أسماء المصفار *
لم يكن من اليسير عليَّ اختيار هذا الموضوع، فبعد الاطلاع على بعض المعارف والنصوص استقر مني الرأي على الموضوع المذكور والنص السردي المختار للتطبيق “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم.
وأحسب أن سيميائيّة الأهواء Sémiotique des passions موضوع ما زال جديدا في الدراسات العربية ينفتح على ممكنات كثيرة تغني السرد العربي. وأما نص “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم فخطاب سردي مهم جدا لم تتناوله البحوث من زاوية سيميائيّة الأهواء في حدود اطّلاعي.
ومن المعلوم أنّ الباحث الكبير قريماس هو أوّل من التفت إلى الأهواء لدراستها دراسة علمية يؤازره في ذلك جاك فونتاني. وقد انبرى قريماس لمحاولة شكلنة الأهواء Formalisation des passions وجعلها قابلة للإمساك والتبويب والتنظيم والدراسة انتقالا من العمق الداخلي إلى تجليه في علامات لسانية هي اللغة. ولا تهمل سيميائيّة الأهواء مكتسبات المناهج السردية قبلها مثل البنيوية أو الإنشائية إذ هي تعتمد الدال Le signifié والمدلول Le signifiant في سياق جديد بغية الوصول إلى المعنى. وقد رفدت سيميائيّة الأهواء المتولدة من السيميائية العامة بالبنيوية والتلفظية وعلم النفس. وجعلت النص والمناهج في تفاعل وحوار تجنبا لفرض المناهج على النص.
وقد توزعت الدراسة على مراحل نحسب أنها كفيلة بتحقيق الهدف منها وهي:
مدخل نظري، تحديدات وإشكالات: وهو ينهض على محاولة ضبط المفردات المكونة للموضوع وربط ذلك بعبارة الإشكالات لأن البحث العلمي لا يمكنه أن يفضّ كل المشكلات النظرية، وقصارى أمره أن يضبط ما يمكن حدّه بوضوح. وقد سعيت في هذه الدراسة إلى الفحص عن سيميائية الأهواء في “عصفور من الشرق” لإدراك خصائصها. وبدا لي من المفيد إتباع خطة تضمن الهدف من الدراسة. فلأجل ذلك ابتدأ البحث بمدخل نظري يطمح إلى الإمساك بالمصطلحين الرئيسين للموضوع، وهما السيميائية والأهواء. وأتبعت المدخل النظري بثلاثة فصول هي: أولها هوى العشق وثانيها هوى الدين وثالثها هوى السياسة. لقد اقتضت الدراسة لتحقيق أهدافها تمشيا علميا يقوم على مراحل مترابطة متطورة. فأما الجوانب المعرفية فتحيل على منهج الدراسة وزادها العلمي وأما الثانية أي الأهواء فهي القضية المبحوث فيها وفق مصطلح “قريماس” والمعنى الذي يهبه لكلمة هواء أي الميل مهما كان نوعه وموضوعه ومجاله.
ودفعني الحذر العلمي وتجنب الغرور والادّعاء بضبط كل شيء على نحو يقينيّ إلى إضافة لفظة “إشكالات” إلى المدخل النظري قاصدة بذلك أن الجهد المبذول للتحديد يظل دائما يواجه مصاعب ولا يكون يقينيا تاما. ففي هذا النطاق اتّجهت إلى ضبط مصطلح السيميائية عند العرب وفحصت عنه على درجتي اللغة والمتصور. وكان لفلاسفة الإسلام رأي في السيميائي ولابن حزم الفقيه والأديب باع في دراسة علامات العشق التي تتجلى على العاشق أو العاشقة. نلاحظ ذلك في كتابه الشهير “طوق الحمامة في الألفة والألاف” والسيميائية عند العرب المحدثين مثل سعيد بنكراد بحث في معنى المعنى، وهي تهتم بكل حقول الفعل الإنساني وصولا إلى الإيديولوجيا.
والسيميائية عند الغرب ذات اتجاهات متنوعة منها مقولات دي سوسير وبيرس. وقد ركزنا على سيميائية قريماس وفونتاني اللّذين درسا الأهواء دراسة سيميائية علميّة. وقد اعتنى قريماس خاصة بالمشاعر والميول وسعى إلى شكلنتها وترتيبها وفق تركيب خاص يساعد على دراستها وإضافته مهمة. فإلحاق العواطف بالدرس العلمي كشف عن جوانب خفية من التجربة الباطنية للشخصية في السرد وإن كانت هذه التجربة الداخلية تتصل بالعالم الخارجي الذي تنجز فيه الأعمال.
وإثر ذلك توجهت قبل مصطلح الأهواء في الثقافة العربية وفي الإسلام مركّزة على مستويي اللغة والمتصور. وفي النسق الثقافي العربي موقف واضح يدين الهوى ويمجد العقل. ومن أوائل الأدباء الذين نافحوا عن العقل ابن المقفع وقد تابعه الجاحظ على ذلك الذي وزّع الأهواء على قسمي المحمودة والرديئة. فالأولى مثل الصدق والثانية مثل الكذب. وانفتاح الباب بعد ذلك على معرفة رأي الفلاسفة الإسلاميين في الأهواء. فهوى الشهوة عند الفارابي يعوق اكتمال النفس الإنسانية لذلك لا بدّ من قمعها.
أما الإسلام عقيدة ونمط حياة فقد نهى عن اتباع الهوى الذي يحدث الضرر وما لا يرضي الله. ولم يمنع هوى الخير مثل المودة والرحمة. وكانت آراء الرسول (ص) مطابقة لتعاليم القرآن ولم يخرج الفقهاء عن القرآن. وقد ألّف ابن الجوزي كتابا سماه ذم الهوى. وإن لم يمنع الهوى الذي تقتضيه الضرورة والمنفعة مثل الزواج. ولما بدا لي أن أمر التحديدات المعرفية النظرية قد استقام، تجاوزت إلى الإدراك المقصدي الأسّي من المدخل أعني دراسة الأهواء في النص المختار للدراسة وهو “عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم في ضوء سيميائية الأهواء التي صاغها قريماس وفونتاني. والأهواء المستنبطة من النص ثلاثة، أولها، هوى العشق وثانيها هوى الدين وثالثها هوى السياسة.
ففي الفصل الأول عمدت إلى إظهار هوى العشق تكوينا سرديا بضبط محله من النص السردي المختار. وإثر ذلك فحصت عن هوى العشق باعتباره جزءا من الأهواء عامة في الثقافة العربية وفي الإسلام، وهذه محاولة مني للإضافة لأن “قريماس” لم يعتمد هذا الوجه. واثر ذلك فحصت عن هوى العشق باعتباره جزءا من الأهواء عامة في الثقافة العربية وفي الإسلام لأبيّن طبيعة العلاقة بين العشق في الثقافة المحتوية للفرد وفي تجربة مخصوصة هي عشق الفتى محسن للفتاة الفرنسية سوزي فتبين أن العشق ممدوح طورا ومذموم آنا بحسب المرجع والرؤية.
وعمدت بعد هذا التمهيد إلى لبّ النص في ذاته بالتركيز على البنية السطحية والبنية العميقة بالسير من العميقة إلى الظاهرة أي من الانفعال إلى اللغة. وقد تبينت أن علاقة العامل الذات محسن وموضوع الرغبة سوزي تقوم على الرغبة. ولتحقيق الذات العاملة لرغبتها اتبعت برنامج سرديا يتكون من عدة مراحل تتصل على نحو مّا بمقولة الوظائف عند بروب. فالعامل عند قريماس هو الشخصية التي تعمل من أجل تحقيق رغبتها، وذلك السعي للموضوع تظهر معه عوامل مساعدة وأخرى مضادة. فالمشروع السيميائي الحكائي نشأ في النص من حب العامل الذات (الشخصية) محسن للفتاة الفرنسية.
وأدت كفايته الاستهوائية إلى محاولة تطويع موضوع رغبته، ومحسن طوّعه جمال الفتاة وهو يحاول على نحو ملتبس تطويعها.
بيد أن أسبابا غامضة لم يوضحها النص جعلت موضوع الرغبة تستجيب للعامل الذات محسن جسديا في تجربة غامضة لم يبين النص ما حدث فيها على وجه الدقة لكنها كشفت عن حالة الخصاء بالمعنى النفساني التي يعاني منها العامل الذات محسن. وقد تطورت الحركة السردية إلى إهمال موضوع الرغبة للراغب فيها لأنها مطوَّعة من قبل عشيقها الفرنسي وتجلت علامات الانهيار على العامل الذات محسن وهي في علم النفس تلخَّص في عبارة الكآبة وعلاماتها متعددة. عزلة وحزن وشرود ذهن وضيق وضجر ويأس. ولذلك لابد للعامل لينجو من التدمير الكامل من التعويض أو محاولة التعويض بالتسامي La sublimation والروحانيات.
واتجهت الدراسة إلى الفصل الثاني الموسوم “هوى الدين” للنظر فيه من زاوية سيميائية الأهواء وذلك للإمساك بأهم خصائصه، وهو فصل ينبني عليّا على الأول باعتباره القسم الذي إليه اتجه العامل الذات محسن لمحاولة مداواة جروحه التي أصابه بها العشق الخائب. فسرت على الجديلة عينها منهجيا بوضع هوى الدين في محله من النص السردي، وحده في لغة العرب تهيئه لتجلية هوى الدين في النص المختار للدراسة. الذي اهتم بهوى الدين اهتماما بينا من جهة أنه إحساس أو مقولة مجردة، ومن جهة أنه ممارسة يعيشها المتدين. ففي الإسلام مثلا كتاب القرآن مركّز على حياة الإنسان الروحية والمادية اليومية. ولمّا بلغت محور هوى السيدة زينب انتقلت من الدين مهادا ثقافيا عاما إلى الدين تجربة فردية ذاتية خاصة. فالذات محسن المنفعلة بهوى السيدة زينب تتحرك بين العمل والهوى لحاجة النفس هنا إلى العمل لتصل الذات المنفعلة بالسيدة زينب إلى مقامها وذلك شرط نشوء المشروع السردي الاستهوائي الدلالي.
وهذا يبين أن الذات العاملة ليست جامدة وإنما هي متحولة بما تعمله وبانفعالها. وأشير إلى أن الذات تُنجِز، وما تُنجِزه هو خطاطة حكائية فيها التحام بين الذات العاملة وذات الحالة أي المنفعلة بالرغبة. لقد سعى محسن إلى التسامي وقد رآه كامنا في ما هو ثابت غير متحوّل. فالتبدل كامن في ما حصل له. ولمّا كان كل انفعال وعمل مصاحب له أو سابق أو لاحق يتجليان سرديا في الكلام احتجت إلى تعرّف ملفوظات الدين أو هوى الدين في نفس الذات العاملة محسن لأن سيميائية الأهواء تهدف إلى الوصول إلى المعنى من خلال المسيرة التي رأيناها. والعلاقة بين الباطن أو المعنى والظاهر أو الدوالّ فكلاهما يدلّ على الآخر ويُوجِده ويُكَيِّفُه. واللغة بالإضافة إلى ما ذُكر يمكن أن تطوِّع المتلقي ليعتقد في ما اعتقده محسن أو الراوي الأول في النص أي أن ينفر من النفاق والبهرج والمادة ويميل إلى نقاء الروح والبساطة. وقد أعانت أنواع الملفوظات المتكلمة من جمل سردية دالة على العمل وأدوات حصر واستفهام التوبيخ والجملة الإسميّة على تطويع المتلقي.
واتجهت الدراسة في الفصل الثالث قِبل هوى السياسة لتفحص عنه في ضوء سيميائية الأهواء. ومن البيّن أنّ الفصل الثالث موضوعه تجربة ذاتية تتصل بالمجتمع والحياة وهو ينشدّ إلى الفصلين الأول والثاني بعنصر الذاتية. ولم يغيّر البحث مساره قياسا على ما سبق متبنيّا بذلك الروابط بين مراحله. وتبين من ذلك أنّ السياسة تتفرع على عدّة معان منها رئاسة الناس وتسيير أعمالهم، وتتضمن الثقافة العربية معانيَ سياسية متعدّدة منها الإمامة أو الخلافة. وكان الاهتمام بالمتصوَّرات المعرفية مهادا ينفتح على الإجراء أي هوى السياسة في النص وفي المشروع السيميائي السردي “عصفور من الشرق”. وقد هيأت خيبة محسن العاطفية (التي ولّدت هوى الدين) لهوى السياسة على نحو مّا. لذلك التجأت الذات العاملة محسن إلى صديقها الروسي إيفان لنسيان آلامها وكان الزمان والمكان مُساعدَين لها. وهذه الحركة أي الأعمال التي قام بها محسن حتى وصل إلى صديقه الروسي ستنشئ برنامجا حكائيا، من طبيعة أخرى هو الكلام على السياسة الذي هو في جوهره هوى السياسة، فالكلام عليها رَاجِعٌ إلى الرغبة في إبداء الرأي فيها. وقد توفرت عند كليهما عوامل للكلام على السياسة بدرجات متفاوتة. والاستهواء المتعلق بالسياسة ورد على لسان إيفان العامل الروسي المهاجر الرافض للمادية الماركسية في روسيا. ورؤية الذات الانفعاليّة أيضا تعتقد في أنّ الحلم هو هوية الإنسان الحقيقية والذاتان إيفان ومحسن يهتمان بالجوانب النظرية بالسياسة أكثر من الممارسة. فالرأسمالية عند الذات الاستهوائية إيفان شر محض دمرت براءة الإنسان وخربت ثقافته وأدبه وقسّمت البشر إلى سادة وعبيد، خلله الأكبر يكمن في أنها مادية لا إيمان فيها. لقد قدّم إيفان دعما لبرنامجه الانفعالي (وهو أعمال كلامية) حججا متنوعة ليطوِّع سامعه الذات الانفعالية محسن، فهو يبيّن فساد الرأسماليّة. ولمّا كان الاستهواء برنامجا انفعاليا سرديا احتاج إلى اللغة لتعبر عنه وقد لجأت الذات الانفعالية إيفان إلى أساليب مختلفة وانساب من كلامه سلك يريد تطويع محسن داخل النص وقد طُوّعَ في معظم الأحيان. وانبثق من النص خطاب إلى المتلقي خارج النص ليتبنّى وجهة نظر إيفان عن فساد الرأسمالية والماركسية وتبنّي منطق الإيمان والمثالية.
لقد سعت الدراسة إلى تحقيق هدفها في فصول ثلاثة مستعينة بمعارف نظرية متعددة أهمها سيميائية الأهواء “لقريماس” والتزمت بتمش واحد متناسق، وأني أدرك أن جدة البحث ومنهجه التركيبي ضربان من المغامرة البحثية أقدمت عليها بحذر علمي، وأحسب أن الدراسة حققت نتائج كثيرة مما أرادت الوصول إليه لكنها لا تزعم قول كل ما يجب قوله فقد ظلت جوانب تحتاج إلى مزيد دراسة وتقصّ. والبحث العلمي هو محاولة وسعي ومغامرة يظل منفتحا خاصة في الإنسانيات والأدب.
* أسماء المصفار: ناقدة وباحثة أكاديمية من تونس. متحصلة على شهادة الماجستير في الأدب الحديث من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة صفاقس.
أضف تعليق