروح إلى البعيد والأبعد.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.