كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

عروس البحر في المدينة العتيقة..

قصة قصيرة: حكمت الحاج *

أسكن الآن في مدينة “كريستينسهامن”، وتعني بالسويدية “ميناء كريستينا”، في شقة صغيرة في الطابق الثاني من عمارة قريبة من الغابة والبحر. حياتي هنا هادئة ورتيبة، مع أصوات النوارس في هذه المدينة البحرية الصغيرة، خاصة بعد أن بلغت سن التقاعد مع مجموعة أمراض مزمنة أورثها لي البحر، وصناديق من الذكريات. لكن حياتي قبل ذلك لم تكن سهلة ابدا. كنت بحارا وعشت حياتي كلها في البحر وعلى أظهر السفن ومن ميناء إلى آخر، ومن بلد إلى آخر.
وبحكم الزمن، تطور عملي وصرت قبطانا وقائد سفينة، وزادت أموالي وقوي نفوذي، لكني لم أكن يوما سعيدا. لقد افتقدت العائلة وقضاء العطل مع الأولاد، وزيارة الأقارب والذهاب الى الكنيسة يوم الأحد والجلوس تحت الشمس في حديقة المنزل وقراءة كتاب قبل النوم. لقد أصبح البحر جزءا مني، يسكنني، وتجري مياهه المالحة في دمي. لقد درت الموانئ من شواطئ الصين حتى أمريكا الوسطى مرورا بالبحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج الفارسي (بعضهم يسمونه الخليج العربي) وبحر الشمال وبحر البلطيق والمحيط الهادئ والمحيط الاطلسي. وبعد كل رحلة كنت أعود الى “غوتبيرغ”، مدينتي المطلة على أجمل بحار الدنيا غرب السويد.
في الإجازات، كنت أذهب إلى “حانة البحارة” القريبة من الميناء. وهكذا اكتشفت انني أخدع نفسي، فأنا أقضي إجازاتي كلها في الميناء أو قريبا منه. البحر يناديني، وانا سرعان ما ألبي له النداء. وفي الحقيقة، ليست لدي الكثير من الذكريات لكي أسترجعها أو أستدعيها. لكنني ربما أكذب. فهي ذكرى واحدة وحيدة نخرت حياتي كلها، فلم يعد ما بعدها يشبه ما قبلها. وقد قيل لي مرارا إنها لعنة مدن الشرق القديمة.
ففي ذات مرة، رست سفينتي في ميناء “حلق الوادي” في تونس، على ضفة البحر الأبيض المتوسط الجنوبية. وكان على السفينة أن تبقى لمدة ثلاثة أيام في الميناء لتفريغ حمولتها وأيضا للتزود بالوقود. قادني بحار تونسي صديق قديم لي في جولة في أرجاء المدينة العتيقة في تونس، واشتريت من هناك الكثير من العطور الشرقية الزيتية الملمس مثل العنبر والعود والمسك، التي كانت تباع في أزقة الأسواق القريبة. واشتريت من هناك أيضا الحناء الأصلية المطحونة، وأنواع التوابل والبهارات، وخاصة الفلفل الأسود، والملوخية المجففة، والهريسة، وحذاءا من الجلد مصنوعا يدويا، وحقيبة ظهر من الجلد المدبوغ. في اليوم الثاني لوجودي في تونس، أخذت قطار الضواحي ونزلت الى العاصمة. وهناك، تركني صديقي التونسي المسلم لوحدي أدور في الأسواق في انتظار أن يكمل هو فريضة صلاة الجمعة في “جامع الزيتونة” الواقع في قلب المدينة العتيقة، ويلتحق بي بعدها لنكمل جولتنا ونفطر في مطعم قريب يختص بتقديم وجبات الكوسكوس اللذيذة. كنت أدور وحدي، وأتشمم عبق الروائح الشرقية، وأتنعم بأصوات الباعة وهم يدلون على بضاعتهم، ومحاورات الناس فيما بينهم، وأفواج السياح القادمين من كل أصقاع العالم، والمقاهي المملوءة بروادها، وروائح النارجيلة التركية بعطر التفاح والعنب تفوح منها وتملأ الأنهج الضيقة والأزقة المظلمة.
وهناك، في عطفة صغيرة نسيها التاريخ، إلى جانب الباب الخلفي للجامع الكبير، رأيتها. كان جمالها طاغيا، وقد دمرتني أسنانها البارزة وأسرني أنفها الطويل المستقيم. اقتربت منها وافتعلت سؤالا سخيفا حول بضاعة ما. نظرت إلي وابتسمت. قالت بفرنسية متقنة: اتبعني. تبعتها. قالت إن اسمها عواطف. حاولت أن أذكر لها اسمي المعقد في نطقه لكنها لم تهتم. ذهبنا إلى مقهى صغيرة روادها قليلون، واقتعدنا طاولة هناك، وطلبت لنا كأسين من الشاي الأخضر بحبات الصنوبر. كنت أنظر اليها طوال الوقت وأنا غير مصدق كيف يمكن لامرأة واحدة أن تحوي كل هذا الجمال. سألتني عن حالي وأحوالي وحكت عن نفسها قليلا. قلت لها إني مسافر غدا على ظهر سفينتي. لم تُبد أي انفعال، بل طلبت لي من الله السلامة والسلام. كنت أحببتها بسرعة الرياح حين تغازل أشرعة السفن، وأردت أن أقول لها تعالي معي أو دعيني أبقى هنا معك. أنا أحبك. لكني لم أقل شيئا بطبيعة الحال، فللعقل حدوده كما للجنون. بقيت أنظر اليها بصمت. وبين حركة وأخرى تبدر منها، تأتيني نسمة من رائحتها الجميلة الغريبة. رائحة العرق البشري الخفيف مختلطة برائحة معطر الجسم ويطلقها ذلك الجسد الجبار الذي لم أر طوال حياتي امرأة مثلها تمشي بهذه الطريقة حيث كل جزء من جسدها يقول لك هيا تعال احتويني وخذني ولا تتركني أتعذب لوحدي. قلت لها وانا في حالة ارتباك: اسمعي! انت جميلة جدا. يا إله السماوات!. ضحكت على الفور وقالت: أنت لم تقضي هنا سوى يومين وأصبحت تتكلم مثلهم. لا تبالغ. لستَ مضطرا. أعرف إني لست كذلك. قلت: لكني مسحور بجمال وجهك. قالت: أوه، لا.. دعك من ذلك أرجوك. اسناني بارزة وفمي أعوج. قلت بثقة: مثل كليوباترا. صمتت ولم تعترض، فلم تكن كليوباترا هكذا ابدا. ساد الصمت لثانيتين ثم بادرتني سائلة: هل تعرف الأندلس؟ أندلوثيا؟ قلت: لا قالت انها إسبانيا اليوم. تذكرت بعض المعلومات الغائمة فهمهمت مجاريا حديثها: آه أوكيه. قالت: أنا من هناك. لقد كانت تلك الأرض لنا ذات يوم. أحسست إن الموضوع بدأ يتعقد ويبتعد عن مديحي لجمالها الخلاب وجسدها الثائر. حاولت العودة بفرنسيتي غير الأدبية لكنها واصلت حديثها: عدا اعوجاج الفم الذي يخصني أنا وحدي، فإن الأنف والعينين موريسكيتين. وهنا ضعت تماما. بقيت أرتشف الشاي الأخضر وأشغل فمي بحبات الصنوبر اللذيذة لكي لا أضطر لإعلان جهالتي. انتهى الشاي الأخضر في الكأسين. وكان هذا بمثابة إيذان لنا بالمغادرة. نهضنا معا، وودعتني بقبلتين على الخدين. قالت لي: كلما أتيت تونس تعال هنا واسأل عني فهذه المقهى لأبي. وستجدني دائما في انتظارك ما بين البحر والرمال. لم أقل شيئا. كنت حزينا. قلت لها ألا تحبين السفر؟ قالت ومَن لا يحبه! ألا تسمع بجموع الحارقين في قوارب الموت؟ طبعا أحب أن أرى العالم خلف هذا البحر كيف يكون. قلت لها: تعالي معي إذن، نسافر معا ونجوب بحار الله. ضحكت بصفاء فزاد جمالها ولمعت عيناها وقالت: أتدري كم بحارا مثلك قال لي هذا الكلام! ثم رفعت يدها مشيرة إلى مكان ما عند باب المقهى وسألتني: ألم تنتبه لاسم المقهى؟ آه، معذرة، أنت لا تعرف لغتنا. إنه مكتوب بالعربية، ومعناه “مقهى البحار العجوز”. بحثت عن رقعة قديمة ملتصقة على الحائط وخمنت انها تحمل اسم المقهى بلغة غريبة لا أفهمها. قبل أن أفارقها وأنا على الناصية الضيقة، قلت لها يائسا تماما: أحبك. تعالي معي أو دعيني أبقى معك. اقتربت مني وهمست في أذني: اذهب الآن، وعد فيما بعد، بلا سفينة ولا متاع ولا ذكريات. ستجدني هنا. وسأكون لك أيها البحار الذي انتظرته عروس البحر في حلق الوادي طويلا.
لقد أفسد البحر حياتي، كما أفسدته عواطف، ومدينة تونس العتيقة، والفلفل الأسود والبهار والعطور. والآن، وأنا في آخر العمر بلا أدنى قيمة -فلم أعد اقود السفن وأسافر في البحر بل أقضي جل وقتي في الذهاب الى الميناء واحتساء كؤوس البيرة المثلجة وإعادة الذكريات نفسها كل يوم- ما زلت أعرف إن عروسا للبحر في “حلق الوادي” تنتظر السفن الراسية كل يوم، لا تسأل أحدا عن شيء، بل تظل تنظر نحو الأفق البعيد، وإنني قد أضعت عواطفي هناك إلى الأبد. آه، يا للحياة كم أنت حقيرة!
(السويد 2023)

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.