كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

المجنون..(قصة حوارية)


حورية الإرياني



شارع عريض مزحوم بالمّارة يستوقفهم رجل أشعث تبدو على هيئته علامات الجنون، ويخاطبهم قائلا:
قفوا.. قفوا ارجوكم.. أنت، قف أرجوك.. وأنتِ ارجوكِ أيضاً قفي.. أرجوكم استمعوا لي.. استمعوا لرجل يريد منكم دقيقة واحدة من صرف أعماركم.
يتوقف بعض المارة، والبعض يستنكر، بينما يواصل المجنون صراخه، متضرعا إليهم للوقوف.
أرجوكم، فقط دقيقة. استمعوا إلى رجل مجنون يصرخ في مدينة ضنكة، فقط لدقيقة، واذهبوا بعدها.
يطأطئ رأسه ويكاد يبكي، فيشعر بحضورٍ حوله. ينظر برضى إلى عدد الملتمين حوله ويبدأ حديثه:
أنتم ماضون في أعماركم، وبعد أن تنتهي هذه الدقيقة ستواصلون بقية العمر أيضاً.
يهز رأسه للتأكيد، ويواصل:
لن يقف أمامكم شيء. ها أنتم تقفون الآن على قدمين وبإحداهما فقط سوف تبدأون المسير.
ينظر المّارة بحركة سريعة إلى أرجلهم، بينما هو يواصل حديثه:
ستختارون دون أن تختاروا أو حتى تحتاروا. قواكم الباطنة سوف تقودكم إلى اختيار إحداهما، وستذهبون إلى ما أنتم ذاهبون لأجله. فكروا. لا تدعوا الباطن يحكم الظاهر.
يركع على ركبتيه ويستجدي صارخاً مكررا نفس العبارة:
لا تدعوا الباطن يحكم الظاهر.
وتنتهي الدقيقة ويواصل المارة طريقهم دون اكتراث. ينزوي إلى أحد الأرصفة منهكاً خائر القوى واضعا يديه على رأسه صارخاً:
لماذا لا يستمعون إليّ؟ لماذا؟ آه فقط لو أنني أكبر منهم حجماً أو لو كنت أرتدي ثوب راقصة!
ويسقط على الرصيف مغشياً عليه. تبدأ أحلامه بالظهور فيرى رجله وقد صارت قدما كبيرة تسد مجرى الشارعين المتقابلين، وطوله يساوي مبنى بعشرة طوابق، ورأسه المجنونة تحلق في السماء وهو ينظر إلى جسده الكبير بذهول ويقول:
أقصر، أقصر..
فينكمش جسده إلى أن يصل ارتفاع مبنى بطابقين فيضحك مسروراً ويهز يده إلى السماء برضى وسعادة.
ينظر إلى المارة المتجمهرين أمامه فيسأل رجلًا حاملًا حقيبة في يده ويبدو على منظره الجدية والاستعجال.
هل تراني؟
يجيب الرجل بذهول:
هااا نعم، نعم، أراك.
فيزمجر المجنون العملاق بغضب:
اذن استمعوا.
ويسأل بتغطرس:
من منكم يريد أن يخلّدُ في العمر ؟
ترفع سيدة عجوز يدها وتقول:
أنا.. أنا أريد ان أرجع شابة.
يحول العملاق نظره إليها ويسأل:
تريدين ان تعودي شابة؟ ألم تكفك سنوات شبابك؟
لا.. لقد أهدرتها وضيعتها دون أن أنتبه أنها قصيرة ولم أنتبه أن العمر يجري بسرعه إلّا بعد فوات الأوان.
وماذا كنتِ تفعلين؟
كنت مشغولة بأمومتي ونسيت نفسي.
إذن، قفي على ذلك الرصيف حتى أرى ماذا يريد الآخرون.
ويواصل سائلاً:
هل من أحد هنا لديه أمنية مستحيلة؟
ويضحك شاب في مقتبل العمر ضحكة استهزاء ويلفت نظر المجنون اليه.
أنت.. لماذا تضحك؟
أضحك عليك.
وما المضحك في سؤالي؟
أنت تقول أمنية مستحيلة وأنا لا أؤمن بالمستحيل.
يرجع العملاق رأسه الى الوراء مستطردا:
اذن، المستحيل هو أن تؤمن بالمستحيل .
يتلعثم الشاب بكلامه ويقاطعه المجنون:
اذهب وانتظر على ذاك الرصيف حتى تستجمع افكارك المهدورة كشباب تلك العجوز.
ويواصل المجنون سؤال المارة:
هل من أحد أيضا لديه أمنية مستحيلة؟
يصرخ شاب مراهق:
أنا.. أنا لدي أمنية.
تفضل، ما هي أمنيتك؟
أمنيتي هي…
وينظر إلى أعلى ويكمل كلامه كمن اكتشف شيئاً جديدًا ويصرخ بغرور:
أمنيتي أن تغير لون السماء فلا يصبح لونها أزرق.
يصرخ به المجنون بغضب:
أنت غبي أخرق، تضيّع أمنياتك. ثمّ من قال لك ان السماء تملك لوناً واحداً؟ فهي بالليل سوداء أو رمادية، وبالنهار زرقاء بيضاء حمراء أو وردية. ألم تعلم أن لها كل الألوان؟
وينظر اليه غاضباً ويقول مهدداً:
– أغرب عن وجهي.
يختبئ المراهق مرعوبا خلف إحدى السيارات.
يحدّق العملاق ببقية المارة سائلاً:
من منكم لديه اية أسئلة؟
تتقدم امرأةً تَلوْح الثقة على محيّاها:
انا لدي سؤال.
ثم تصوب سبابة يدها إلى وجهه وتسأله بلهجة تهكمية:
أنت طلبت أمنيتين، أن تكون رجلاً أكبر أو أن تصبح أنثى بلباس راقصة. لماذا حين حققت أمنيتك فضلت ان تكون رجلا أكبر مِن أن تكون امرأة ترتدي ثوب رقص؟ أليس في تفضيلك هذا ما يعني أنك تنتقص من مكانة المرأة؟
صنع اتهامها له تساؤلات عند المارة واحتجاجات، ورمت بعض النسوة عليه الأحذية.
كان يحمي رأسه صارخاً فيهم:
اسمعوني أولا قبل أن تحكموا علي بسطحية مفرطة. فأنا لست انتقص من الإنسان أي شيء.
ويوجه نظره الى المرأة ويقول:
بل أنتِ من تنتقصين..أنت، حين سألتني هذا السؤال كنتِ تبدين ما تخفين من أفكارك المغلوطة. فأنا حين طلبت أن أكون أكبر حجماً فهذا لأنني أرى نفسي صغيرا. ولأنها امنية أسهل في تحقيقها وأقرب. أيّ أنّي حين تمنيت فقد قصدت أن تروني وتنجذبوا إليّ، ولو استحقرت الفعل ما تمنيته. لكنك هنا تظنين في قرارة نفسك إن الرقص عار وإن المرأة ناقصة إن رقصت.فأنتِ مَن تحقرين المرأة حين ترقص ولست أنا.
تتحول أنظار المارة إليها فتهرب مسرعة إلى آخر الشارع.
يسأل المجنون المارة مرة أخرى:
هل من أحد هنا يريد شيئاً؟
فيخرج من بين الواقفين طفل يتوجه إلى العملاق وينظر اليه بعينين دامعتين ويقول:
أنا.. أنا أريد أمي؟ أين هي؟
أمك هناك تخاف أن تضيع شبابها معك.
وأبي! أين أبي؟
أبوك يراك جسدا بلا فكر، صوابا بلا خطأ. تجري فلا يجب أن تسقط. تختبر ولا تفشل. تشتري ولا تخسر.
وهل سأكون مثله؟
لا، بل ستكون مثل ذاك الشاب المختبئ خلف السيارة
ولماذا أختبئ؟
لأنك ستكون قاصراً في الثقة ولا تريد أن يراك الناس نصفا في المجتمع.
ينتهي المشهد بسكب دلو من الماء على رأس المجنون المستلقي في الشارع.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.