كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

السيرورة الشعرية من اللغة إلى الأسطورة


بقلم: أنور بن حسين



قبل الحديث عن السيرورة الشعرية وتحولاتها عبر الزمن لابد من الإشارة إلى أن التجربة الشعرية تجربة فردية تتشكل انطلاقا من ذات المبدع وقناعاته وقراءاته وبيئته ولكنها في علاقة جدلية مع المحيط تأخذ من تفاصيله وتعيد تركيبه في المخيلة التي تعمل عمل الآلة التي تحول المادة الخام إلى مادة جاهزة للاستهلاك.
وبما أن القصيدة في الشعر هي الكيان الذي يختزل هذا الكم الهائل من التجارب الإنسانية فإنها لا يمكن أن تكون وليدة تجربة شخصية محضة لأنها امتداد لا نهاية له لتراكمات حضارية واجتماعية وثقافية تشكل الشفرة الشعرية المارقة من سلطة الزمن وضيق المكان لتصير الكلمات امتدادا لروح الكون في الذات المبدعة الخلاقة انطلاقا من فكرة أن الكاتب كائن مهووس بالمعرفة وممحون بالتجريب، وكل يجرب إلا أن الكاتب يروج تجربته لتصبح أيقونة يختزلها بيت شعري أو سطر مارق من ألاف السطور وهكذا تتكشف رؤية الشاعر الفردية الجمعية في آن لتشكل ظاهرة أدبية لها خصائصها ومميزاتها، “فالكلام لا يصير نصا إلا داخل ثقافة معينة” (1) إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه في كل عصر وزمان أي مكانة للشعر في حياتنا؟ وكيف لهذا الفرد أن يشكل هوية نص جمعي عابر للزمن؟
إذا انطلقنا من مفهوم أن الفردانية تهدف إلى تحرير الفرد من كل المعتقدات الراسخة والقيود الاجتماعية لتؤكد القيمة المعنوية للفرد على أنه قيمة مستقلة تتحقق في روح الكون، لذلك فإن العملية الإبداعية ومنها الشعر كنموذج يعيد الاعتبار للإنسان على أنه المحرك الفعلي لكل التغيرات التي تطرأ على البشرية ولا يكون ذلك من باب الصدفة ولكنه نتيجة حتمية لسعيه الدءوب لاكتشاف ما لم يكن واختراع ما يمكن أن يحقق بدائل نوعية من أجل حياة أجمل. من ذلك تتأتى أهمية الشعر في تاريخ الشعوب، إذ يتحمل الشعر مسؤولية تجديد المعنى واختزاله في صور تتشكل من لغة متوهجة وجذابة تحرك وجدان المتلقي وتداعب ذهنه وتدعوه إلى التفكير باللغة التي لا يمكن أن يفكر خارجها.
“لقد عرف الإنسان في اليونان القديم بأنه الحيوان المالك للوغوس أي الكلام والعقل معا” (2) فاللغة واقع ينفرد به الإنسان تكمن وظيفتها الأساسية في التواصل إذ ليس هناك مصدر آخر للغة غير ذات الإنسان، ولطالما أن اللغة ملازمة للإنسان ولطبيعته لا يمكن أن يتخلى عنها للحفاظ على إنسانيته وبذلك يمكن القول أنه من الصعب التخلي عن الشعر لأنه لغة تواصلية بين الذات المبدعة والآخر أو هي علاقة بين ذوات ممتدة في الزمن ليس بالضرورة أن تربط بينها قواسم جينية.
فالشاعر إذن كائن يبني المعنى انطلاقا من الثوابت الراسخة ومن خلال تحويل الأشياء الجامدة إلى ناطقة ليحقق تغييرا في جوهر الأشياء وبالتالي فهو لا يختلف عن العملية الكيميائية في تشكيل تركيبة جديدة من الثابت وهو الذرة كأصغر وحدة مثل الوحدة الصوتية في القصيدة أو الحرف فتأتي العملية الإبداعية لتحقق السمو في اللغة. وهكذا يصير الشعر “دفقا بعديا” أو ما بعد اللغة التي تتجسد في الصورة الشعرية ، هذه الصور التي تجدد روح اللغة، تحييها وتجعلها ذاتية وكونية في آن. ووحدها الصورة تخلق البعد الجمالي الذي يشدنا إلى اللغة وبالتالي إلى الأصل وإلى الجذور الأولى فتمثل بذلك تجربة مستمرة يواجه الإنسان من خلالها ذاته والآخر والعالم الخارجي لأن المتخيل ينتج صورة للواقع أو بالعكس نجد ظلال الواقع داخل الصورة وهكذا يتحول النص الشعري إلى أرض خصبة تقبل كل المتناقضات وتحولها إلى مادة قابلة للإدراك اللفظي والحسي. وهذا الخيال الممزوج بالواقع يشكل الأسطورة بمعناها الواسع على أنها شيء يتحقق في الخيال ولكنه يترسخ عبر الزمن ليصبح قيمة ثابتة. وتداخل الأسطورة والشعر يساهم في ترسيخ جماليات التقبل لدى المتلقي ويجعلنا نقع في سحر اللحظة الحالمة والعابرة للزمن، كأن نتمثل القصيدة على أنها مسيرة حلم ينتقل بنا من إلى عوالم قصية عبر الاستعارات والمجازات واللغة المشفرة التي تحمل تساؤلات الإنسان منذ بدء البسيطة إلى اليوم الراهن.. تساؤلات الإنسان المهووس بالمعنى وبإشكاليات الفكر الحاقة والبحث عن الذات المتأرجحة بين الكمال والنقصان.

(1) مقال بعنوان “التجربة الشعرية الجديدة” – عبد الرحيم أبطي- مجلة علامات، المجلد 14 ، ديسمبر 2004
(2) كتاب مدخل إلى فلسفة اللغة – نبيهة قارة – الوسيطي للنشر 2009

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.