أسماء المصفار
نسعى في هذه الدراسة إلى تبين المنهج الاجتماعي في كتاب “أوضاع المرأة في الرواية التونسية” لمحيي الدين حمدي، ويعود الاهتمام باختيار هذا الموضوع المذكور إلى ما يشغله موضوع المرأة من أذهان المثقفين والساسة المجددين والمحافظين في العصر الحديث، والرغبة في اكتشاف المنزلة التي تشغلها المرأة في الحياة العامة ككلّ، ونظرا إلى تشتت المعطيات المتعلقة بالشخصيات النسائية في الرواية التونسية، والرغبة في اكتشافها وتحليلها والسعي إلى اقتناص واقع المرأة في الرواية والمجتمع بحثا عن أوجه الاختلاف والائتلاف بينهما.
سنعتمد في هذه الدراسة على المنهج الاجتماعي نظرا إلى أنّه أسلوب بحث مهم ولأنّ هذا المنهج قد اعتمد في المؤلَّف المدروس نودّ الاطّلاع على صيغة حضوره فيه نظريا وتطبيقيا. ونحسب أنّ المراحل التالية كفيلة بتحقيق هدف هذه الدراسة والتي تبتدئ بمدخل نظري: تحديدات وإشكالات نحدد فيه متصوّرات بعض المصطلحات التي يقوم عليها الموضوع المختار وأساسها هنا المنهج الاجتماعي وما قد يتصل به من مصطلحات واردة بالمؤلَّف المدروس منها: الرواية، الشخصية، الشيئية، الوعي الممكن، الوعي الزائف. بعد ذلك سنهتم بمصادر تلك المصطلحات، وإثرها نبوّب تجليات بعض المتصورات الاجتماعية في دراسة الشخصيات النسائية في الأثر المدروس والتي تتمثل في: الشخصية المتحررة، الشخصية الشيء، الشخصية صاحبة الوعي الممكن، الشخصية صاحبة الوعي الزائف.

مدخل نظري
تحديدات وإشكالات
نُعنى في هذا الموضع ببعض المصطلحات التي نحتاج إلى تحليلها وفهمها وهذه غاية كل بحث أن يسعى إلى الاهتمام بالمصطلحات المكوّنة له وما جاورها وتعلّق بها لكي تُدرَكَ إدراكًا سليما. ومن بين المصطلحات التي اهتممنا بها في هذا الموضع: الرواية، الشخصية، الشيئية.
الإشكالية
ففيم تتجلى هذه المصطلحات؟ وماهي مصادرها؟ وفيم تكمن أهم التجليات لبعض المتصورات.
الاجتماعية في كتاب أوضاع المرأة في الرواية التونسية؟
الرواية
لغة
ورد في “معجم الوسيط”: “قولهم روى على البعير ريا: استسقى، روى القوم عليهم ولهم الماء. روى البعير، شدّ عليه بالرواء: أي شدّ عليه لئلّا يسقط من ظهر البعير عند غلبة النوم، روى الحديث أو الشعر رواية أي حمله ونقله فهو راوٍ والجمع رواة، وروى البعير الماء رواية حمله ونقله، ويقال روى عليه الكذب أي كذب عليه وروى الجمل ريا: أي أنعم فتله وروى الزرع أي سقاه”. والراوي هو الذي يروي الحديث أو الشعر أي حامله ونقله. والرواية: القصة الطويلة. وعرّفها ابن منظور في لسان العرب: “أنّها مشتقة من الفعل روى، قال ابن السكيت: يقال رويت القوم أرويهم، إذا استقيت لهم، ويقال من أين رؤيتكم؟ أي من أين تروون الماء؟ ويقال روى فلان فلانا شعرا وإذا رواه له حتى حفظه للرواية عنه، وقال الجوهري: “رويت الحديث والشعر فأنا راوٍ في الماء والشعر ورويته الشعر، ترويه أي حملته على روايته”.
متصوَّرا
تعترض كل دراسة سوسيولوجية (اجتماعية) للرواية مشكلة مبدئية وهي تعريف هذا الجنس الأدبي المتعدد الأشكال، الدائم التحول والذي لا تضبطه قواعد ثابتة. ويبدو أنّ أغلب كتب التأريخ الأدبي أو النقد الأدبي لا تتعرض لهذه المشكلة، إذ لا تقدّم للباحث السوسيولوجي سوى مجموعة من المعلومات أو الخلاصات وليس برنامجا متماسكا من الأبحاث. ولعلّ أول اقتراح يلامس الدقة لحلّ مشكلة التعريف هذه هو الذي يقدّمه H.coulet وينصّ على اعتماد الاستعمال العادي لكلمة “رواية” وعلى محاولة تحديد الخصائص المشتركة بين كل الأعمال التي تندرج عامّة تحت التسمية الفرنسية “Roman.
إذ تعدّ الرواية حسب جورج لوكاتش: مثل الملحمة والقصة القصيرة جنسا ملحميّا يصوّر في آن واحد أقدارا بشرية، وكذا المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي تحدث فيه هذه الأقدار. كما تبيّن لنا أنّ الرواية الموسومة بالرواية الاجتماعية لصيقة بالواقع. وبناء على توسُّم الأثر المدروس ب “أوضاع المرأة في الرواية التونسية” يمكن القول إنّ الدراسة ستهتم بأوضاع المرأة حسب ما هي عليه في الرواية التونسية، وبما أنّ الرواية تعتبر كونا مصنوعا من اللغة فإنّها لا تنفصل عن الهوية. لذلك فإنّ الرواية الاجتماعية على وجه الخصوص هي إفراز للمجتمع الذي تنشأ فيه. ويرى أنصار التيار الاجتماعي أنّ: الرواية ترجمة ذاتية وتسجيل لقصّة في وقت واحد. ويمكن لهذه الخصائص التي تضطلع بها الرواية الواقعية أن تثمّن قيمتها باعتبار أنّ القيمة التي تتضمّن فكرة التقويم عامّة أي الحكم بمقدار الشيء فيرفعه أو يخفضه. ورد في المعجم الفرنسي Larousse في تعريف الرواية: Roman
« œuvre d’imagination constituée par un récit en prose d’une certaine longueur. Dans l’intérêt est dans la narration d’aventures, l’étude de mœurs ou de caractéristiques, l’analyse de sentiments ou de passions, la représentation du réel ou de diverses données objectives et subjectives; genres littéraire regroupant les œuvres qui présentent ces caractéristiques ».
الشخصية
لغة
هي اشتقاق من كلمة “شخوص” بمعنى الظهور والتبدّي أمام الآخر. والشخص هو سواد العين أي إنسانا والشخص هو كل جسم له ارتفاع .
متصوّرا
ترجمة مصطلح “شخصية” في اللغة الفرنسية هو “Personnage”.
والشخصية هي مكوّن أساسي من مكوّنات الرواية، وعُدّ إنشاؤها وفق بعض الرؤى التقليدية أساس الرواية الجيدة. وقد تناولها بالبحث علماء السرد من زوايا متعددة فعرّفوها بما يرضي تصوراتهم وميولهم وفهمهم للرواية، لذلك اختلفت آراؤهم في شأنها وكانت درجات الاختلاف بين الباحثين متفاوتة قربا وبعدا.
تأثرت آراء الباحثين بتطوّر أفكارهم الأدبية، وبدا لنا مقبولا أن نفيد من كل الاتجاهات للإلمام بالشخصية من مختلف جوانبها والنظر إليها ظاهرا وباطنا. فهي لدى توماشفسكي: المعتبر من الشكلانيين الروس: نوع من الدعائم الحيّة لمختلف الحوافز، وهي بمثابة السلك تنتظم عليه الأحداث، فيساعد على ترتيبها وتصنيفها، والأحداث التي تتصل اتصالا وثيقا بشخصية ما تصبح مميزة لتلك الشخصية وتحدد نفسيتها ومزاجها. وتصوّر توماشفسكي للشخصية يجمع بين كونها أفعالا أو منجزة للأفعال وكونها نفسية أو مزوّدة بنفسية”.
ورد في المعجم الفرنسي في تعريف الشخصية: “Personnage quelconque qui attire l’attention par quelque caractéristique jugée le plus souvent de façon critique».
وورد ما يقرب من هذا التعريف في المعجم الإنجليزي: Oxford
« Character, the mental and moral qualities distinctive to an individual personality, the combination of characteristics or qualities that form an individual’s distinctive character”.
إنّ الاهتمام بالشخصية في هذه الدراسة هو اهتمام بشخصية المرأة على وجه الخصوص، فهي الشخصية البطلة المحورية، وهي ليست امرأة واحدة بل عدة شخصيات نسائية من جنس واحد لكنّ هذه الشخصية تختلف من امرأة إلى أخرى. فكلّ رواية تتّسم بتباين شخوصها ذكورا وإناثًا، وقد اهتمّ الأثر المدروس “أوضاع المرأة في الرواية التونسية” لمحيي الدين حمدي بتتبّع فئات اجتماعية مختلفة متعلقة بالمرأة وذلك حسب ما تلعبه الشخوص النسائية في الروايات المدروسة من دور وما تتسم به من مميزات وما تحمله من آراء وإيديولوجيات تميزها عن غيرها وما تعقده من علاقات بالشخصيات الأخرى وما تضطلع به من دور في المجتمع الذي تنشأ فيه. ولا تقتصر دراسة محيي الدين حمدي لأوضاع المرأة في الرواية التونسية على العرض العددي للشخوص المحلَّلة، وإنما حاولت دراسته عبر تجميع وحصر كل المواضيع والمسائل التي تتعلق بالمرأة وذلك بتتبّع مراحلها العمرية المتباينة ورصد حالاتها المتغيرة وظروف عيشها وضبط علاقاتها، وبذلك فقد تجنّب التشتيت وفق منطق ينظم تلك الشخوص موزّعا إياها على أصناف بحسب ما يتوفر فيها من مقومات التماثل أو التباين سعيا للتحكم فيها ذهنيا.
الشيئية
أصل الكلمة “الشيء” و جذرها هو (ش،ي،ء) و وزنها فَعْلٌ. والشيء هو: ” كلّ ما صحّ أن يعلم ويخبر عنه فهو شيء”. و شيء: ” أعمّ الأسماء كلّها، و هو على ضربين: معدوم و موجود، و قال بعضهم:” لا يسمّى المعدوم شيئا، وذلك لا يصحّ لقوله تعالى: { ولا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غدا} فسمّاه شيئا قبل أن يوجد”. فالشيئية هي عبارة عن فقدان القدرة على الحياة وتحقيق الوجود أو فقدان الهوية وطمس الذات الكائنة، وذلك يولّد الشعور بالاغتراب النفسي والروحي. فيصبح وجود الشخص مثل عدمه ويتحوّل في هذه الحال من طور الحركة والنماء إلى طور الركود والعدم والخنوع. ويعود ذلك إلى عدة عوامل منها، التأثر بكلّ ما يحيط بالشخصية في البيئة التي تعيش فيها من مشكلات عائلية أو مادية أو عملية أو عاطفية. كما سنستجلي ذلك من خلال ضبط بعض الشخصيات النسائية اللاتي تنطبق عليهنّ مقولة “المرأة الشيء” أو “الشخصية الشيء”.
الوعي الممكن
يقول لوسيان غولدمان:” نعرف جميعا بكيفية لا بأس بها ماهو الوعي وإن كنّا عاجزين عن تدقيق معناه. ومصدر الصعوبة في الغالب راجع إلى الطابع الانعكاسي لكل تأكيد على الوعي نتيجة لكوننا عندما نتحدث عنه، فإنّه يكون موجودا باعتباره “الذات” و”الموضوع” في الخطاب، مما يجعل مستحيلا الوصول إلى أي تأكيد يكون في آن نظريا وصحيحا من حيث الصلابة. ومع ذلك ننطلق من تعريف إذ لم يكن قويا فعلى الأقل يكون تقريبيا مؤقتا، لذلك فسنقترح تعريفا يبدو له ميزة مزدوجة في توضيح الصلة الوثيقة القائمة بين الوعي والحياة الاجتماعية كما أنه يضيء في الوقت نفسه بعض المعضلات المنهجية. يظهر لنا أنّ بالإمكان تخصيص الوعي أنّه مظهر معين لكلّ سلوك بشري يستتبع تقسيم العمل، ويتّصل الوعي بمجموع الكون و التاريخ فإنّ كل واقعة اجتماعية هي من بعض جوانبها الأساسية واقعة وعي، و كذلك كل وعي هو قبل كل شيء تمثيل ملائم لقطاع معين من الواقع على وجه التقريب، فالوعي ذاته هو عنصر من الواقع الاجتماعي ووجوده نفسه يسهم في جعل مضمونه ملائما أو غير ملائم، والواقع أنّه في لحظة يكون عند أي فئة اجتماعية بالنسبة لمختلف المسائل التي تطرح عليها وبالنسبة للحقائق التي تصادفها، وعي واقعي، حقيقي قائم يمكن شرح بنيته ومضمونه بعدد كبير من عوامل ذات طبيعة متنوعة كلما ساهمت بدرجات مختلفة في تكوين ذلك الوعي”.
الوعي الزائف
يجمع المختصون على أنّ الإنسان يتشرّب تلقائيا ما يتلقاه من محيطه الثقافي والاجتماعي والسياسي منذ طفولته المبكرة، ما يسهم بشكل أساسي في تكوّن وعيه وتحديد نمط تفكيره ومبرّرات موقفه وأسلوب حياته، لكن هذا الوعي الفردي لا يتحقق منه، لأنّه لا يخضعه لأي فحص أو تحليل أو نقد و قد لا يرافقه ذلك عبر حياته حيث لا يعي الإنسان ثقافة مجتمعه التي تؤطّره، ما يشكّل مأساة حقيقية له لأنّه يكون خاضعا للوعي الزائف الذي شبّ عليه واعتمده في النظر إلى الحياة و التصرّف فيها دون تفحّص منه ولا فهم طبيعته ولا كيفية اشتغاله. وتكمن الخطورة في أنّ الوعي يحول بطبيعته دون أن يخضعه صاحبه للنقد، فيبقى الإنسان مأسورًا داخله وغير واع بعيوبه وخرافاته، بل إنّه قد يحيطه بهالة من القدسية.
ويعتبر الفيلسوف “سقراط” من أسبق الفلاسفة اكتشافا لزيف الوعي السائد كما عبّر “كارل ماركس” هو الآخر عدّ ذلك بوضوح بمقولته الشهيرة: ” ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل العكس من ذلك إنّ الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”. وقبل ذلك أعلن “سبينوزا” أنّ أغلب ما يعتقِد الناس أنّه حقائق بديهية هو مجرّد وعي زائف بل إنّه أيضا تبريرات وإيديولوجيا، ما يعني أنّ وعي الإنسان لا ينهض على تمحيص فكره وسلوكاته الرئيسية ونقد بواعثها وأسبابها، وإنّما هو مملوك لثقافة مجتمعه الزائفة حيث ينساب تفكيره وسلوكه تلقائيا من وعيه الزائف وذلك حتى عندما يتوهّم أنّه يتصرّف بوعيه واختياره. وتكمن خطورة الوعي الزائف في أنه يبقى مهيمنا على فكر الأفراد وسلوكهم طوال حياتهم.
بناءً على تعدّد المصطلحات التي اهتممنا بها في العنصر الأول رأينا أنّه من الضروري ذكر مصادرها نظرا إلى ما تملكه من عمق دلالات وتواتر معان تختلف وتتعدد بتعدد الباحثين والقائلين فيها لذلك ضبطنا مصادر المصطلحات التي تناولها محيي الدين حمدي صاحب الأثر الذي نشتغل عليه في هذه الدراسة وهو “أوضاع المرأة في الرواية التونسية”.
مصادر المصطلحات
في ما يتعلق بمصطلح الرواية اقتنى محيي الدين حمدي مصادر مختلفة لتحديد مفاهيم بعض المصطلحات التي اشتغل عليها واهتم بها في كتابه “أوضاع المرأة في الرواية التونسية”. منها: مقال لجانفيف موييو، وهو مؤلف جماعي عنوانه: البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، قسم تعريف سوسيولوجي للرواية.
كما اعتمد أيضا على الرواية كملحمة برجوازية لجورج لوكاتش، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت، فصل تقرير عن الرواية. وتوماشفسكي، فصل “نظرية الأغراض”: اختيار الغرض من كتاب نظرية المنهج الشكلي، نصوص الشكلانيين الروس، من كتاب الماركسية والعلوم الإنسانية. وأيضا فقد استعمل كتاب البنيوية التكوينية أما المصادر الأجنبية فسنكتفي بذكر إحداها.
oswald ducrot et tzvetan todorov, dictionnaire encyclopédique des sciences du langage, chapitre: personnage.
يعود تعدّد مصادر المصطلحات الكائنة في موضوع الدراسة إلى ثقافة صاحب الأثر المدروس واطّلاعه الواسع على عدة دراسات وإلمامه الشامل بما يتعلق بالرواية وقضاياها، وهذا من شأنه أن يغني الدراسات الأدبية التحليلية.
المتصورات الاجتماعية في دراسة الشخصيات النسائية
تتجلى بعض المتصورات الاجتماعية في كتاب “أوضاع المرأة في الرواية التونسية” لمحيي الدين حمدي بشكل جليّ فتنقسم الشخصيات النسائية في الأثر المدروس إلى الشخصية المتحررة، الشخصية الشيء، الشخصية صاحبة الوعي الممكن، الشخصية صاحبة الوعي الزائف. ويعود هذا التقسيم إلى دقة تبويب محيي الدين حمدي لأصناف الشخصيات النسائية باعتماده لعدة نماذج من الروايات التونسية وإثر ذلك فقد اهتم بإبراز تجارب المرأة التي أثرت في ذاتها وضبط سلوكها وعلاقتها بالآخرين وصولا إلى مكانتها الاجتماعية ومدى تأثرها بالواقع وكيفية تعايشها فيه، فنجد بعض المتصورات الاجتماعية للمرأة في دراسة الشخصيات النسائية التي ذكرها محيي الدين حمدي في كتابه فنجد:
الشخصية المتحررة
وهي التي تتجسد في المرأة التي تعتبر نفسها حرّة في أفعالها وتحصيل رغباتها وتحقيق مطامحها دون مواجهة أية ضغوطات. فلا تشعر بنفسها مرغمة على فعل أي شيء إكراها. “فمثلا هي لا تقوم بأعباء المنزل ولا يشكّل عدم معرفتها للطبخ عائقا أو مشكلا، حتى أنّها تخلق لديها الرغبة في تحرير المرأة التقليدية من وظائفها الشاقّة والمجهدة وهذا مثال مذكور في الأثر المدروس في الفصل الأول “نسوة في عهد الحماية” صنف “النساء المتحررات”. فذكر مثلا “هيفاء” في رواية عائشة للبشير بن سلامة وهي رمز للشخصية المتحررة، تبدو داهية بارعة في المغالطة والتأثير بمعسول الكلام، تجيد التعامل مع الناس بما يلائم المقام ويحقق لها غاياتها وهي غالبا ما تكون شخصية برجوازية”. ويذكر محيي الدين حمدي كذلك “حليمة” في رواية “حليمة” لمحمد العروسي المطوي:” فهي ترغب في القيام بأعمال تخريبية ضد الاستعمار فنقلت السلاح سرّا إلى المقاومين وتعلّمت الرموز وحيل الإفلات من رقابة الشرطة، تناضل حليمة في المستشفيات وتبثّ الوعي منتقدة النساء المهتمّات بالمشكلات العائلية التافهة في نظرها، حتى أنّها تكاد لا تعرف الشعور باليأس لتيقّنها من أنً النصر قريب فهي تعدّ رمزا لجهاد المرأة التونسية ضد الاستعمار”.
الشخصية الشيء
وهي التي تصبح بمثابة الشيء منعدم الموجود أي الشخص الحاضر والموجود ماديا لا فكريا. ونجد في ذلك عدة نماذج في المؤلَّف المدروس تنطبق عليها مقولة الشخصية الشيء. فمثلا “حليمة” في رواية “المنعرج” لمصطفى الفارسي، هي:” لا تشتغل خارج المنزل، تزوجت صغيرة في نطاق عائلتها وفق الأعراف السائدة في بلدتها، ثقافتها تثبت انغراسها في ماضي العرب ورهافة شعورها وإعجابها ببطولات الأجداد، فكرها بسيط وآفاقها محدودة وميولها إلى الاستقرار راسخة، ونبذها التغير ثابت، وجودها الاجتماعي مستمد من الزوج رمز القوة الحامية المولّدة للشعور بالاطمئنان. ويمثّل موته موتا لها. وتكتسب وظيفتها الزوجية أهميتها بالإنجاب الذي يتيح لها أن تكون أمّا ولئن كانت المرأة أنثى فإنّها تفضّل الأولاد على البنات لاعتقادها بأنّ الذكر يحمل اسم والده فيحييه بخلاف الفتاة التي تلحق عند الزواج بعائلة الزوج فلا تضمن لوالدها الاستمرار الرمزي”. إنّ الذكورة حسب “جليلة الطرير” كانت ولا تزال تعدُّ بحدّ ذاتها مقام امتياز، فإنه لا يسعنا إلا التسليم بهشاشة الوضعية الأنثوية التي يتهددها لونان من الإقصاء، الأول نوعي تمثله الأنوثة بوصفها علامة تدنٍّ وتبعية، والثاني طبقي. على هذا المنحى تكون المرأة موغلة في التشيّؤ من نواح مختلفة وبذلك تفقد الإحساس بالحياة، فلا تشعر في داخلها إلا بماهو سلبي من مظاهر الاغتراب والضياع والتيه والخضوع… فهي تتعايش مع الأضداد وهذا التعايش من شأنه أن يخلق في عالمها صراعات في ما يتعلق بمسائل هي كالتالي الذات، الحب، الجنس، الزواج، الثقافة، المجتمع، السياسة، الدين…
الشخصية صاحبة الوعي الممكن
“يتصل وعي الشخصية بالواقع لكون الوعي ذاته هو عنصر من الواقع الاجتماعي ووجوده نفسه يسهم في جعل مضمونه ملائما أو غير ملائم، فالوعي الممكن هو أساس الوعي الأول (القائم) و هو الحد الأعلى من التلاؤم الذي يمكن أن تدركه الجماعة بدون أن تغير طبيعتها”.
سلّطت دراسة أوضاع المرأة في الرواية التونسية الضوء على متصورات مختلفة متعلقة بالشخصيات النسوية ومنها “الشخصية صاحبة الوعي الممكن” والتي يظهر وعيها في بعض اهتماماتها وخوضها في مسارات الحياة العامة، وما يتعلق بحياتها الشخصية بأدق تفاصيلها من تعليم وثقافة وعمل وحب ودراسة وزواج وجنس وسياسة. نذكر مثلا “جودة منصور” التي كانت الوحيدة من بين النساء في الروايات المدروسة المتداولة التي تغادر الوطن نحو فرنسا متحدية الأب، إذ بها “ذات يوم قررت أن تعضّ على أوجاعها وأن ترحل بعيدا لمزاولة تعلّمها وكيفما كان أمر التعليم فإنّه يساهم دون ريب في توجيه ذهنية المرأة وتلوين موقفها من بعض الظواهر والعادات محدثا بينها وبين الأمّية فرقا ضئيلا”. فنجد المرأة صاحبة الوعي الممكن متجاوزة للرتابة المعتادة مرتمية في خضمّ الحياة العصرية، فتتعامل مع الثقافة الواسعة من أدب وفنّ ووسائل إعلام حديثة وتستهويها في جلّ الأحيان الثقافة المعبّرة عن المطامح الفردية المرسّخة للذوق الشائع، ففي السياسة مثلا تركّز المرأة نظرها على الحزب الحاكم في بلدها داعية إلى الاشتراك فيه. ف “نورة” “تحث زوجها المعتبر نفسه معارضا على الالتحاق بصفوف الحزب مرغّبة إياه في منافعه المادية والمعنوية، مُسلّمة بنظرتها هذه الإيديولوجية السائدة”.
و”آمنة” تناضل ضد مستعمري الجزائر لا تسميهم، بالمشاركة في المظاهرات وإنشاد الأغاني الحماسية، أمّا “حليمة” فتحاول الاستعمار بجرأة أشدّ من سابقتها وهي مناضلة واسعة الاطّلاع على ما يجري من أحداث في وطنها، إذ تلتقي في نفسها رغبتان: الأخذ بثأر الأب المقتول ظلما، وتخليص الشعب من الذّل.
بناء على ما تقدّم تراءت لنا شخصيات نسائية اتّسمت بالتحرر آنا وبالتشيؤ آنا آخر فكانت درجة الوعي لديها تنقسم إلى ماهو ممكن وماهو زائف.
ففيم تتمثل الشخصية صاحبة الوعي الزائف في “أوضاع المرأة في الرواية التونسية” لمحيي الدين حمدي؟
4-الشخصية صاحبة الوعي الزائف
هي التي يتهيّأ لها أنّها تمتلك من الوعي ما يكفيها لمواجهة ما يعترضها في محيطها الاجتماعي من صعاب وعقبات ومشكلات. نأخذ شخصية “نورة” مثالا لنفسر مقولة الشخصية ذات الوعي الزائف. فهي (نورة) في ما يتعلق بالمجال السياسي نجدها تنطق في ظروف خاصة آراء تتصل بالحزب والحكومة، تدلّ على أنّها أصبحت غير راضية عن أخطاء النظام في نظرها وما تدلي عليه من خواطر لا يجاوز جدران منزلها، وقد قادها إلى هذه الأحكام عسر وضعها المادي. ويرد نقدها سياسة السلطة في بلدها في نطاق أحكام عامّة تتعلق بالحكومات مطلقا. وتعيب النظام بعبارات تعوزها الدقة العلمية يغلب عليها الطابع الأخلاقي. وجوهر ذلك رؤية سياسية لا تستوعب الظاهرة المتأمّلة، هذه المرأة لا تحدّد مصدر شكواها بوضوح وإن ذكرت نتيجته. وهي بذلك تعمّم المعاناة الفردية غير ملاحظة لحقائق الواقع، فهي تشكّ في إمكان تحقيق طموحها لاعتقادها أنّ النظام قدر لا يقهر وتنظر إلى المستقبل نظرة سكونية متشائمة معتبرة الشرّ أصلا في الإنسان لا يزول. فتدعو إلى التخلّي عن الأمل في انتصار خصوم الحكّام في بلدها متذرّعة بحكمة تسلّي بها نفسها، عمادها أنّ الاعتقاد في التغيير الإيجابي وهم حالمين بنظام جديد لا يمكن أن يحدث على سطح الأرض بسبب “الهوّة” التي تفصل بين الواقع والأحلام. وأيضا نجد “الطالبة الثائرة” تدعو إلى تحرير العامل من عبودية رأس المال قارئة الانعتاق الاجتماعي بتحرير المرأة من سيطرة الرجل إذ تقول:” نعم، لابدّ من الحرية الجنسية”. وكذلك شخصية “شافية حريري” التي اعتبرناها من فئة الشخصيات صاحبات الوعي الزائف فهي “تعتقد في أنّها تكافح اجتماعيا لتحرير المعوزين مستعملة تعابير فضفاضة”. رأينا إذن كيف تجلّت المتصوّرات الاجتماعية والنماذج المتعلقة بشخصيات نسائية ورد ذكرها وتصنيفها وتبويبها في الأثر المدروس “أوضاع المرأة في الرواية التونسية” وقد اقتنى مؤلِّفه محيي الدين حمدي نماذج الشخصيات من روايات تونسية كي يحدد طبيعتها ويحلّل رؤاها ويدرس ومتصوّراتها.
خاتمة عامة
بناء على ما تقدم يمكن القول إن البنية النظامية للدراسة سهلت علينا حصر مباحث الاهتمام التي اتبعناها، فابتدئت الدراسة بمدخل نظري يقوم على تحديدات مفاهيم المصطلحات المتعلقة بالموضوع والتي كانت محاور اهتمام أشرنا إليها في المتن فعرفنا بالرواية والشخصية والشيئية بعد ذلك اهتدينا إلى ضبط مصادر تلك المصطلحات التي اعتمدها محي الدين حمدي في كتابه “أوضاع المرأة في الرواية التونسية” فتعدد هذه المصادر يعود إلى الاطلاع الواسع لصاحب الأثر المدروس وذلك ما يغني عمله.
وبعدها انتقلنا إلى تحديد بعض التصورات الاجتماعية في دراسة الشخصيات النسائية في المؤلَّف المدروس فوجدنا ما يتعلق بالشخصية المتحررة وقد ذكر منها محي الدين حمدي في كتابه بعض نماذج من هذه الشخصيات التي تم ذكرها في بعض الروايات التونسية المدروسة من طرفه وقد ذكر منها “هيفاء” في رواية عائشة للبشير بن سلامة وأيضا “حليمة” في رواية حليمة لمحمد لعروسي المطوي، بعد ذلك ذكرنا نماذج من الشخصية الشيء والتي اهتم محي الدين حمدي بدراسة نماذج منها في روايات تونسية متعددة كما سبق أن قلنا مثلا شخصية “حليمة” في رواية المنعرج لمصطفى الفارسي، أما الشخصية صاحبة الوعي الممكن فقد صنفت جودة منصور من بينها ، وهي شخصية بطلة في إحدى الروايات التونسية المدروسة في الأثر الذي تناولناه وقد كانت تلك الشخصية هي الشخصية الوحيدة من بين الشخصيات النسائية الأخرى المتمردة على السائد، فقد أصرت على مزاولة تعلمها مهما كانت الظروف والرحيل بعيدا والثورة على العادات والتقاليد. وتلحقها بعد ذلك شخصية نورة وشخصية آمنة، أما الشخصية صاحبة الوعي الزائف فقد تجسدت في شخصية نورة الناشطة في المجال السياسي والتي كانت تدلي بآرائها التي تتصل بالحزب والحكومة معتقدة أنها بذلك ستغير الواقع وأيضا في شخصية الطالبة الثائرة التي تدعو إلى تحرير العامل من عبودية رأس المال وتدعو إلى تحرير المرأة من سيطرة الرجل، وشخصية شافية الحريري التي تكافح اجتماعيا راغبة في تحرير المعوزين.
هكذا إذن قد تجلت لنا المتصورات الاجتماعية لبعض الشخصيات النسائية المدروسة الواردة في كتاب أوضاع المرأة في الرواية التونسية لمحي الدين حمدي، فقد اهتم بتصنيفها وتحليلها اجتماعيا لذلك فقد اعتمدنا المنهج الاجتماعي في هذه الدراسة لأنه حمّال أوجه مختلفة ويمكن تناوله في مجالات عديدة من الحياة العامة وذلك ما ولّد الرغبة في استجلاء الخلفية الاجتماعية لشخصيات نسائية متباينة على كل المستويات.
هامش:/
* الدكتور محيي الدين حمدي:
أستاذ دكتور بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس-تونس، مختص بالنقد العربي الحديث والمعاصر. صدر له:
أوضاع المرأة في الرواية التونسية.
عقلانية ابن المقفع.
الإغراب في الرواية العربية الحديثة.
العلم والدين في تفكير طه حسين.
المصادر والمراجع
-I المصدر
حمدي (محي الدين)، أوضاع المرأة في الرواية التونسية، كلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس، ط1، 2003.
II –المراجع بالغة العربية
1-الكتب والمقالات والمعاجم
حمدي (محي الدين)، الاغراب في الرواية العربية الحديثة، كلية الآداب والعلوم الانسانية بصفاقس 2009.
الطريطر (جليلة)، مجلة الحياة الثقافية، العدد 195.
مصطفى (ابراهيم)، المعجم الوسيط، ج1، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، اسطنبول.
ابن منظور، لسان العرب، دار صادر للطباعة والنشر، ط1، بيروت، 1997.
2-الكتب المترجمة
غولدمان (لوسيان)، مؤلف جماعي، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ترجمة محمد برادة.
لوكاتش (جورج)، الرواية كملحمة بورجوازية، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، ط1 بيروت، 1979.
موييو (جانفيف)، مؤلف جماعي، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي.
-III المراجع باللغة الأجنبية
Claude Augé, Dictionnaire français Larousse, 1889.
English dictionnary Oxford.
Oswald DUCROT et TZVETAN TODOROV, Dictionnaire encyclopédique des sciences du langage.
أضف تعليق