ميس داغر
يطيبُ لي في هذه المُفاتحة القصيرة، سرد محطات وثيمات متفرقة أراها مهمة في مشواري الأدبي، منذ بدايته قبل عشر سنوات، وإلى الآن.
كانت مجموعتي القصصية الأولى “الأسياد يحبون العسل”، الصادرة عن دار أوغاريت للنشر والتوزيع، رام الله، 2013، عبوري الأول والأجمل إلى عالم القصص. وبرغم أنّ تلك المجموعة قد لا تكون الأمهر فنياً بالنسبة إلى ما تلاها، إلاّ أنّ لها في نفسي ميزات عدة افتقدتها مع ما تلاها من أعمال، وأهمها ميزة الكتابة الحُرّة، غير المدفوعة بمبررات، غير الموجهة إلى غايات. إنها مجموعة القصص المعجونة بعفوية القلم من غير ارتهانات ولا رهانات. في “الأسياد يحبون العسل” قصصٌ قصيرة جدا، ما زالت الأقرب إلى نفسي برغم مرور عشر سنوات على صدور تلك المجموعة. بل وما زلت أنظر إلى تلك القصص على أنّ فيها إرهاصات أسلوبي الخاص في كتابة القصص. هذا الأسلوب الذي أظنه تجلى بشكلٍ أوضح في مجموعتي الثانية “معطفُ السيدة”، الصادرة مشاركة بين الدار الأهلية في عمّان ومؤسسة عبد المحسن القطان في رام الله، وهي المؤسسة التي منحتني بناءً على تلك المجموعة جائزة الكاتب الشاب لعام خمسة عشر وألفين.
أعترف أنني قد أكون حمّلتُ “معطفَ السيدة” أكثر مما تحتمله مجموعة قصصية، من حيث الكمّ وتعدد الأفكار، وما هذا إلا لأنني صببتُ فيها كل ما أريد قوله، وكأنني لن أكتب بعدها.
ثم جاءت مجموعتي الثالثة “ما جرى في الدومينيكان” الصادرة عن “العائدون للنشر” في عمّان. وهي المجموعة التي عرض الأستاذ عبد الجليل حمودي مداخلته عنها الليلة. والتي يسعدني أن يكون قد استشف منها بعينه الناقدة ما استشفّ. هذا الذي استشفّه الأستاذ عبد الجليل أتفق مع بعضه، وأكتشف من بعضه الآخر ما لم أُدركه أثناء الكتابة.
في العادة، عندما أحب عرض مقولتي الخاصة، في سياق الأدب، فإنني أفضل عرضها من خلال قصة قصيرة. تمثّل كتابة القصة بالنسبة لي لعبة شيّقة، لكنها لُعبة أجدني مضطرة لأن ألعبها لحاجة معنوية لا تنفصلُ عن حاجتي للحياة، للوجود، ولإثبات الذات.
في هذا الصدد، دعوني أجيب على تساؤل يدور في ذهن الكثير من القراء، بل وفي أذهان الكثير منّا نحن الكتّاب، هو سؤال: لماذا يختار الكاتب القصة أو الرواية أو الشعر شكلاً لتعبيره الأدبي؟
من الصعب على الكاتب في أحيان كثيرة أن يفسر لماذا اختار القصة، أو الشعر مثلا، كشكل لتعبيره الأدبي. أسهل الأجوبة على هذا السؤال هو القول بأنّ الفكرة المختارة هي التي تفرضُ قالب حضورها الأدبي. مع هذا، في ظني أنّ الأمر يتعلق بأكثر من الفكرة، خصوصاً عند تكرار الشكل التعبيري لدى الكاتب إلى أن يُعرّف به… فيُقال القاصّة الفلانية، أو الروائية الفلانية أو الشاعر الفلاني… وهكذا.
هذا الأمر الذي أتحدث عنه، كتفسير لاختيار الشكل الأدبي، يتعلق بما يعتقد الكاتب أنه أجاد رؤيتَه من العالَم. فالفكرة قد تكون نفسَها في قصة أو قصيدة أو رواية، لكنّ مبدعاً ما ينقل رؤيته الخاصة لتلك الفكرة، فيجد أنّ لرؤيته تعريفاً أدبياً هو القصة… في حين أنّ مبدعاً آخر ينقل رؤيته الخاصة المختلفة للفكرة، فتنتج القصيدة.
بالنسبة لآلية كتابتي للقصة، فأنا في الغالب لا أعتمدُ أية آلية سوى تهيئة ظرفي النفسي -أي استجلاب الهدوء والعزلة الممكنين- لاستقبال الفكرة الخام وخطوطها العريضة، والتي تعبر خاطري بعفويةٍ غير مُتقصّدة. بالطبع، هذه الحالة الغالبة وليست الدائمة، فبعض القصص قد تباغتني إشاراتُها الأولى في خضمّ جَلَبةٍ ما، بل وقد أتعمد حثّ بعض الافتتاحيات القصصية في مواضيع أختارها لغاية ما. لكن هذه ليست الحالة المثلى لديّ في الكتابة. أحبُ أن تكون الكتابة في ملعب المتعة والتسرية الحرة، لا في ملعب الواجب والقصدية.
من أحب الأسرار إلى قلبي -والتي لم تعد أسراراً بعد الآن- فيما يتعلق بكتابتي للقصص الساخرة، التي يعترف لي القراء بأنها أضحكتهم بصوتٍ عالٍ، هو أنني أضحك كثيراً أنا أيضاً أثناء كتابتها، إذ أنها تتنزّل في خاطري، مشاهدَ وجملاً، كأنما هي إيحاء مُفاجىء ومنفصل، فأجد نفسي أرقبها من خارجها، لا من عمقها، كما يحدث في العادة مع الكاتب. هذا الأمر يجعل علاقتي مع هذه النصوص مبنية على الدهشة والاستجابة لحسّ الكوميديا أو السخرية التي فيها منذ اللحظة الأولى لبزوغها، بل وفي كل مرة تالية أعيد قراءتها.
أضف تعليق