كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

تلوكني العتمات: شهادة في الشعر..

عواطف محجوب

ارتبط الليل عندي بالسهر والقراءة والأرق، ثم تحول إلى شريك يلاعبني داخل مساحات الكتابة سردا وشعرا. كان الليل شاهدا على ولادة الشاعرة بداخلي، ليتحول بعدها إلى راع ودافع معزز لتنهمر القصائد من داخلي. لقائل أن يقول لماذا هذا العبور من القص إلى الشعر؟ أقول أن مجموعتي الشعرية تلوكني العتمات جاءت أولا وفاء لبداياتي وأنا أتلمس طريق الإبداع. مبكرا جدا اكتشفت شعراء كبارا على غرار السياب، لوركا وطاغور الهندي، فترسخ ميلي إلى الشعر. لم أكن ميالة إلى الشعر العمودي المتقيّد ببحورالخليل، بالرغم من ذلك جاءت أولى كتاباتي الشعرية عمودية من باب التجربة وإثبات المقدرة. ثم سريعا انعطفت إلى الشعر الحر وقصيدة النثر. لكن لم أستطع مقاومة سحر القصيدة فانغمست بكلي فيها. وأمام ذوبان الحدود بين جنس القصة القصيرة وجنس قصيدة النثر، سهلت علي عملية الكتابة فاصبحت أراوح في كتابتها على حد السواء، وجعلتهما ينطلقان من نفس المعين الآسن ألا وهو الواقع أو المعيش اليومي الذي يتحكم في تفاصيل حياتنا ويروض الانسان بمتغيراته ومتناقضاته. فما لم أستطع قوله بالقص والحكي قلته بالشعر. والصور التي لم أقدر على القبض عليها بالسرد جاءتني طيعة في قصيدة النثر. لأن قصيدة النثر حولت أغراض الشعر وإيقاعه الخارجي المضبوط إلى ثورة من المواضيع الحارقة المعروضة في نشرات الأخبار ولا جفن يرف من هولها.
هذا التعدد في الكتابة لا أراه عيبا فالشعر ليس بناد يحتكره من يمتلك بطاقة شاعر فقط. الشعر حسب رأيي هي حالة خارقة من الكتابة قد لا تصلها بنفس الشكل سردا.
الكتابة إذا فعل لم يكن أبدا يتيما فهو رديف القراءة والمتابعة، لهذا توجد الكثير من المراجع الخارجية عن القصيدة كالاسطورة والأحداث الكبرى التي شغلت الناس والأخرى الصغرى التي عمقت هواجسي وقلقلي. هذه المراجع هي كشف غير مباشر لاهتماماتي وقراءاتي، وما استخدامي لها داخل القصيدة الا من أجل خلق جماليات شعرية محاطة بفضاءات متداخلة مع عناصر مختلفة أهمها لون السواد. والليل هو الخلفية السوداء الممتدة فكان هو الزمان وهو المكان وهو الوجدان وصاحب اللغة والقلم. إذا هذا الليل لم يكن مجرد جزء في دورة طبيعية مرتبطة بحركة الكرة الأرضية. بل هو تميمة حارسة كلما خفت صوت الشاعرة بداخلي استنهضته ورفعت عقيرته عاليا.
ولعل ميلي لممازجة الأجناس جعلني أقوم بتحويل قصة إلى سيناريو ثم إلى فيلم قصير، وتحويل قصة آخرى إلى قصيدة من النثر على غرار نص المهجوس الذي نشر قصة في المجموعة القصصية لاعب الظل ولاحقا نشر قصيدة في المجموعة الشعرية تلوكني العتمات فقط للضرورة الشعرية المرتبطة بالذات الشاعرة البطل تحول الى إمرأة بينما حافظ النص على كل عوالمه وصوره واسئلته، ما هي إلا عملية تطهير من هذا اليومي المتفجر ونقل وطأته من ضيق القلب إلى فسحة القصيد.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.