• فتحي الرحماني
يمكنك أن تقرأ قصّة “المعطف” للروسي نيكولاي غوغول مرّات ومرّات فهي بلا شكّ من عيون القصّ العالمي حتّى أنّ ديستوفسكي قال عنها وعن كاتبها جملته الشهيرة التي تكاد تلخّص الأدب الروسي ” كلّنا خرجنا من معطف غوغول”.
وقد وقعت القصّة في يدي مجدّدا بعد سنوات في جملة كتب تبرّعت بها الكاتبة التونسية المبدعة عواطف محجوب لفائدة نادي الكتاب والمطالعة الذي يهدف إلى إعادة الاعتبار للمطالعة ويسعى إلى تحقيق المصالحة بين تلاميذ المدارس والكتاب.
تصفحت القصّة وأعدت قراءتها، ويُمكنني الإقرار – وأنا الموظّف في دولة القطاع العام – أنّي لم أغادر هذا المعطف ولم أخرج منه، وأنّ سيرة ” أكاكي” بطل القصّة وصاحب المعطف تُشبهني بل تُشبه جيشا من الموظفين ومن جنود الطبقة الوسطى الذين يُمثلون- في تونس وربّما في المنطقة العربية – نحو 60% من الذين لا دخل لهم غير رواتبهم في العمل .
” تلك الطبقة الوسطى- على حدّ عبارة المصري أحمد خالد توفيق – التي تجاهد كي لا تنزلق لأسفل وتكافح كي تصعد إلى أعلى.. فهي ليست فقيرة بحيث تحتمل شظف العيش، وليست ثريّة إلى حدّ يجعلها تطمئن على مستقبل أطفالها ..
أنا أنتمي إلى هؤلاء، فعندما أمشي في الأزقة والأحياء الفقيرة أبدو متأنقًا متغطرسًا أكثر من اللازم، وأثير استفزاز سكان تلك الأحياء، بينما عندما أمشي في الأحياء شديدة الرقيّ فإنّي أبدو دخيلاً مُرِيبًا فقيرًا أكثر من اللازم.”
عندما تقرأ قصّة ” المعطف ” بإمكانك أن تحتفظ بتلك المقدّمة فيها التي تنطبق على موظّفي الإدارات حيثما وُجد القطاع العام، تلك السلالة من الموظفين المتشابهين في ملامحهم وأزيائهم وحتّى في أمزجتهم وهواجسهم وميولهم، تلك الفئة التي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، بل إنّها تُعبّر عنها أفضل تعبير في ملاحقتها اليومية لأحلام مستحيلة وفي بحثها الدّؤوب عن ممارسة أيّ شكل من أشكال السلطة وفي “ساديتها” وهي تتلذّذ بتعذيب المواطنين بإغراقهم في دوّامة من الانتظار والتسويف وفي “مازوشيتها” عندما تنسحق وتتلاشى أمام رؤسائها في العمل.
حين تتأملنا – أقصد سُلالة الموظفين- فإنّك لن تعرف على وجه التحديد كيف تمّ تعييننا، أو من عيّننا أصلا، أو كيف وصلنا إلى تلك الإدارة؟ أي تغيير فينا ستلاحظه بسهولة، أيّ تغيير في الملامح أو اللّباس وراءه تغيّر في الراتب أو ارتقاء في سلّم المسؤوليات أو وعد بترقية.
هذا ما حدث تماما مع “بطلنا” المسكين ” أكاكي” إذ فقد هويّته الوظيفية حين استبدل معطفه القديم ، فالمعطف الجديد ينتمي إلى طبقة أخرى.
كان بوسع ” أكاكي” – لو فهم كيف تُدار الأمور- بدل التخلّي عن معطفه القديم، أن يتخلّى عن وظيفته في النسخ واستبدالها بكتابة تقارير سريّة في زملائه ورؤسائه، وقتها كان بإمكانه أن يتلفّظ بألفاظ ” الجنرال” – الشخصية السلطوية في القصّة- وأن يُردّد نفس عباراته أمام الجميع” أتعرف مع مَن تتحدّث؟ أتَعِي أمام مَن تقف؟” ، وقتها ربّما سيهابه الآخرون الذين سخروا منه في العمل وفي جلساتهم، ولن يكون في حاجة إلى مواصلة حربه عليهم بعد موته أو أن يتمثّل لهم شبحا مُخيفا يُقضّ مضاجعهم بعد أن قُبر.
كان بوسع ” أكاكي” أن يزعم أنّه يمثّل كلّ زملائه في الإدارة وأن يعتبر أنّ كلّ إهانة أو تجاوز في حقّه إنّما هو تجاوز في حقّ كلّ “السُّلالة”، وفي هذه الحالة سيكون أمام إمكانيات أرحب من الموت بردا وجوعا: سيكون بطلا في نظر منظوريه وسيعلّقون عليه آمالهم، أو سيكون العصا الغليظة في يد رئيسه التي يهشّ بها على بقيّة الموظفين، أو أنّه سيمتلك سلطة توازي أو تُعادل سلطة رئيسه وسيحقّق لنفسه امتيازات طبقة لا ينتمي إليها بما في ذلك شراء معطف جديد.
معطف غوغول ذكّرني بحكاية معطف مسؤول متسلّط في إدارة مّا يغادر سرّا مكتبه ويترك معطفه معلّقا أمام الموظفين، فيفعل المعطف فعل صاحبه فيهم.
أضف تعليق