أحمد البغدادي
تتمحور رواية “شموع على أرصفة الكرادة” لجمال حيدر، الصادرة عن دار لندن للطباعة والنشر عام 2022، حول الانفجار المفجع الذي استهدف منطقة الكرادة في بغداد فجر يوم الأحد الثالث من شهر تموز عام 2016 وقبل ثلاثة أيام فقط من حلول عيد الفطر.
كاتب الرواية هو ابن الكرادة، وإن كان قد غادرها قبل أكثر من أربعة عقود، متنقلاً بين المنافي ليستقر أخيراً في لندن، الا أنّ قلبه لا يزال ينبض بحبها. فحين غادرها مضطراً حملها معه بين أضلاعه على مدى كل هذه الأعوام.
يكتب حيدر في مقدمته “الرواية هي لشهداء سقطوا في الانفجار وارتقوا إلى السماء، غير أن حكايتهم هي فعل روائي بحت٬ سوى ثلاثة شهداء” اشتركوا في الاسم، فكل منهم اسمه “محمد”، مثلما اشتركوا في طريقة الإرتقاء إلى السماء بذلك الفعل الإجرامي المأساوي، حيث وثق الكاتب عنهم معلومات حصل عليها من ذويهم.
مسرح الرواية هو المجمّع التجاري في الكرادة وما يُحيط به من محال ومقاهي وبسطيات ومطاعم وشوارع وأرصفة، فيما انحصر زمان الرواية في نهار واحد، يبتدأ من الصباح حتى بعد منتصف الليل بقليل. ولعل أسلوب كتابة الرواية يكثف ويعمق أحاسيس ومشاعر وتفاعل القارىء معها فلا يتشتت بين الأماكن والأزمنة وإن اختلفت المشاهد وتمايز الأشخاص.
يخطّ الكاتب في روايته نهجاً خاصاً، فهو لا يعتمد على شخصية واحدة لتكون بطلة الرواية، بل يوزع البطولة بالعدل على كلّ شخوص الرواية، الذين استعرض تفاصيل حياتهم في ذلك اليوم الرمضاني الصيفي الحار من شهر تموز، بكلّ ما تضمنتها من آمال وآلام ومشاعر وطموحات ورغبات وأماني، معتمداً على البطولة الجماعية، وهي التي تصنع الحدث عادة، بعيداً عن البطل – النجم الذي يستحوذ على الواجهة لوحده. ومع نهاية استعراض تفاصيل حياة كل شخصية تتصاعد درجة تفاعل وتعاطف المتلقي، ويزداد في الوقت ذاته ترقبه لما ستؤول إليه النهاية.
نجح الكاتب في تصوير عِظَم الفاجعة وفداحة الجرم من خلال تطرقه إلى شخوص الرواية بمختلف مشاربهم ومنابتهم الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والدينية، ليؤشر إلى أن الشعب العراقي بأجمعه هو المستهدف من قِبل قوى الظلام والكراهية، التي لا تفرق في إجرامها بين رجل وامرأة، وبين طفل وشاب وشيخ، وبين فقير وغني، وبين شيعي وسني، وبين مسلم ومسيحي. فالكرادة.. ذلك الحي البغدادي هو عراق مصغر تآلفت مكوناته وانصهرت في بوتقة واحدة، بالرغم من التنوع الديني والمذهبي والإجتماعي، لهذا استهدفته قوى الشر انتقاما لصورة الإلفة والمحبة التي يعيشه الحي على مدى عقود طويلة.
استعرض الروائي اليوم الأخير لشخوص الرواية بتفاصيلها، أحلام وطموحات وآمال من جانب، وآلام وخوف وقلق وتوجس من جانب آخر. مستثمراً تلك التفاصيل لتبيان حال الناس في تلك الفترة وما يمرون به من ظروف صعبة قاسية فُرضت عليهم من دون إرادتهم٬ ولم يكن لهم فيها دور أو مساهمة سوى الوقوع تحت ظلالها الثقيلة المؤلمة.
استنطق الكاتب الشباب ليحكوا عن أحلامهم في حياة آمنة يتوفر فيها الحد الأدنى من العيش الكريم، واستنطق الأمهات وأمنياتهن في رؤية أولادهن وبناتهن وهم يكبرون أمام أعينهن في ظل حياة بعيدة عن العنف، واستنطق أيضاً الباعة البسطاء فكان كلّ همهم أن يعودوا إلى بيوتهم مساء آمنين حاملين الرغيف والطعام لأسرهم الفقيرة، استنطق كذلك شرائح من المجتمع ابتعدت عن مسار الحياة السليمة، فكانت بائعة الهوى وبائع المخدرات اللذين كانا يؤجلان توبتهما إلى حين، استنطق حتى الأرصفة التي كانت شاهد عيان على كل تلك الشخوص التي طالما عاشت معها، لتغدو لاحقاً شاهد عيان على ما حدث لهم في تلك الليلة الليلاء.
تطرق حيدر إلى قوى الشر وشخوصها وما يعتمل في صدورها من حقد وكراهية لكلّ ما يمس إلى الحياة والأمل والحب بصلة، ثلة تعيش حياة الظلام في كهوف مع الشياطين تستغل سقط المتاع من أفراد المجتمع لتجندهم في عملياتها الإجرامية بعد عملية غسيل دماغ سريعة لا تستغرق إلا أياماً معدودات، لخوائها من جهة، ولتوافر كل مقومات الإجرام فيها أساسا من جهة أخرى.
بعد استعراض شخصيات الرواية يكون القارىء قد وصل إلى الذروة في الترقب لمعرفة تفاصيل الحدث – الجريمة وما حل بشخوصها، التي عاش معها ساعات ذلك اليوم بكلّ ما فيها من أحداث وتفاصيل، متلهفاً لمعرفة كيف انتهت حياتهم ولتضع حداً لآمالهم وطموحاتهم وأحلامهم.
يصور الروائي دقائق ولحظات ما قبل التفجير حين يصل الإرهابي، خائفاً، ليركن الشاحنة المحملة بالمتفجرات قرب المجمع التجاري، ثم ما يلبث أن ينسلّ بعيداً عنها قبل أن يضغط على الصاعق لتتفجر الشاحنة وتصعق المنطقة بأكملها، ولتشق ألسنة لهب الإنفجار عنان السماء مُحيلة الليل إلى نهار ومُرسلة المئات من المتسوقين والباعة والمارة إلى السماء، قاتلة لبسمة الأطفال وضحكاتهم، سارقة الفرحة باستقبال العيد الذي سيحِلّ بعد أيام قليلة، زارعة الحزن والأسى في كل مكان.
في الفصل الأخير يرسم الكاتب لحظات الاحتضار في وجوه شخوص الرواية ومعاناتهم في تلك اللحظات العصيبة ولوعتهم وتشبثهم بالأمل في النجاة والعودة إلى أحبائهم؛ نحيب الأم على أولادها وهي تحاول إنقاذهم فيموتون سوية، بَحْث الزوج عن زوجته الحامل بطفلهما الموعود ليجدها مضرجة بدمها، صديق يناشد صديقه طلباً للنجدة قبل أن يحترقا معاً، تشبّث الشاب بيد خطيبته محاولاً حمايتها من النار التي التهمتها قبل أن يسقط هو الآخر على الأرض إلى جوارها مختنقاً ومحترقاً، هرولة بائع البسطية إلى بسطيته مذعورا لإبعادها عن النار التي كانت أقرب إليه فالتهمته قبل أن يصل إليها. صور في منتهى الحزن تعكس فداحة الجرم ومدى حقد المجرمين وكراهيتهم، وفي الوقت نفسه تحكي ظُلامة الضحايا الذين لم يكن لهم أي ذنب إلا حبهم للحياة، وموقفهم من كل ما يعكر صفو الحياة.
امتازت الرواية بصور أدبية معبرة عالية واستعارات كناية فنية مؤثرة ومشاهد حياتية من الواقع جعلت من الرواية انعكاساً لواقع الحياة وقريبة من يوميات الناس. وربما سيكون للرواية تأثيراً أكبر على شريحة أوسع في المجتمع لو استخدم الكاتب اسلوباً أدبياً أسهل قليلاً ومُطعِّماً لها بمزيد من مفردات اللهجة العامية ليتناغم مع مستوى شريحة أكثر سعة من القرّاء.
غاص العمل الروائي في عمق الحدث الإجرامي وتفاصيله ليستغرق القارىء كلياً في المأساة، ومتفاعلاً معه شعورياً وعاطفياً، لكن من دون أن ينتبه إلى الصورة الأكبر لمشهد العنف المجنون الذي ضرب وسط وجنوب العراق حصراً، كذلك ستكون الصورة لدى القارىء أوضح وأشمل لو تطرق الكاتب في فصل “فتوى الدم” وهو الفصل ما قبل الأخير إلى دلالات اختيار الإرهابيين لمكان وزمان الفعل الإجرامي؛ كاشفاً حقيقة المجرمين وطبيعتهم وعقائدهم ومنحدراتهم الدينية والاجتماعية والجغرافية، والمدن والدول التي أتوا منها، إضافة إلى الأهداف المرحلية والنهائية التي يسعون لها، عندها سيخرج القارىء بفهم أشمل وأوسع للحدث باعتباره حلقة واحدة فقط من سلسلة عمليات الإجرام التي ما فتأ المجرمون يقترفون أمثالها، بل وأبشع منها، على مدى أكثر من عقد من الزمان.
أضف تعليق