كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

رواية “غازي أبو شوارب”: مشاهد من التحولات السياسية والاجتماعية في العراق المعاصر..



* أحمد البغدادي



تستعرض رواية “غازي ابو شوارب” لعماد مكلف البدران، الصادرة حديثاً عن العارف للمطبوعات في العراق، وعلى لسان بطلها “غازي بن عبد ربه”، تاريخ العراق المعاصر وما مر به من أحداث ومنعطفات ومحطات ومتغيرات في جوانب الحياة المختلفة، الاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية والدينية، وتقدم تفسيرات تناقلتها ألسُن وحوارات شخصياتها والجهات الرسمية الحكومية٬ فضلاً عن وسائل الإعلام، فمادتها وثائقية تنقلت بين محطات من تاريخ العراقي المعاصر، كما جاء في مقدمة الرواية، وذلك بين العقدين الرابع والثامن من القرن الماضي، وهي الفترة التي عاشها بطلها الذي ولد عام 1939 وتوفي في 1986، بعدما تركت تلك الأحداث أثرها وبصمتها على واقع العراق آنذاك، أفراداً وجماعات، وليستمر هذا التأثير ليومنا هذا، والمرشح أن يستمر لعدة عقود زمنية مقبلة، فما نراه الآن إنما هو نتيجة لتلك الأحداث التي مرت.
يستذكر الكاتب تلك الأحداث بأسلوب سردي من خلال حكايات بطل الرواية “غازي” عن محطات من حياته الشخصية والعائلية منذ أن كان صغيراً يعيش في منزل عائلته القصبي البائس المكون من صريفتين مبنيتان من القصب والطين بقرية النجيبية التي كانت تقع على الضفة اليمنى لشط العرب في الجهة الغربية من أطراف منطقة كرمة علي” ص 10، حيث تمتهن عائلته صيد الأسماك وبيعها، “كنتُ أساعد أبي في توضيب السمك ووضعه في سلال الخوص، فلم يكن أبي صياداً، بل كان يشتري السمك من الصيادين ويبيعه في سوق القرية” ص 17. ويصف غازي أيامه في قرية النجيبية بقوله: “كانت أياما حلوة وممتعة عشت فيها أحلى أيام طفولتي٬ حيث اللعب والعمل والمشاغبة حد العراك” ص 35.
يبدأ بطل الرواية “غازي” ببيان سبب تسميته بهذا الاسم، فقد ولد بعد أيام من حادث مرور أدى إلى وفاة، أو مقتل، غازي ملك العراق آنذاك، لتتبلور شخصيته تدريجياً وتتجه نحو التمرد والعبثية في سلوكه مع أسرته وأبناء محلته قبل أن يتقمص شخصية “الشقاوة” بشواربه الكثة والطويلة وسلوكه المتهور٬ وليُعرف فيما بعد ذلك باسم الشقي “غازي أبو شوارب”، “لذلك اختار غازي شارب الشقاوات الشجعان٬ سميكاً ويمتد نازلاً بنسق واحد على جانبي فمه” ص 37.
يستمر البدران في استعراض حياة غازي مشيراً إلى انه وإثر قيام الحكومة ببناء محطة كهرباء النجيبية عام 1953 انتقلت العائلة إلى منطقة “النقابة” التي جاءت تسميتها من وجود نقابة عمال محطة الكهرباء، حيث “بنوا منزلهم ذا الغرفتين باللبن والطين” ص 39، كان غازي أحيانا يرافق أبيه، الذي كان قد توظف عاملاً في الموانئ العراقية، قبل أن يتوقف نهائياً عن مرافقته بسبب رعب الناس من شكل شواربه، ومقرراً عدم الالتحاق بالخدمة العسكرية، بعدما اعتاد حياة الحرية والتمرد على توجيهات الوالدين فكيف بالعرفاء والضباط؟!چ خاصة بعد شيوع وتفاقم حالة التمرد بين الناس التي كانت مؤشراً على حدوث أمر ما، خاصة بعد الرفض الشعبي لحلف بغداد عام 1955، وهو ما حدث لاحقاً في ثورة 14 تموز عام 1958 التي اسقطت الملكية وحولت العراق إلى جمهورية، وما صاحبها من قتل بشع للعائلة المالكة.
يرى الكاتب أن عدم التجانس بين قادة الثورة أدى إلى صراع داخلي بين القوى المؤثرة فيها، عبد الكريم قاسم وأنصاره من الشيوعيين والديمقراطيين في طرف٬ وعبد السلام عارف ومؤيديه من القوميين والبعثيين في الطرف المقابل، وانعكاس ذلك على حياة الناس وطريق معيشتهم وعلاقاتهم، ليستمر ويتصاعد الصراع والانقسام ليبلغ ذروته بانقلاب عبد السلام والبعثيين في شباط 1963، حيث “وقع انقلاب دامي قُتل على أثرها الزعيم عبد الكريم قاسم ومجموعة من أعضاء حكومته وقادة من الجيش وسياسيين على أيدي القوميين وبالتحديد البعثيين، الذين نظموا أنفسهم تحت عنوان (الحرس القومي) بشكل خفي وسري منذ 1962، التي كانت أشد فتكا من ميليشيات “قوات المقاومة الشعبية الشيوعية” ص 109، ثم ما لبثت أن طغت ميليشيات الحرس القومي البعثية وأمعنت في مطاردة وسجن وتعذيب وقتل مخالفيهم، وأانت تمردها على النظام والحكومة٬ حيث “تدخّل أفراد الحرس القومي بعمل الدوائر الرسمية بفرض أنفسهم على الجميع مسيطرين على القرارات” لتصل تلك الحالة إلى اهانة قادة في الجيش ورموزاً كبيرة في الدولة، مما ولد احتقاناً كبيراً بين صفوف قادة جيش من البعثيين الذين انحاز بعضهم إلى القوميين، من جماعة عبد السلام عارف، ليعلنوا انقلابهم في 18 تشرين الثني 1963 حيث “تمكن الجيش من السيطرة على الموقف والقضاء على (الحرس القومي) ووضع حد لهم” ص 147، الأمر الذي ترك ارتياحاً عاماً لدى الناس٬ واستقراراً في الوضع لعدة سنوات، بالرغم من حادثة مقتل عبد السلام في تحطم طائرته العمودية في البصرة وتسلم شقيقه عبد الرحمن عارف السلطة، حيث عرفه بعضهم بسيطاً ومسالماً ومؤمناً بالانتخابات والديمقراطية٬ ولم تشهد فترة حكمه أية حالة إعدام٬ على الرغم من وجود نشاط واضح للشيوعيين والبعثيين.
شهدت حياة غازي، بعمر الـ 24، حالة من النضوج النسبي، بسبب التجارب القاسية التي مرت عليه من جهة٬ وتوظفه عاملاً في الميناء من جهة اخرى٬ فأصبح يبتعد عن التهور والتمرد ميالاً إلى الإستقرار والبحث عن شريكة حياة، ليتزوج في نهاية المطاف في غرفة في بيت أهله، كما تزوجت أخته بعده ثم أخيه جعفر.. ولم تمض سنوات إلا وكان البيت يعج بأطفال غازي وأخيه جعفر.
يصف الكاتب ما مر على العراق خلال حرب حزيران 1967، التي تركت على شعوب المنطقة آثار متبانية، ففي الوقت الذي توجه الجيش العراقي إلى الأردن للمشاركة في الحرب ضد الكيان الصهيوني تفاجئ من الموقف السلبي لقطاعات واسعة من الشعب الأردني منه “فاذا بهم يرمون الحجارة علينا من كل صوب .. يصيحون: اخرجوا من أرضنا أنتم تريدون احتلال الأردن” ص 196 .. “من بعث لكم لتأتوا .. ارجعوا إلى بلدكم لا حاجة لنا بكم” ص 197.
وفيما يتعلق بانقلاب تموز 1968 وعودة البعثيين إلى الحكم، فيعزو الكاتب سبب ذلك إلى تراخي حكومة عبد الرحمن عارف اتجاه التنظيمات المعارضة حيث “سيطر البعثيون في انقلاب عسكري حزبي على الحكومة ونحوّا عبد الرحمن من منصبه ليستلم أحمد حسن البكر السلطة رئيساً للجمهورية” ص 198 .. اعقبه في الـ 30 من الشهر ذاته انقلاب داخلي في هرم السلطة قاده البكر وصدام حسين للتخلص من منافسيهم من البعثيين العسكريين، وبعض القوميين٬ والذي أعاد العراق ثانية إلى حالة من عدم الاستقرار والخوف والمؤامرات لفرض سياساتهم.
ويعدد الكاتب البدران بعضا من ممارسات البعثيين وأساليبهم التسلطية والوحشية مثل محاولة صدام حسين الانقلابية بقيادة ناظم كزار للتخلص من أحمد حسن البكر في حزيران 1973 والاستحواذ على السلطة، وأيضاً السماح للحزب الشيوعي بالنشاط العلني تمهيدا لكشفه وضربه لاحقاً٬ والوقوف بوجه قوة جديدة دخلت الساحة السياسية، خاصة في البصرة، متمثلة بالحزب (الفاطمي) ص 210.
يستمر البدران في عرضه للأحداث٬ مشيراً إلى حرب تشرين / اكتوبر 1973 بين العرب وإسرائيل وما أفرزته من تداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية، مرورا باتفاق الحكومة مع الأكراد في آذار 1970 لتتفرغ للقضاء على المد الديني عن طريق “موجة اعتقالات واعدامات قامت بها السلطة ضد التنظيم الفاطمي، الذي عُرف بعضهم أن اسمه الحقيقي هو حزب الدعوة الإسلامية” ص 220 .. ثم “اتفاقية الجزائر” بين صدام وشاه إيران في 1975 وتنازل صدام عن أراض عراقية لإيران للتفرغ لمحاربة الأكراد والقضاء عليهم من جهة، والوقوف بوجه النشاط المتزايد لحزب الدعوة الإسلامي من جهة أخرى٬ والنشاط الديني بشكل عام، حيث بلغت وحشية البعثيين ذروتها في منع زوار الامام الحسين في زيارة الأربعين 1977 وقيام السلطات بحملات اعتقالات وتعذيب وإعدام للمشاركين في مسيرة الاربعين٬ ص 242.
يذكر غازي في سرده للأحداث زيارة السادات إلى إسرائيل في 1977 وتوقيع معاهدة كامب ديفيد وتداعيتها الشعبية والحكومية، التي أدت إلى طرد مصر من الجامعة العربية، ثم ينتقل إلى الجو العام الذي صاحب نجاح الثورة في إيران عام 1979 بقيادة الخميني “إذ بدأت بوادر التأثير الديني غير ذلك السياسي تصل إلى العراق” ص 255، وما أعقبه من تزايد للنشاط الديني ضد مظاهر الفساد والانحلال المنتشرة، الأمر الذي دفع صدام للسطو على السلطة “فقد أعلن الرئيس أحمد حسن البكر في 16 تموز 1979 عن استقالته من رئاسة الجمهورية ليتولى صدام حسين هذا المنصب” ص 265 … “انهم جاءوا به كون البكر ضعيفاً لا يستطيع التصدي للأحداث التي ستشهدها المنطقة بعد ثورة إيران ونشاط المعارضة الإسلامية في العراق” ص 267. لتبدأ حملات عنيفة من الإعتقالات والتعذيب والأعدامات بين صفوف كل من يعارضه، مبتدئاً بمنافسيه ومعارضيه من داخل حزبه في مجزرة (قاعة الخلد) ثم التفرغ بعدها لحزب الدعوة الإسلامية وأنصاره ليصل ذروتها في اعتقال وإعدام السيد محمد باقر الصدر وأخته بنت الهدى في نيسان 1980 “على وفق قانون أصدرته الحكومة العراقية في 31 آذار 1980 نص على إعدام كل من يثبت انتماؤه لحزب الدعوة الإسلامية؛ كونه حسب ادعاء الحكومة حزباً عميلاً لإيران” ص 272، ولتشمل تلك الاجراءات القمعية كل القوى غير المؤيدة للسلطة البعثية الحاكمة.
يختتم عماد استعراضه في محطته الأخيرة بتطرقه إلى الحدث الأبرز الذي شهده العراق في الثمانينيات وهو الحرب ضد إيران وما صاحبها من عسكرة لكل أطياف المجتمع وما تضمنتها من مآس وفضائع وقتل “فقد شاهد أعداداً كبيرة من نعوش الشهداء تصل من جبهة الحرب مع إيران محملة على السيارات وهي ملفوفة بالعلم العراقي، ونعوشاً أخرى كانوا يأتون بها خلسة وخوف لتغسيل من فيها، كانت لشابين من أعضاء حزب الدعوة أعدمتهما الحكومة وسلمتهما جثثا هامده لذويهم” ص 278٬ وما أنتجت الحرب من تفتيت لنسيج المجتمع وانهيار للقيم والتربية وسقوطاً في التعليم والصحة وبقية الخدمات العامة وانتشاراً للفقر والرذيلة والإنحطاط الأخلاقي والفساد الإداري وحملات غير مسبوقة من إرهاب وسجون وتعذيب “أتعرف ماذا فعلت .. أتعرف.. لقد خلّصت من أيدينا شخصا من أعضاء حزب الدعوة العميل كنا نراقبه ونطارده منذ أكثر من شهرين وعندما ظفرنا به خلصته” ص 290 لينتهي المشهد بمقتل بطل الرواية “غازي” جرّاء قذيفة تسقط وسط البصرة حينما كان في طريقه إلى عمله في الميناء “وما إن وصل المفترق وهو يركب الدراجة سقطت بقربه قذيفة أنهت على الفور حياته” ص 301.
أظهر الكاتب براعة في شد القارئ لمتابعة تفاصيل منعطفات متنوعة في حياة “غازي” بأسلوب مشوق، مثل قصة تخلفه عن الخدمة العسكرية وهروبه منها وسجنه وفراره من السجن٬ ومنها أيضا انتقال عائلته الى بيت جديد خاص بموظفي الميناء في حي “الإبلة” الراقي نسبياً مقارنة بما عاشه في قرية “النجيبية” أو منطقة “النقابة” وانعكاس ذلك على سلوكه وتصرفاته ومواقفه وشخصيته٬ واللقاء الذي جمعه بالساحرات في مقبرة الهنود وما صاحبه من مفارقات تتعلق بما كان يعتقده من وجود “الطنطل”.. ومنها أيضاً عشقه لتربية الطيور وعلاقته مع أصدقاء من “المطيرجية” كذلك شغفه بلعبة كرة القدم، لعباً ومشاهدة وحضور في الملاعب، خاصة فريقه المفضل “فريق الميناء” في ملعبه المشهور بالبصرة٬ وقصة اللقاء بـما يعتقده انه “الطنطل” في أحد البساتين ونجاته منه باعجوبة بمساعدة حارس البستان٬ إضافة إلى قصة اعتقاله إثر قيامه بتوزيع منشورات مناصرة للشيوعيين ضد السلطة البعثية في 1963 وما لاقاه وشاهده من تعذيب وحشي بحق رجال ونساء٬ ومحاولته مع بعض الشقاوات الوقوف بوجه الشباب الذين يتحرشون ببنات المنطقة٬ حيث انهال عليهم بالضرب لتأديبهم٬ كذلك تطرقه إلى قصة اعتقاله بتهمه تعاونه مع حزب الدعوة.
وزع الكاتب روايته على ثلاثة فصول برغم عدد صفحاتها الكثيرة٬ إذ بلغت 300 صفحة، أي بمعدل 100 صفحة لكل فصل، وتعتبر هذه الطريقة في التوزيع مُتعبة للقارئ ومُشتتة لتركيزه، فقد احتوى كل فصل على عدد كبير من الأحداث المتنوعة التي كان يمكن أن يكون لكل منها فصله أو عنوانه الخاص٬ مما سيسهل على القارئ متابعة الأحداث وتفاعله معها بشكل أكبر.
من جهة أخرى انعكست رؤى الكاتب وتوجهاته وميوله السياسية على سرده للأحداث وتقييمه وتفسيره لها، حيث رجوعه الدائم إلى شخص بعينه مضفياً عليه، من دون الآخرين، صفة المرجعية في الفهم والحكمة والنضج والتحليل السياسي، وفي الوقت نفسه مانحاً مساحة واهتمام وتعاطف كبير لمجموعة من الأحداث ربما لأنها تنسجم مع معتقداته، إلا أنه لا يعطي لأحداث أخرى، لا تقل أهمية عن سابقاتها إن لم تفوقها، ما تستحق من إشارة وبيان وتعاطف، فلم يتطرق إلى حملة الإعدام الأولى وتعليق الجثث في ساحة التحرير ببغداد وطبيعة التوجه السياسي والاجتماعي الغالب على هؤلاء المعدومين٬ وعملية التضييق على المرجعية الدينية بالنجف واتهام ابن المرجع بالعمالة، ما أدى إلى اضطراره لمغادرة العراق سراً، كذلك حملات التسفير لمئات الالاف من العراقيين إلى إيران بحجة اصولهم الإيرانية ومصادرة ممتلكاتهم وأموالهم وحجز شبابهم ثم إعدامهم.
عرضت الرواية تاريخ العراق لقرابة خمسين سنة، من القرن الماضي، بأسلوب سهل وسلس وجميل وممتع، بالرغم من ما تضمنه هذا التاريخ من تقلبات وعدم استقرار وقساوة وعنف وقتل وحرب ودموية، وبهذا يمكن اعتبار الرواية بهذا المعنى دراسة في التحولات التي حدثت في مختلف جوانب وشرائح المجتمع العراقي عامة، والبصري خاصة، نتيجة المنعطفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحادة والقاسية التي مرت به.. وهذا ما يحسب للكاتب.
من الجدير ذكره ان الكاتب عماد مكلف البدران هو أستاذ في كلية التربية للعلوم الإنسانية في جامعة البصرة، وأشرف على عدة رسائل جامعية، واصدر العديد من الكتب المنفردة والمشتركة مع آخرين٬ إلى جانب العديد من المقالات المنشورة في صحف ومجلات متنوعة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.