كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

مراحلُ الظلِّ..


شريفة عرباوي


سحبها الظلّ المنعش بين الخمائل في الحديقة الغنّاء، وهي في حالة السير المتأنّي من راهن الحال إلى الوراء، إلى مرحلة استأثرت بالحيّزِ الأجمل ممّا احتواه العُمرُ من سنينْ، مرحلة العيش الطفولي التلقائي البسيط. وكانت السماء يومها مُشعّةً صفاءً، مثل التي تدرّجت في النموّ تحت صفائها هناك، في ذاك البعد السحيقِ، والشمس تنثرُ أشِعّتها الساطعةَ فوق رؤوسِ الأشياء، وتُغازل بضيائها الوهّاج لُجّة نهر السّانْ العابر في ديمومةِ سيْر الأزمان والأزمان، ومن حوله تعاقبت في مثل سيْره الأجيالُ والأجيالُ من طينة الإنسان.
كانت الشمس المنفلتةُ يومها من قبضة الأيّام الغائمةِ تُشجّع النفس المُنقبضةَ بتوتّرات القلقِ والإعياءِ على التِّجوال تحت دِفْئِها المُرفّهِ وتحت جمالها والضياء، وعلى التنزّهِ والاستمتاعِ بما هو رائعٌ وجميل في عاصمة النور والبهاء. وفي الحدائق التي أبدعَ المُبدعون في تنويرهَا، فأضحت روعةً تُلبّي لمُشتهي الورود الاشتهاء. ألغت كُلَّ أشغالها المنزليّة في ذلك اليوم وخرجت. وعند تجوالها فضّلت أن تُمارس المشي مُتـرجّلةً حتى تستنفذَ أكثر تجوالها في الحدائق، بعيدةً عن أزيزِ السَّيّاراتِ وسُمرة الطرقات، وبعيدةً في الأنفاقِ عن زحمةِ القطاراتِ. وفي الحديقة الأجمل حديقة Luxembourg طال تجوالها، وبالنظر والتأمّل في روعة زهورها وخضرة أشجارها المتعالية وبِرك المياه.
كان الاستمتاع بتلك المحاسن يُريح العقل منها، ويُلْغي إحساسَ البؤسِ من عمق شعورها، وتنبعثُ في النفس المغتربة راحةً تُخفّفُ عنها وحشةَ الاغترابِ وألم البعد عن الأحبّاء. وعند إحساسها ولو بقليل من الإعياء كانت تجلس على مقعد من تلك المقاعد الجذّابة المنثورة في كلّ الحدائق لاستراحة المتنزّهين. وأثناء جلوسها يسكن الهدوء والعقل منها، فيبتعد عن هوس المشاكل وشقوة المتاعب، وترتاح النفسُ وتستمتع براحة الاطمئنان والهناء. عندها تستيقظ في الذاكرة حكاياتٌ من الماضي تُعيدها بالتذكّر إلى الوراء، إلى الطفولة أعادتها في ذلك اليوم، إلى يوم تحرّكت بنبض الحياة فيه كانت سماؤه صفاءً في مثل ذلك الصفاء، والفصلُ كان صيفاً والوقت قيلولةً، كان كبار العائلة يلجؤون إلى النوم داخل الغرف في ذلك الوقت لتوقّي من الحرارة الصّيفيّة، ويتركون أطفالهم الرافضين الانعكاف صحبتهم في الغرف الغائمة وللنوم مثلهم، يتركونهم للعب في صحن المنزل الشاسع المضيء. وكانت الأخت يومها مُنعكفةً في ركنٍ ظليل منه، تلعب بالدّمى صحبة أخت تصغرها بقليل، أمّا الأخ المخترع، فكان منغمساً في ركن ظليل آخر مع اختراعاته.
كان يكبرها في العمر بسنتيْن فقط، لكن في موهبة الخلق والإبداع المحظوظ بها كان يكبرها بكثير، إذ كانت تلك الموهبة تدفع به نحو غوامض الأشياء لبحثها ونحو إرادة الاكتشاف لتحقيقها. كانت تدفع به نحو ركنه الظليل للانعكاف وتفكيك ما كان يشتريه الأخ الأكبر، المغرم بالاشتراك، من الآلات الموجودة في ذلك العهد، كالهاتف والمذياع والمُنبّه، وغيرها من الآلات الأخرى لاستعمال العائلة لها. كان يختلسها لينْفرد بها في ركنه الظليل المُرفّه بالضياء، ثم يفكّكها بعد الاختلاس أجزاءً وأجزاءً، ويُحاول بعد تفكيكها اختراع وصناعة آلات وآلات أخرى منها، حتى يُعرف، وذلك في اعتقاده، بأنّه الأقدر في الصناعة من صانعيها، وتنتسب إليه ويذكرونه بها، ويشتهر في ميدان الصناعة بموهبة الاختراع التي يكتسبها. لكن رغم اجتهاده في الاختراع والصناعة كان الفشل في النهاية دائما نتيجة ما يبذل من الجهد في الاختراع وما أبدع وما يُبدع. ومع ذلك لم يسكنها ويتركها للإتلاف اليأسُ ويرمي بها، بل خصّص صندوقاً ليجمع فيه ضحاياه من تلك الآلات بعد تفكيكها، لأمل الرجوع إليها والاجتهاد من جديد في الاختراع مرّة أخرى وصناعتها، وكان يأخذ عقابه غضباً من طرف أخيه المُشتري لتلكم الآلات، لكن لا يبالي ويُعيد الكرّة مرّاتٍ ومرّاتٍ. كانت الأختُ التي تصغره بسنتيْن فقط معجبةً به كلّ الإعجاب، وتُحاول دائماً مشاهدة انعكافه في ركنه الظليل مع تلك الآلات المفكّكة لإنجازها. كان ذلك لشعورها بضآلة كبيرة في الإبداع إلى جانب قدرته، لعدم تمتّعها بتلك الموهبة مثله وتحترمه كلّ الاحترام لتمتّعه بها. وتكون في قمّة السعادة حين يسمح لها بالانعكاف صحبته في ركنه الضليل، لأنّه كان في أغلب الأحيان يمنعها من الاطّلاع على اختراعاته، ويصل به الأمر إلى طردها بالعنف إن أصرّت على البقاء، لعلّه كان يخشى أن تتسرّب أفكاره في الاختراع قبل أن تُنجز. وذلك هوس كلّ مخترعٍ في الحياة، يعمل دائما في الخفاء حتى ينهي عمله، ثم يقوم بعد ذلك بإبراز ما أنْجَزَ. أمّا في ذلك اليوم، فلم يكن اختراعه من الصندوق المعهود، ومن تلك الآلات المفكّكة كما تعوّد، بل أراد التنويع في تجاربه، فجاء بمادّة غريبةٍ لاستعمالها، وهي مصران من أحشاء خروفٍ ذُبح بمناسبةٍ في العائلة. أخذه من الأمّ التي كانت تقوم بتقطيع ذلك الخروف وغسله لإعداد الولائم للعائلة والأبناء. أخذ منها ذلك المصران ثم بدأ يفكّر في كيْفيّةِ ملْئِه بأنواعٍ من السوائل تختلف عن بعضها في اللون ومادّتِها، حتى اهتدى إلى فصل كلّ جزءٍ منه بخيط يشدّد ربطه. لكن ذلك يتطلّب مساعدةً من الغير، فسمح للأخت في ذلك اليوم بالبقاءِ إلى جانبه في ركنه الظليل والتمتّع بالفرجة في اختراعه العجيب، وأيضا سمح لها بالبقاء لمساعدته. فالعمليّة ليست سهلة التطبيق للقيام بها وحده، فرطوبة المصران تجعله ينزلق كالزئبق من بين الأصابع، وأيضا طلب منها الإتيان بالخيط من ركنها، إذ كان متوفّراً لديها لاستعمالها له عند خياطتها الفساتين للدّمى، واعتمد عليها أيضا أن تجلب سوائل الإبداع من المطبخ، فجلبت له في الكؤوس من تلك السوائل ما طلب، ثمّ بدأ في عمليّة الإبداع بمساعدتها. فملأ الجزء الأوّل من المصران بالسائل الذي اختاره في اللون، واعتمد على الأخت تشديد ربطه بالخيط لعزله عن الشطر الآخر منه، فقامت مطيعة في إنجاز ما به أمر، وقد اختار السائلَ الأوّلَ الذي بدأ به في الإبداع من سائل القهوة السوداء، ثم انتقل بمساعدة من طرفها إلى الشطر الثاني من المصران، فاختار امتلاءه باللبن الأبيض حتى يُصبح الفرق في الألوان شاسعاً ومُلفتاً لروعة الخلق والإنشاء. ومن خلال الخبرة التي اكتساباها في العمل في شطريْ المصران الأوّل والثاني، جاء دور الشطر الثالث، فكان العمل على امتلائه بمشروبٍ برتقاليّ اللون، وكان ذلك الإنجاز الأخير دون إعياء. عندها طلب من الأخت المطيعة إعداد القهوة للاحتفال بانتهاء عمليّة الإبداع بنجاحٍ، فلم تتردّد وكان إحساسُها مماثلاً لإحساسه بفرحة النجاح، إذ كانت تشعر أنّها ساهمت بجهدٍ كبيرٍ في نجاح العمليّة. كان ذلك بجلبها الخيط من ركنها الظليل، وهو المادة الرئيسة التي اسْتُعْمِلتْ للفصلِ بين السوائل، وأيضا تكفّلت بربطه حول كلّ جزءٍ من المصران، وما يتطلّبه ذلك الربط من صبرٍ لدقّة العمليّة.
غابت قليلاً ثم جاءته بمشروب القهوة في فنجان مذهّب من الطاقم المخصّص من طرف الأمّ للضيوف، وذلك تقديراً منها لعبقريّته، واعترافاً بالجميل الذي تفضّل به عليها عندما سمح لها بالحضور والمشاهدة، بل بالمشاركة في تجربته الرائعة. تهيّأت للاحتفال بالنجاح الذي تحقّق، وقطْفِ ثمار ذلك الجهد المشترك الذي بذلاه معاً في تلك التجربة، فهو صاحب الاختراع، وهي التي ساعدته عند تحويلها واقعاً. لكن من خلال حديثه بدأ يحاول الانتقاص من الجهد الذي قامت به، ويَنْسِبُ كلَّ نجاح التجربة له وحده، ولم يعط أيّ اهتمام حتى في جلبها السّوائل من المطبخ وفي إعداد القهوة له، وللمجازفة التي قامت بها لتقدّمها له في فنجان الطاقم المخصّص للضيوف، وما سيترتّب عن تلك المجازفة عند اكتشافِ الأمّ لعمليّة الاختلاس التي تجرّأت على ارتكباها. حاولت إقناعهُ بدورها الكبير في نجاح تجربته، بجلبها السوائل التي استعملت في تلك التجربة من المطبخ وجلب الخيط من ركنها الظليل، وشدّدت ربطه لتقسيم المصران إلى أجزائه، حاولت وحاولت لكن تجاهلها وأصرّ عدم الاعتراف بدورها، وكان منه لكلّ مساعداتها الإلغاء. عندها قرّرت أن تنتقم لنفسها، وبسرعة البرق خطفت من أمامه الفنجان وضربت به على الحائط فتهشّم وتطايرت شظاياه في كلّ مكان مع سائل القهوة. هنا قامت القيامةُ وحمى وطيس المعركة بينهما، وارتفع الصياح والصراخ، فجاءت الأمّ مسرعةً لتكتشف ماذا حدث، فوجدت فنجان القهوة المخصّص من طرفها للضيوف مهشّماً، وعند سؤالها علمت بأنّها هي التي تجرّأت على اختلاسه أوّلاً ثمّ تهشيمه، ودون التحقيق والبحث عن ظروف تهشيمه وأسبابها انهالت عليها الأمّ ضرباً، واتّهمتها بالاختلاس والعنف والإرهاب. وهكذا يغيب الحقُّ بتدخّل القوى الكبرى لنصرة الظالم عندما تُضرب مصالح هذه القوى.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.