كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

رمزية العلامة في ديوان “ملاك موت بلا وطن” ..

أسماء المصفار



بعد اطلاعي على ديوان “ملاك موت بلا وطن” للشاعر اليمني حميد عقبي، والصادر حديثا عن منشورات “فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات”، لفت انتباهي الجانب الترميزي ووجود العلامات فيه لذلك اعتبرته ديوانا شعريا ترميزيا دلاليا يغوص في بحر العلامات سأذكر بعضا منها هي كالتالي: الخمرة، المرأة، الموت، الخوف الذي بعد دلك تحول إلى هوس ثم إلى تمرد.
في البداية ذكر الشاعر الخمرة و إقباله عليها بصفة متكررة مبالغ فيها حتى أصبحت من العلامات التي لا يمكن التغافل عن ذكرها، إذ يقول في مقام حديثه عن الخمرة :
“أشرب و أشرب و أشرب
ثم يأتي النبيذ الأحمر في ليالي الرعشة، لعل أشياء قد تتغير”
لعل الشاعر قد اعتبر أن الخمر خلاص من هموم الدنيا ومن مشكلات المجتمع ورقابته وسآمته وهو بدوره قد كان متمردا على ما يعتقده الناس في الخمرة وهذه الخمرة التي تسوق للشاعر النشوة هي التي ستكون عاملا مساعدا في تقوية مصارعي الحياة والذي يعتبر حميد عقبي من ضمنهم فهي تساعدهم بذلك على مواجهة الحياة وهي سنده ومصدر سعادته، فخمرته هي خمرة المظلوم المنهك المثقل من هموم الدنيا من غربة الوطن، أيضا هي خمرة المحبين المعذبين الباحثين عن الخلود. مثّل حضور المرأة في ملاك موت بلا وطن الملاك والمفر من واقع الخوف المدمر للأحلام و لجمالية الوجود ورغبته في التعبير عن ذاته التي تعشق الأنوثة والتي سيطر عليها هوى العشق و العاطفة تجاه المرأة، فهو في واقع لا يسمح له بالوقوع في الحب أو بالخوض في غمار تجربة عشقية عاطفية ولكنه رغم ذلك يقدس الحب لكونه يحيا به ونظرا إلى أنه انفعال نفسي نبيل ، يقول في هذا المقام:
“كل شيء يحدث بقسوة في بلاد الحرب
لكن أرواحنا ما تزال قادرة على العشق”
فالمرأة هي التي تحقق له النشوة و المتعة. بدت أيضا علامة الخوف حاضرة نلاحظ ذلك في البداية من خلال النظر في العنوان الذي توسّم به الديوان فالعنوان التالي: “ملاك موت بلا وطن” يحمل مصطلح موت الذي يدعو إلى الخوف فالموت يمثل خوفا للإنسان من مفارقة الحياة والعدم ومواجهة المصير بعد الممات أما المصطلح الثاني الوارد في العنوان: بلا وطن فهو يمثل الخوف الأشد وهو الاغتراب، فقدان الإنسان لهويته، لوطنه، لعائلته، لحضارته، لوجوده الفعلي ومن ثم عدمه. يقول حميد عقبي في هدا السياق في ديوانه:
“لست إلا طفلا مجنونا يتخيل أكثر مما يجب
يرى ما لا يجب رؤيته
يرى وجه الموت رغم ما يلبسه الموت من أقنعة
يسمع خطواته تأتي، تقترب ويده يمدها الآن
لا مسافات بين أصابعه ورقبتي”
تحوّل الخوف من الموت والحرب والاغتراب لدى الشاعر إلى هوس ورهبة ومن ثمة إلى تمرد، والذي تجلى في التمرد على الواقع الذي كان نتيجة حالة الضياع وعدم الإحساس بالأمان والتيه الذي عاشه الشاعر، فالنص الشعري يشير بوضوح إلى سعي حميد عقبي نحو عالم يجتمع فيه الفعل والحلم لا يفترقان ولكنهما لا يلتقيان في واقعه المعاش ذاك هو عالمه الرمزي، ففعله هو حلمه وكلاهما يقصد به التغيير والخروج عن ماهو سائد فيفعله ويحلم به في أن واحد.
إن الخمرة والمرأة والخوف الذي تحول إلى هوس وبعد ذلك إلى تمرد كلها علامات أو رموز دالة على معان خاصة ومعبرة عن حقائق ومعتقدات متعلقة بالشاعر، وقد دعاني الأمر إلى اختيار هذه العلامات اشتراكها في دلالاتها الرمزية على الرغبة في الخلاص ومحاولة التعويض أو التسامي التي حاول الشاعر تحقيقها دلاليا وفنيا.
لي أن أقول أن الديوان الشعري “ملاك موت بلا وطن” لحميد عقبي انبنى على منهج نفسي بالأساس لان فيه تقديما للذات واهتماما بها ورغبة في إثباتها لوجودها بالفعل في واقع يعمه الرعب والخوف وانبنى أيضا على الرمزية الشعرية التي أراد من خلالها الشاعر الابتعاد عن عالم الواقع وما فيه من مشكلات تضني النفس والجنوح إلى عالم الخيال والبحث عن عالم مثالي مجهول يسد الفراغ الروحي لذلك أطلق سمة على هذا الديوان فأقول إنه شعر يتسم باللذة والألم في آن وهو في ذلك يشترك مع شعرية الشاعر الفرنسي “شارل بودلير”.

نص المداخلة التي ألقتها الباحثة في ندوة فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات التي انتظمت للاحتفاء بالديوان وشاعره وذلك يوم 19 مارس 2023.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.