أسماء المصفار
بعد قراءتي لرواية “أناركي” للكاتب التونسي عبد الرزاق بن علي، لي أن أقول إنّ الرواية من جنس الرواية القصيرة (نوفيللا) وقد كتبت بلغة عربية فصيحة تتخللها بعض الكلمات الواردة بالعامية التونسية وبعضها الآخر قد وظف باللغة الفرنسية، ولعل ذلك ما يجعل الرواية تتسم بجانب من الفصاحة وجمالية رسوخها ونسجها، وأيضا ببساطة تلقّي العامية فيها واعتيادية تداولها، فهي تمتزج بواقعية مع اللغة الفصيحة الأمر الذي يحقق التشويق الذي فيه يتأثر القارئ بعالم الرواية الافتراضي.
انبنت الرواية على خمسة فصول حرص فيها الكاتب على أن يُرفَق كل فصل بمقومات القص التي تساهم بدورها في تأطير الأحداث من زمان ومكان وشخصيات وأحداث وكذلك ترافقها أنماط الخطاب التي تتمثل في السرد الناقل للأحداث والوصف المبرز للأحوال والحوار الكاشف عن الأقوال. تدور أحداث رواية أناركي حول “صابر” الشخصية البطلة في البرنامج السردي يتتبّعها الراوي عبر مراحلها الحياتية المتنامية وينقل لنا تفاصيلها في علاقتها بتجاربها الخاصة في الدراسة ، الحب ، الفراق ، السفر، العمل، الزواج. وفي رصد مراحلها العمرية كالطفولة، المراهقة، الرشد. وفي علاقتها بذاتها، بالعائلة ، بالمرأة، بالأصدقاء. فقد ضمّن عبد الرزاق بن علي في برنامجه السردي أحوال الشخصية البطلة صابر في علاقتها بذاتها التي تعيش توترات وصراعات داخلية مع محيطها الداخلي والخارجي ووفق ما تقيمه من علاقات وما تحمله من قناعات ووجهات نظر تسيطر على فكرها. مثلا في ما يتعلق بمسألة الاتصال الجسدي بين الرجل و المرأة خارج إطار الزواج وممارسة الحب في الأماكن العامة كالعناق وتبادل القبل كان للشخصية البطلة موقفا من هذا الشيء الذي اعتبرته أمرًا مخجلا وغير أخلاقي عندما شاهدت طالبا رفقة صديقته في مدرجا من مدرجات الكلية متلاصقين ببعضهما و ذلك كان كافيا للكشف عن وجهة نظرها التي تعبر عن مدى التزامها و اتسامها بنمط تقليدي محافظ لكن ذلك يجعلنا أمام حيرة في تحديد ما إذا كان هذا الموقف متعلقا بالشخصية البطلة في الرواية أو بمؤلفها الخارجي.
إنّ قارئ رواية أناركي لعبد الرزاق بن علي له أن يجد خصائص فنية متلاحمة متزاحمة توجب إعادة النظر في المسألة الأجناسية للنص إذ إنّ بعضها ما يوحي بانتمائها إلى جنس السيرة الذاتية. فخطابيا رأيت أنّ السرد قد ارتكز على حياة الشخصية الفاعل الذات صابر دون غيرها من الشخصيات الأخرى التي كان منها من هو مساعدا له ومن هو معيقا وذلك في ما يتعلق بتحقيق رغباتها إلا أنّ العوامل المعيقة هي التي كان لها الأثر الأكبر في حياة صابر وهي التي جعلته يعيش حالة من الفوضى النفسية الدائمة لأنه لم يظفر بما يرغب به وهو الزواج من الفتاة أسماء التي وقع في حبها منذ البداية.
اعتمد الراوي تقنية الاسترجاع في ما يصوره من أحداث، وقد بدا عليما بكل شيء خاصة بكل ما واجهته الشخصية البطلة منذ طفولتها حتى يكاد القارئ يشك أن ذلك الراوي قد يبدو شخصية فاعلة مشاركة في الأحداث وهي التي تحدثنا عن نفسها. ويقول فيليب لوجون في هذا السياق: “إنّ السيرة الذاتية عبارة عن محكي استرجاعي نثري يحكيه شخص واقعي عن وجوده الخاص عندما يركّز على حياته الفردية خصوصا على تاريخ شخصيته” . و لعلّ هذه المسلّمة تجعلنا نمعن النظر وندرك مدى إمكانية تطابقها مع ما قام به الكاتب في روايته أناركي فقد جعل نصه ينبع من الذات الفردية في تفاعلها الجدلي مع الواقع المحيط صراعا أو تعايشا ونحن لا ننكر أن رواية أناركي قام صاحبها بذكر بعض المعلومات المهمة عن حياة شخصية البطل وذلك بأسلوب قصصي أدبي محكم. فرواية السيرة الذاتية يقوم الراوي فيها برصد أحداث حياته من خلال أسلوبية خاصة (ولا يُشترط في هذه الحالة أن يعتمد ضمير المتكلم المفرد أنا، بل قد يلجأ لاستخدام ضمائر أخرى لتخفيف حدة ضمير المتكلم وتجنب شعور القارئ بالانحياز مثلما قام به عبد الرزاق بن علي). وإنّي أرى إنّ الرواية حتى في شكلها التقليدي وبعيدا عن رواية السيرة الذاتية المجزأة التي يوزعها الروائي على عدد من أعماله السردية و يقصد المؤلف من خلال توزيع خبراته الشخصية بهذا الشكل أن يتخلص من عبء الإلحاح الذاتي لنقل خبراته و مشاعره على الورق للقرّاء و في ذات الوقت كي لا يقع في حرج اجتماعي إذا باح بكل ما يتعلق بشخصه دفعة واحدة وفي عمل أدبي واحد كما سبق وأن قلنا . أما على مستوى بناء النص وتشكله فقد بدت الفصول خاضعة لنظام اللقطات التي انبنت على تتالي الأحداث وتطور نسقها، فالرواية نسجت باللغة ومن خلال اللغة صورا تكاد تكون مجسدة على الركح و تكاد تكون حاضرة ممثَّلة في ذهن القارئ كما تمثَّلها في خياله لذلك يمكن القول إنّ الراوي قد جعل نصّه خاضعا لأن يتحول من صيغته المكتوبة إلى صيغته البصرية وذلك من خلال نقل المتلقي إلى مجال التخيل الذي يتأسس على واقعية فيلمية تقترح شخوصا و أمكنة وحياة فيلمية ملموسة مجسدة في الواقع.
لذلك أرى أنّ الكاتب عبد الرزاق بن علي قد تمكن من تشريك المتلقي في عملية تخيل الأحداث وجعلها مجسدة في ذهنه عبر اعتماد تقنيتيْ “التخيل” و “التمثل”، فيصبح القارئ على هذا المنحى مجتهدا وعنصرا فاعلا لا يكتفي فقط بالقراءة وإنما يخرج بالنص السردي من العالم الروائي الافتراضي إلى العالم الفعلي الحقيقي الكائن وذلك عبر قدرته على التحويل والتخيل وهذا لا يتحقق إلا بالاجتهاد. لذلك أختم فأقول أنّ الكاتب نجح في جعل قارئه قارئا نموذجيا قادرا على فهم النص بطريقته الخاصة ومتمكنا من فكّ شفراته وألغازه بدءًا من العنوان الذي يعتبر العتبة الأولى التي تعترض القارئ والتي من خلالها يُخوَّل له التّنبّؤ بخبايا النص.
أضف تعليق