كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أمسية أدبية في تطاوين على هامش المعرض الوطني للكتاب التونسي..

عواطف محجوب






بمناسبة انعقاد الدورة الرابعة من المعرض الوطني للكتاب التونسي من 4 إلى 18فيفري 2023، وضمن البرنامج المخصص للجهات نظمت المكتبة الجهوية بتطاوية أمسية أدبية توزع برنامجها بين تقديم الكتب وقراءة الشعر. إذ قام الأستاذ أحمد بن زايد بتقديم المجموعة القصصية لاعب الظل بمداخلة عنوانها “الظلال البائنات في لاعب الظل”. ثم قمت بتقديم الموهبة الشابة آمنة عون العكروت وكتابها يحبهم ويحبونه ليردف التقديم بشهادتين من عواطف محجوب وآمنة عون العكروت وحديث حول تجربة الكتابة والنشر إضافة إلى نقاش ساهم فيه الحضور المواكب للأمسية مع مراوحات شعرية أمنها كل من الشعراء نوفل اليعقوبي، منير هلال وعواطف محجوب. ولقد قام السيد علي بودربالة بإدارة الحوار وتنشيط الأمسية بعدما ألقت آمينة المكتبة كلمة ترحيبية وقدمت الأمسية في إطارها ضمن فعاليات المعرض.
وفي ما يلي نبذة صغيرة عن الكاتبة آمنة عون العكروت وقراءة سريعة في كتابها يحبهم ويحبونه.
آمنة عون العكروت هي جامعية خريجة اختصاص لغة عربية، متحصلة على جائزة مصيف الكتاب في دورته الأخيرة . أصدرت باكورة أعمالها الإبداعية في 2022 عن دار الثقافية، كتاب موسوم ب “يحبهم ويحبونه” وهو موضوع احتفائنا اليوم.
يحتوي الكتاب على على 44 نصا كتبت لها مقدمة، وأردفتها في الأخير بخاتمة، لكأن الكتاب رسائل مقسمة ومتنوعة كتبتها الكاتبة لنفسها ووجهتها للقارئ في نفس الوقت، تلخص فيها رحلتها مع الحياة وتشرح تأملاتها مع نفسها وتشارك لحظاتها مع الآخرين على حد تعبيرها.
عنوان الكتاب “يحبهم ويحبونه” ورد متناصا مع آية قرآنية حيث اقتبسته من من الآية 54 من سورة المائدة. يقول تعالى: “يا أيها الذين آمنوا من يرتَدّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم”.
يدل العنوان على وجود علاقة متبادلة بين طرفين، حب راسخ لا يتحول، تجلى ذلك من عتبة الاهداء، حيث أهدت الكاتبة كتابها إلى” كل الذين سكنوا القلب فمنحوه سرّ السعادة الأبدي… الخ. فمن يسكن القلب نحبه حبا عميما، وبالحب ألقت سلاما طويلا غاية في الشاعرية والجمال ويمد الجسور لمبادلة الحب بالحب، تقول” السلام على الضياء الذي أضاء قلبك وعلى النور الذي سكن روحك… الخ. أليس الحب نور القلب وبلسم الروح. هذا العنوان الجامع لمحتوى الكتاب، نجد تحته عنوانا فرعيا ورد مفردة في المطلق ” نصوص” هو دلالة على عدم التجنيس، بالرغم من أن الكاتبة ذكرت في مقدمتها أن هذه النصوص هي “مجموع خواطر”. ويعود تفسير ذلك إلى وجود ملامح أجناس أدبية مختلفة داخل النصوص كالشعر والقص والمقالة. فالكاتبة تستنبط فكرة نصها الإبداعي من خلال موقف بسيط أو مقولة أو حكمة أو أمثولة أو مثال شعبي او حكاية شعبية. فتكتبه بما تمليه رؤيتها وخواطرها وتربطه بمصدر خارجي آخر كآية قرآنية أو حديث نبوي، لتخرج لنا في الأخير عِبَرٌ ودروس مستقاة. فيختلط بالتالي الأسلوب الأدبي الإبداعي بمنظومة من القيم الاسلامية والانسانية. ولضمان التشويق وشد القارئ اقتحمت الكاتبة مجالات متنوعة واستحضرتها في نصوصها كروافد معرفية طوعتها لجماليات ابداعية على غرار الأدب والدين والفكر والفلسفة والتاريخ… الخ. وطرحت بالتالي مواضيع وقضايا كثير نذكرأمثلة منها : بناء الذات والتنمية الذاتية، تقدير المرأة، العلاقات الأسرية، قوة اتخاذ القرار، سيرورة العالم، سطوة التكنولوجيا، حسن ادارة الوقت، علاقة العبد بربه… الخ.
ولقد اعتمدت الكاتبة على لغة بسيطة لكنها منمقة في نفس الوقت، تلج القلوب والضمير. تخاطب الروح والعقل. حيث اتسم السرد بالشعرية ، والخطاب الموجه تزين بالشاعرية. فكانت النصوص عبارة عن حوارية تعددت الأطراف فيها وأسست لعلاقة تأثير وتأثر بين الكاتبة والمتلقي/القارئ عبر تكرار جمل تحولت إلى لازمة رسخت الشعور ونقلت القيمة وبثت العبرة حيث أوصلتها إلى صميم المتقبل. على سبيل المثال تقول في ص 39 “يوما ما ستذهب إليه وحدك/ يوما ما ستقف بين يديه/ يوما ما ستترك كل شيء وترحل” وفي ص 85 “حلق خارج السرب متى وجدت أن أحلامك وآراءك تحتق وتهان/حلق خارج السرب متى تيقنت أن هذا السرب يلغي شخصيتك ويحاول طمس هويتك/ حلق خارج السرب متى أحسست أن هذا السرب يسير في طريق بعيد…. “
هذا الأسلوب كشف الأباء الكتاب الذين انتهجت نهجهم آمنة عون العكروت على غرار أدهم الشرقاوي وأيمن العتوم. حيث يلوح جليا تأثرها بهم.
وكما أسلفت الذكر فان النصوص وردت كرسالة أو حوارية جعلت الخطاب يتدرج إلى أربعة مستويات حسب طرف الحوار أسوقها على التوالي:
-١- مناجاة مع الله
-٢- مكاشفة مع النبي وتعديد مناقبه
-٣- مخاطبة للآخر وتحفيزه
-٤-محادثة النفس والبوح بما يعتمل داخلها.
هذا التدرج كشف لنا المهمة التي أُلّف من أجلها الكتاب ألا وهي إعادة الذات الانسانية إلى فطرتها الأولى المجبولة على الخير. إذا هناك عملية بناء وتنشئة بشرية تقوم على زراعة القيم الخيرة في الانسان. لهذا جاءت بعض الرسائل مباشرة إلى مرسلها على غرار المربين والكتاب والآباء… الخ
رغم إقرار الكاتبة أن هذا الكتاب هو توليفة من الخواطر إنطلقت من ذاتها، فإنها عبرت به نحو الآخر المستقل عنها فكرا والمتشارك معها قيما، ايمانا منها بأن الانسان قيمة عابرة لحدود الجنس والمكان والزمان، لكن يبقى هذا النوع من الطرح يتميز بدرجة من المثالية، لهذا أدعو الكاتبة آمنة عون العكروت إلى تحسس جنس أدبي أجرأ قصة أو رواية أو شعرا حتى تتمكن من الوصول إلى القاع المظلم الذي يخفي فيه وجها آخر للإنسان وتنقل لنا اليومي والمعاش من أجل تشخيص حقيقي وايجاد حلول فعلية، فالطرح الهادف الذي يقترب من الخطر له تأثير أقوى من الكتابة المثالية التي تفصلها مسافة آمنة عن منبع الشر ان جاز القول.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.