كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

بين الأسطرة والمعيش: قراءة في ديوان تلوكني العتمات لعواطف محجوب..

ميس داغر

هذه الدراسة هي من أعمال ندوة "فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات" والتي أقيمت يوم الأحد 29 يناير 2023 للاحتفاء بصدور كتاب "تلوكني العتمات" للشاعرة التونسية عواطف محجوب عن منشورات سلسلة كتاب كناية، بحضور: د. ثريا السوسية، نجاة نوار، باسمة الحاج يحيى، ميس داغر، حكمت الحاج.
التسجيل الكامل لندوة فوروم كناية احتفاءا بصدور كتاب تلوكني العتمات لعواطف محجوب


بعد الإثناء على ما قدمته الزميلات والصديقات من تونس الحبيبة، يسرني تقديم قراءتي المتواضعة لديوان عواطف محجوب، وهي قراءة مبنية على تذوق شخصي بحت… كما أني أطمئن المشاهدين الكرام أنها قراءة قصيرة لن تأخذ الكثير من الوقت- كي يتسنى لنا من الوقت ما نستمع فيه للشاعرة صاحبة الديوان..

في ديوان “تلوكني العتمات” لعواطف محجوب، الصادر عن سلسلة كتب كناية في العام 2022، والمكوّن من ستين صفحة تتوزع القصائد النثرية من ناحية المُخاطَب إلى ثلاثة أقسام. فالقسم الأول، تخاطب فيه الذات الشاعرة نفسَها، ويتمثل هذا في نصوص: احتفال، اختناق، تناقضات، تلوكني العتمات، ظلّ السراب، أرق، عمى، طيف وذاكرة، لعنة الكتابة، اللعبة، علبة ملح، حلق هارب، جحيم.
والقسم الثاني، تخاطب فيه الذات الشاعرة الآخر، ويتمثل هذا في نصوص: الغريب، الشريد، من رسائل الليل، المهجوس، نصيحة، ظلٌّ ميّت.
بينما في القسم الثالث من النصوص، تخاطب الذات الشاعرة أفكاراً بعينها، يتمثل هذا في نصوص: قرف، الموت يأتي من النافذة، أسئلة في الرسم، جنون العالَم الأحمر، صهيل سثقب رداء الليل، مرثية، مديح.
وتحت هذا القسم الثالث من النصوص، تندرج أيضاً ثلاث قصائد أسمّيها “قصائد أمّهاتية” إن صح التعبير، نظراً لأنّ عالَمها يتضمن ما هو أوسع من الذات والآخر والأفكار التي تُعالجها بقية النصوص. هذه القصائد هي:
لي ما أرويه لكم، النشأةُ الأولى، ولحظة مجاز. ومداخلتي لهذه الليلة تتمحور حول اثنتين من هذه القصائد الثلاث، هما “النشأة الأولى” و “لحظة مجاز” … وهما القصيدتان اللتان في ظني أنّ باقي نصوص الديوان تتمحور حولهما.

في قصيدة النشأة الأولى، وهي قصيدة لفتتني في سلاستها وتماسكها، تمضي الكاتبة بإزميلها في الحفر إلى ما هو أبعد من مجرد ذاكرة شخصية أو ذاكرة مجتمعية…
تقول الشاعرة:
مذ ولدتَ
عند أخمص الجبل
حافي القلب، مثلج الكتف
عميق الحاجة وفارغ الهم
شغوفا بفكرة البقاء
والريح تخطف لعبتك
نارا من حجريّ صوّان.

وأنا أقول: منذ اللحظة الأولى لتلقّي نصوصها، تدخل بنا عواطف محجوب إلى عالم المكوّنات الأولى، المفضي إلى جوّ الأسطرة والغرابة. لكنها لا تتكىء على هذا الجوّ فحسب، بل تعمد إلى بناء شعري يُدلل على وعي وعمق في تحليل الأساطير الميثولوجية والشعبية… وعي وعمق مصحوبان بشعرية عالية تجعل لهذه القصائد عامة، ولهذه القصيدة خاصة، ملمحاً خاصاً بالشاعرة وحدها. إذ لا شك أنّ ثيمة نشأة الحياة، والأساطير المصاحبة لبدايات هذه النشأة هي ثيمة درجت كثيراً في الشعر العالمي، ابتداءً من ملحمة جلجامش، إلاّ أنّ هذه الشاعرة التونسية الجميلة تبرع في نسج نسختها الخاصة من هذه الثيمة، المتمازجة مع ما تشربته من موروث عالمي في هذا الصدد. إنها تنهلُ من الأساطير، تبوتقها في مخيلتها، ثم تعيد كتابتها.

منذُ ولدتَ عند أخمص الجبل، قد تكون المسيحَ أنت، قد تكون الهائم في الطبيعةِ أنت… تُغويك المغامرة، قد تكون أنت يا دونكي شوت.. تبارز طواحين نفسك، لا طواحين الهواء.
تطارد عدوا في الطبيعة
لم يوجد بعد
ودخان شِوَائِكَ الأول
تنشقه الصحراء فيستر عورتك.
فجوات الكهوف صوامع بدائية
تستحيل بيدي هامان
مدينة لك…

إنها تحفرُ في الذاكرة الجماعية البشرية، وتتبصّرُ في التحولات الإنسانية الفارقة، التي نقلت الإنسان من عصرٍ إلى الذي يليه. من فجوات الكهوف، إلى الصوامع البدائية، إلى ما استحال على يديّ حضارة وادي النيل بنياناً عظيماً وقوة ..
وإلى
مخادع راحة تحت سقف لتهجع
فاستيقظ الحب في دمك
يعوي
شهوات عرجاء
نوارس رغبة في امرأة
تقبلها
ثم ترميها للبحر
و تتفرغ للجدل.

بعد أن استيقظ الحب أخيراً في أوان راحتك أيها الرحالة عبر الزمن، ها أنت تلقي بكل ما أوتيت في البحر، ثم تصلُ بمركبك إلى اليونان، فتشرع في بناء حضارة الفكر والجدل هذه المرة… إنه الانتقال الحضاري الأكثر فرقا، والذي تبني عليه عواطف محجوب، المفارقة القاصمة…
عاريا من الإنسان
بلغتَ ضفة هذا القرن
نفسك جائعة
لا تشبع من نخر حائط الأرض
حضارة بابها محتشد
وقانونها القبيلة
نوافذها سماء
تنهمر رصاصا بطعم المطر
والأقوى…
الأقوى من يبقى إنسانا
ثابتا كالصخر.

بعد كل هذا النشوء والارتقاء، يصل هذا البشري إلى ضفة هذا القرن، بروحٍ جائعة، مختتماً صعوده بانتكاسةٍ إلى قانون القبيلة، والهروب من تحت الرصاص. والبقاء هنا، ليس للأقوى، كما يقول داروين، بل للإنسان الحق، كما تقول عواطف محجوب.

في قصيدتها الثانية، لحظة مجاز، أيضاً تنطلق الشاعرة هنا من الطين اللازب
يشكّل مجازات الفطرة/ الدهشة
تنطلق من الرحلة الأولى لآدم على وجه الأرض..
من ارتسامات الأثر على الحجر إلى الورق
محجة النسيان والثبات
والذنب بدايته عطش
أزمنة يعبّدها الجوع

بعد هذا، وكأنّ الشاعرة تقرر من وسط الأسطورة أن تلتفت بشكلٍ مفاجىء إلى ذاتها الصغرى، من موقعها في سجلّ الكون. إنها تقدّم لنفسها الآن الصورة التي تودّ أن تشارك بها الأسطورة الجمعية من ذاتها المفردة..
كلما زاد الأوار أمعنتُ غرب السماء
لساني كبّله اليباس
مات على رأسه برعم الحب
ووردة القلب انطفأت رمادا
ليتها تمطر
ليسيل قناع السواد وتضحك المدينة
ليتها تمطر.

في الحقيقة، ما أفكر فيه الآن، وأنا أجد عواطف محجوب تختتم قصيدتها هذه بهذه الأبيات، هو انشغالاتها الذهنية، أثناء الانتقال من الأسطورة الجمعية إلى مشهدها الذاتي… ولعلّ من هذا الاختتام لمداخلتي، تبدأ عواطف مداخلتها…

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.