كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

تسريد القدر: من قلادة ماتيلد للفرنسي غي دي موباسان إلى عِقد خضرا لليمنية حورية الإرياني..

فتحي الرحماني



يحضر العِقد أو القلادة في نصّين قصصيّين هما منطلق هذه المقالة، والعِقد هو من الأشياء التي اكتسبت في القصتين أبعادا رمزية ودلالات اجتماعية ووجودية، فالعِقد هو كالطوق حول الرقبة ظاهره الزينة وقد يخنق الشخصية ويحكم مصيرها.
يخرج العقد عن كونه مجرّد شيء في القصتين ليكون شخصية من شخصياتها يساهم في صنع الأحداث وقد يوجهها ويكون امتدادا لشخصيات أخرى وبعدا من أبعادها ويتحوّل إلى بؤرة فيها تتكثّف المواقف والأطاريح.
قلادة ماتيلد في قصة الفرنسي غي دي موباسان عنوان عذابها وسبب شقائها ومأساتها، قلادة صنعت قدرها وحكمت عليها بالعذاب قبل ارتدائها وبعده، فهي شخصية تنتمي إلى طبقة متوسطة ولكنها ترى نفسها دائما في طبقة أرستقراطية أعلى، لذلك عندما تتمّ دعوتها إلى حضور حفلة من حفلات تلك الطبقة العليا تشعر بحرج لأنه ليس لها الثوب اللائق ولا المجوهرات المناسبة فيتدبّر زوجها الموظف الحكومي البسيط أمر اللباس فيدفع مدخراته في شراء فستان لائق، بينما تستعير هي قلادة ماسية من صديقتها الأرستقراطية فيكون حضورها في الحفلة حضورا باذخا و تُثير إعجاب الجميع غير أنّ الأقدار تجعلها تُضيع تلك القلادة وتحكم عليها بشقاء أبدي فقد منعها كبرياؤها المزعوم من مصارحة صديقتها بضياع القلادة وبدل ذلك اقتنت قلادة جديدة باهظة الثمن على أقساط استغرقت سنوات في سداد أقساطها ودفعت ثمن ذلك حياتها وممتلكاتها لتكتشف في النهاية أن القلادة كانت مزيفة زيف حياتها ولم تكن كما توهّمت من المجوهرات الخالصة .
يستغل غي دي موباسان فكرة الحتمية الاجتماعية التي كانت رائجة في القرن التاسع عشر زمن تأليف القصة، وهي فكرة ملخصها أن الظروف الاجتماعية والبيئة تتحكمان في المصير، إنّه نوع من القدر الاجتماعي الذي يوجّه السلوك ويحدّد حياتنا.
بينما في رواية “خضرا” لحورية الأرياني فيحضر العِقد أيضا، وهو عقد أخضر يصطبغ بلون صاحبته ” خضرا” ذات العينين الخضراوين الجميلتين، ولكنّه لا يُلوّن عينيها فقط ولكن جزءا من حياتها ومصيرها أيضا، هذا ما تنطق به الرواية في ص 11 مركزة على هذا التماهي بين العينين والعقد ” فتُريني حَليها وكذلك عقدها الأخضر الذي كانت تلبسه أمام مرآتها، ثمّ تمتدّ على فراشها، وتضع رأسها على الوسادة المرتفعة لتجعلني أجلس على صدرها وتقرّبني لوجهها ثمّ تسأل: أيّهما أكثر خُضرة عيناها أم العِقد؟”
وما يؤكّد هذا التماهي أنّ اختفاء العقد يعني تحوّل عيني خضرا إلى ” عينين مخيفتين” في مشهد الاعتداء على خضرا، ثمّ سيُعاود هذا العقد الظهور في الرواية في أكثر من مناسبة إذ ستجده البطلة ” نور” في متاع ” خالد” لتعلّق قائلة في ص 35 ” عقد يعرفني وأعرفه، عقد أخضر بلون عيون خضرا، خُضرة عيني خضرا على ذلك العقد مازالت موجودة..” ومن ثمّة يساهم هذا العقد في تعقيد الحبكة ونتوهّم لوهلة تورّط خالد في الاعتداء على خضرا وسرقة عقدها لنكتشف لاحقا أنّ خضرا هي التي فرّطت في عقدها وكأنّها تريد أن تتحرّر من ذلك الطوق فهي قد عاشت حياتها كما تريد متحدّية أقدارها وهي التي تقول لنور في ص 64 من الرواية ” نحن في الدنيا لسنا مجبرين، بل كلّ منّا في يديه الاختيار” ، وتذهب في تأكيد موقفها في ص 98 ” مهما كانت ظروف حياتنا نستطيع تغييرها”، وهو الدرس الذي ستتعلّمه ” نور ” من خضرا فقد تعهّدت أن تعيش بقية عمرها بإرادتها حرّة لا قيد يمنعها مهما كان صلبا من الوصول إلى أحلامها ، لتنطلق مُشهرة إرادتها في وجه العالم كما ردّدت في ص 107.
خلاصة هذه المقارنة السريعة أنّ القصتين توظّفان العقد أو القلادة وتجعلان منهما عنوانا لمعالجة قضية الإنسان في علاقته بقدره وفي مواجهة الحتميات الوجودية والاجتماعية، غير أنّ الفرق بين امرأة غي دي موباسان ونساء حورية الإرياني هو في وقوع الأولى ضحية أقدارها في مقابل التحرّر من القيود وإرادة الحياة بالنسبة إلى خضرا ونور في رواية “خضرا”.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.