نجاة نوار
هذه الدراسة هي من أعمال ندوة "فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات" والتي أقيمت يوم الأحد 29 يناير 2023 للاحتفاء بصدور كتاب "تلوكني العتمات" للشاعرة التونسية عواطف محجوب عن منشورات سلسلة كتاب كناية، بحضور: د. ثريا السوسية، نجاة نوار، باسمة الحاج يحيى، ميس داغر، حكمت الحاج.
” شُقَّ طريقك بالبصيرة حين يستبدّ بك الظّلام وقبّل جراحكَ فألمُكَ هو حقُّكَ الوحِيد الذي لا يُغتصب”
لئن كان من طبيعة الضّوء أن يُنير و يُعرّي ويَكشِفَ ما يُخفيه الظّلام فإنّ اللّيل هنا استحال مكشافا يرفع الأستار عمّا تُظلّلُه النّهارات وصيّر العتماتِ مسارح و شاشات عليها تُعرض المشاهد دون ماكياج ولا أقنعة:
《 كعادته الليلُ يُعرّي ظلمة النّهار 》
منذ البدء تضعُنا الشاعرة على أرض زلِقة وتنخرط في لعبة تنزاح فيها الكلمات عن مألوف دلالاتها وتتكسّر الدّوال وتختلط المفاهيم وبين مداورة وتلميح وإيحاء وتصريح أنشأت عواطف محجوب نصوصها القلِقة هاربة مِن إرث بات يخنُقُها باحثةً عن جِدّةٍ تراها مُستحَقَّةً
.
1\الكتابة بين شعور بالاختناق ورغبة في الانعتاق
:
تضيق ذات الشاعرة ولُغتها بمناخ موضوعيّ استبدّ به الجفاف واليباس والقحط بين جبال و وِهاد وَسط بيئة جنوبيّة صحراوية قست تضاريسها وتشعّبت مسالكها وجفّ مناخها وشحّت أمطارها ولم تفقد الأمل في الارتواء لا تزال تنتظر المطر والاغتسال ..
《ضيقنا من الفراغ / الضّياع / جفاف الصنبور الدّائم/ موت الشّجرة ../ تخيّل العطش.. وتلوم مذيعة الأخبار عن خبر تسقِطُه عن قريتها ..》
مناخ يُهيّج وحشة ذات هدّها العطش إلى أمطار حُبٍّ تُروّي تربة القلب القاحلة. فتقول :
《 لساني كبّله اليباس
ومات على رأسه بُرعم الحبّ
ووردة الحبّ انطفأت رمادا ..
ليتها تمطر ..
لتسيل قناع السّواد
وتضحك المدينة ..
ليتها تمطر ..》..
الاستسقاء هنا ذاتي/ موضوعي لا يكاد ينفصل بل يلتحم وتتصادى معانيه ..فتصير روحُ الشاعرةِ أرضَ قريتِها.. و تصير الأرضُ ذاتا وكيانا لشاعرة تنتفض ..تستسقي وتطلب حقّها في الحياة
.
《 ليلي غبار حزين
قلبي فاكهة بها الرماد
كلما اندلع فيه حريق همد
تلك الأمنية
لو يأتي المطر ..
لتزهر قتامته 》…
《 إذ تمطر في البرّ
تزهر اللغة في حلقي
الطين ينهض من خامته الأولى ..》
ذاتٌ عطشى مكلومة أغوتها الكتابة فكتبت شعرا وسردا ويلحّ عليها سؤال الكتابة فتعود لتبحث بالمنجد عن جذر السرد
《س ر د جذر أغواني وأغواكم وأغوانا جميعا》
فجعلت القلم سلاحها واتخذته إزميلا به تخوض حربها ضدّ( الطّبيعة ) ؛ جفاف يهدِّدُ بالموت والخراب ..
و ضدّ التّردي والأنظمة الجائرة والسّاسة ..
وضدّ سُلطة الموروث وقيوده اللّا مرئية التي أدمت روحها وقيّدت قلمها..
صهيل الانعتاق جعل الكتابة مِحْنةً وحَربا شعواء فهل بَعث القلمُ الشّاعرةَ كالعنقاءِ من رمادِ حُروفها أم أردى بها في “محرقة الكتابة”؟؟
وكرهان أوّلي لكسب (التحدّي /التجديد)وعلى عكس الشّعراء الذين يجعلون من الليل مساحات للاختلاء بأنفسهم والسباحة بأعماق الشعور وحالات اللاوعي وكتابة ما يغفو بعمق الروح و ما ترسّب بالوجدان من عواطف..
اتخذت الكاتبة العتمات مطيّة للمواجهة والتحدي لكلّ تلك العتبات التي تقف شوكة في حلق قلمها.
ولعلّ أوّلها
* ضوابط الكتابة الكلاسيكية للشعر ؛ فتخلت عن موسيقى الصّوت وإيقاع القوافي و تجاوزت بحور الخليل واستعاضت بإيقاع الصورة ..حيث توالدت الصّور غريبة عجائبيّة هاطلة كالمطر حينا عاصفة كريح صرصر أحيانا لا تُدركُ لها وجهة تصفعك من كلّ الجهات وترُجّك عسى تستفيق ..صور صادمة ترج الفكر وتكسر العادي ويكتنفها الغموض أحيانا تذكرنا ببعض صور “سيلفادور داللي”..جعلت الكاتبة من نفسها رسامة تجريدية توزع الأصباغ والظلال والضياء على قماشة العتمة وتصنع الإيهام بما تُريد زرعه في مخيلة القارئ لإيصال تجربة حيّة مضطربة قلقة…
《القافية مفقودة
محاولات القص فاشلة
دون بناء ولا عمارة
ولا حتى زاوية نظر
يغضب مني داريدا》
《كيف هي صنعة السرد؟
ومن اين هيبة الشعر ؟》
تمرّد آخر على نواميس المجتمع و على جور السّاسة ..فالشعر في الأصل مقاومةٌ
《 فالشعر حربه حربان
في الجاهلية والحداثة
وما ببنهما وما بعدهما
ولا نهاية
》.
تلعن الكاتبة وتعري سوءة
《 السّاسة تلك الطبقة ..
كم هي بارعة في اللعب على المسرح
في الليل تشنق الأحلام
وأول الصباح تُمسك بالجُناة》
ولأنه لا بُدّ للطريق من مخاطر تكابد الكاتبة لتنتشل نصّها” الحداثيّ” من ” براثن الكلاسيكي ” يسخر منها الشنفرى و يغلق الفرزدق الباب في وجهها فتدنو من الجنة ولا تدلف وتقف لتتأمل نافذة فتحها عنترة بجدار اللغة مرر منها حصانه ثم سدّها بالقضبان ..” تجاهد لتخلق منفذا منه تو اصل حربها ضدّ كل مُعيقات الحياة ..
جبهة أخرى للحرب تفتحها الشاعرة ضدّ سلطة الموروث فتقارع بحدّ قلمها جنوح شهرزاد في المخيال الشرقي ..لفتنة السّرد وتثور على سيف ” شهريار “المسلط على الرّقاب..
《 ألوي معصمي
أكسّر مني قيد مصائبي
الأسطورة أورثتني حكايتها
وودعتني لألف ليلة و عثرة .
معزوفة للعدم والكذب
ورفيق خائن للسفر …》
《 بكلّ الجنون والاشتهاء
تفتقت صنعة شهرزاد
فقط لتعيش للصباح..》
تحكي شهرزاد لتنقذ نفسها وبنات جنسها وتحكي عواطف لتنقذ الكتابة ” النسائية ” من سيف الرقابة يفتش بين أسطرها و من سيف سلطة ذكوريّة تحكم الأنثى بأن تظلّ ” متاعا” يؤنس وحشة ليل ذكوري طويل. تقول:
《 أيها الليل
على طاولتك العريضة
ترصفها مع الحكايا المآسي
بنات صغيرات تلاعبهن الشطرنج
ثم تنحرهنّ لأول ضيف..》
تواجه الشاعرة صورة شهرزاد المتشظية في صور الجدّات ( رمزية الجدات وحكاياتهن)
《 مدى مُتعتي بقصّ جدتي
أو سردكم ومن هنا تبدأ اللعنة ..》
《 ما أحفظه من أساطير وما حكاه الأجداد في غفلة من الطفولة المشردة
》
《 جدتي تقطن الوحدة مثلي
تتبتل في علة غائرة》
《 أمي لم تربّني بعد إذ ولدتني
رمتني إلى جدتي ..》
تشحذ الكاتبة كل أسلحتها لتنجوَ من ” المحرقة” فتتعثّر وتصاب أحيانا بخدوش وتستشعر هزيمة تجعلها تقول:
《 بقايا شعر مبتور لا يقدر على الحركة
لا تجدي معه المهارة الاصطناعية
ولا الذاكرة الالكترونية
لسانه معقود عن الإفصاح والرأي》..
هزيمة لا تفتأ أن تذكي العتمة بقلبها و بقلمها نار التحدي فتنهض غاضبة
《 كلما غضب عضضت من الجوع نفسي
وأكلت نصفي..》
وكأني بالشاعرة هنا أنثى جلجامش القائلة :” يا من ترون نصفي المضيئ فقط تعمقوا في داخلي حرائق كلّ الأرض .من منكم رأى بكاء قلبي المشتعل .من منكم يعيش ليلي ليلة واحدة” …
يكشّر غول اليأس والإشمئزاز وال” القرف” عن أنيابه ناهشا مفترسا عضاضا لمفاصل النصوص فتأتي منفلتة هوجاء صارخة صادمة ملحمية في وجه مجتمع لا يرحم مجتمع يضطرها إلى ارتداء قناع النفاق .ويغطي عربدته ونزواته بفنون التملّق . فتسعى لخلخلة الثوابت والثورة على الأوضاع القاتمة حولها فتهشّمها ثم تطرحها للريح تذرّيها وتحاول أن تذرّ على أنقاضها بذور الشّكّ والحيرة والكفاح والرّغبة في عالم جديد. و تحرُّر يفتح باب القفص ليطير العصفور السجين بعيدا
》 انت الهارب من نفسك
سجين خارطة البلد 》
2\الكتابة مِنْحة ولعبة بازّل بيد خبيرة :
لم تكتفِ الشاعرة بتحدي الطبيعة و لَعْن ساسة البلد و نبش الموروث ومحاكمته بل تحدّت اللغة وأنماط الكتابة و سعت إلى تخليق لغة جديدة وابتكار معان تخصّها. فتلاعبت بالمصطلحات وتراشقت بالكلمات وهنا تبرز قدرة الكاتبة واشتغالها ومحاولاتها في تجريب البُنى و ترصيف التراكيب اللغوية .
《 لا مصير دون مسير
لا مسير دون مصير
إلى أين والطريق بلا طريق
الأفق يخنقنا
..》
تشحذ الكاتبة ما تخزنه الذاكرة وتستدعي الأسطورة لتركّب منمنمات جديدة فيتراءى لنا ( هامان / ديمترا / إيكاروس/ دوسينيوس بيرسيفون/ وأفعى الخرافة وعصا موسى وثعلب الكيتسونة/ وغراب التطير ..)تغادر مقاماتها و تتحاذى وتتآلف ..مشكلة صورا ومعانٍ مبتكرة .كما تصادت بالمنجز عناوين لنصوص حداثية ف ” يأتي الموت من النافذة ” بدلا عن الثلج* وتأتي ” رسائل الليل ” عوضا عن ” بريد الليل*”
وتخشى الكاتبة ” لعنة أهل الكتاب الأحمر
*”.
فالكتابة هنا تصير مِنحة وقدرة وبراعة تظهرها الكاتبة فتتلاعب بقطع البازّل لتكون لوحتها كما تشتهي
“
》أمي لها يقين بأن الخيال لعبة
تركّب القطع فيها على وجه الخطأ
لتستمر اللعبة 》
ويستمرّ التجريب بيد صانعة تتسلى بالمفردات ..
《 أغلي أكاد أفيض
أسكبني بفنجان القهوة
أقدمني للوقت يترشّفني》
التلاعب هنا لم يكن لأجل اللّهو و تجزية الوقت بل لأجل الفكرة تظهرها حينا وتضمرها أحيانا كأني بها تلاعب المتلقي فتقول
》 أقف مهرّجا يلاعب كرات المقاصد والتأويل
《
==قبل الختام==
لم تمنحني النصوص ما يمنحني الشعر عادة من إمتاع وتوسيع لمجال الخيال والروحانية العذبة المرفرفة وكشف لتلاوين جديدة للإحساس بل حفرت كالإزميل بعمق الوجع بجمل صادمة وصور غامضة و مدمية ..جعلت المِنْحة مِحْنةً وملحمة فعجّت بمعاني القلق .. فكأني بالشاعرة تلبس عباءة المتنبي إذ يقول (على قلق كأن الريح تحتي …)
فهي:
》 تسكن التواءات الريح.. تخاطب صديقها قائلة ” ليتك تسكن خفقا صرصرا مثلي..》
وتتراقص مفردات الحيرة و الضياع والحزن واليأس والجنون . جنون يصيبها بالجنون فترقص ..رقصات سلبت عنها معنى / ثوب الفرح وألبستها ثوب المأساة:
《قال الحزن انه لا يحتملني إلا بالرقص
أرقص وأرقص واحترق
ارقص وأرقص وأهوي
ارقص وارقص فأنطفئ
ارقص وارقص فاشهق واختنق..
ولا احد يرفع سماء لشمسي..》
قتامة تذكرني بصورة ” سالومي” التي رقصت رقصة الغلالات السبع للأمبراطور الروماني ” هيرودوس” تغريه بقتل المتعفف ” يوحنا المعمدان” ..
رقص الشاعرة على حبل المفردات يفضح تمزقا وانسحاقا لجسد معذب وقلم ينزف ليلا و يرقص على إيقاع وجعه كرقص ديك ذبيح…
قتامة أزاحت عن الليل هلامية الثرثرات الفاضحة لزوايا الحنين المخبوءة .
== ختاما ==
قلم رغم القتامة لم يفقد الأمل وما زال ينتظر ضوءًا.
《 كان أجدى العود على البدء
بحث عن شقّ للضوء
منه يمرق قلبي..《.
《 نحن العابرون نحو العتمة
نحتاج أيضا إشارات طريق..》.
ونصوص رغم سوداويتها تخفي بذور الجمال .. فتنمو عشبة المعنى بين السّطور وتمنحُ نُسغا لحياة مشتهاة.
أضف تعليق