عبد الجليل حمودي
نص المداخلة النقدية مع التسجيل الكامل لوقائع الندوة الحوارية التي أقامها فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات يوم 22 يناير 2023 حول العالمية في قصص الفلسطينية ميس داغر، حيث أمن المداخلة الناقد التونسي عبد الجليل حمودي وادار المدوة وقدمها حكمت الحاج.
لم يحظ مصطلح « العالمية» في الأدب باتفاق النقاد. فمنهم من رأى أنه يعني انتشار النص الأدبي في الزمان والمكان فإذا استطاع النص أن يكسّر الحدود الجغرافية للغة ما أو لثقافة بعينها فإنّه يمكن أن يتصف بالعالمية. لذلك تعتبر النصوص السردية الكبرى في التاريخ الإنساني نصوصا عالمية لأنها تسرّبت إلى ثقافات أخرى. إنّ نص «ألف ليلة وليلة» مثلا تمكّن من الانعتاق من ضوابطه المحلية ليعتنق آفاقا عالمية. لقد استقبلته ثقافة العالم وأنشأت معه علاقة تقبّلية استطاع من خلالها أن يؤثر في ذائقة الآخر الأدبية. بل إنّنا نكاد نجزم أنّ سؤال الغربي اليوم عن معرفته بالسرديات العربية يقابله جواب يتيم يذكر فيه «ألف ليلة وليلة».
أما بعض النقاد الآخرين فيعتقدون أنّ مصطلح «العالمية» مخالف لما ذهب إليه الأوّلون. إنّ عالمية الأدب لا تكمن في شهرة الأديب وانتشاره في الآفاق ولا تعني سفر النص من ثقافة إلى أخرى أو رحلته عبر الحقب التاريخية ومغالبته الزمان وإنما النكتة في العالمية أنّ النص الأدبي يخوض في قضايا لا تخص مكانا بعينه أو زمانا معينا. فعالمية الأدب إذن هي تحرّر من صغائر القضايا التي تلتصق بمكان ما أو وطن ما أو ثقافة ما لتجنح إلى الانتشار عبر شعار الرابطة الإنسانية. إن الإنسان واحد له نفس الهموم والمشاغل يتقاسمها بينه. وبما أنّ الفن عموما والأدب خاصة تعبير عمّا يخالج الذات الإنسانية من مشاغل يطرحها لتُناقش ويتجادل فيها وتُعالج فإنه أولى من غيره من رؤى العالم أن يسبر أغوار المشاغل الإنسانية المشتركة. ونحن في هذا المقال سنعتمد زاوية النظر الأخيرة باعتبار العالمية في الأدب هي التطرق إلى قضايا الإنسان المشتركة.
لا بدّ أن ننتبه بدءا إلى أنّ مصطلح العالمية يقابله مصطلح «المحلية« وإن كان التناقض بينهما واضح فالأول يجنح نحو الاتساع والانتشار والشمول أما الثاني فيتصف بالتضييق والتقوقع والخصوصية. هذا التناقض لم يكن عائقا أمام إيجاد علاقة وطيدة بين العالمية في الأدب ومحليته إذ ساد الاعتقاد أنّ المحلية لوحة ارتكاز يتوسل بها المبدع للقفز أكثر ما يمكن إلى العالمية. وهنا نستحضر مقولة غابرييل غارسيا ماكيز الشهيرة « العالم يبدأ من قريتي» لتكون حجة قوية ودليلا على أن العلاقة بين المحلية والعالمية تسير في اتجاه مستقيم من الأولى إلى الثانية ويمكن تمثيل ذلك أيضا كمن ألقى حجرا في مياه غدير راكدة. فالنقطة التي يتركها الحجر هي نقطة بداية التموج. إنها المحلية سرعان ما تتسع الدوائر حولها شيئا فشيئا لتضحي أكبر فأكبر. فكلما كبرت الدائرة توغل الادب في العالمية. تبدو مقولة ماركيز آنفة الذكر إطارا مرجعيا أحاط بالعديد من الأدباء الذين توخوا سبيل العالمية انطلاقا من المحلية فهل إن « ميس داغر» اتبعته في نهجه؟ هل انطلقت من المحلي الفلسطيني إلى العالمي؟ كيف يمكن اعتبار المجموعة القصصية « ماجرى في الدومينيكان» تسير في الطريق المعاكس لما قاله ماركيز؟ فانطلقت من العالمية متجهة صوب المحلية؟ ولماذا فعلت «ميس داغر» كل ذلك؟
إن قارئ المجموعة القصصية «ماجرى في الدومينيكان» للقاصة الفلسطينية «ميس داغر» الصادرة عن دار «العائدون للنشر والتوزيع 2022» يلحظ أن صاحبتها تطأ أرضا بكرا وتسير في نهج لم يُعبّد بعد. إنها تقتحم مجاهل الآفاق ومغالق الأفكار ورسم طرق لم تؤتلف قبلها. وإن وجدت فإنها بنزر قليل لا يكاد يذكر. قبل أن اطّلع على هذه المجموعة القصصية وعندما أُعلمت أنّ صاحبتها فلسطينية استجمعت كل ما شغل الذاكرة واعتمل في الذكرى. رفّت الروح واهتزت النفس. تاريخٌ بأكمله رجّ كياني من الداخل. أسماء أعلام جعلت التاريخ يعبق برائحتها. أماكنُ ضوّعت النفس رائحة زكية. حوادثُ وأحداث جالت في الخاطر. فانطلقت أقرأ المجموعة أبحث فيها بنهم المتوقّع أن يجد ما عُرفت به فلسطين من زيتون وزعتر وعقال وكوفية وبارود وعنبر وحواري وحارات والختيار جالس فوق الربوة وجمل المحامل يتهادى في مشيته وبندقية فوق الكتف وخريطة تشبه السكين ومفتاح في أمامية الصورة وفتى واقف ويداه خلفه. ترقبت كمتلقّ لنص فلسطيني كل هذا إلا أنّ ظني خاب لأنّ نصوص «ميس داغر» خرقت أفق انتظاري فأضحيت مشدوها مشدودا إلى نص مختلف. نص يعلن عن ذاته. إنه نص لا سابق له. لا ذولق يضع عليه حبله. لا معين يغترف منه. إن «ميس داغر» في مجموعتها القصصية «ما جرى في الدومينيكان» تسير في اتجاه معاكس لما قاله ماركيز. لم تنطلق من المحلية تنشد العالمية بل بدأت من العالمية تتجه صوب المحلية. بدأت من أبعد دائرة وأوسعها سائرة نحو أضيقها وأصغرها. ينجلي كل ذلك منذ العنوان مرورا بمقومات السرد من شخصيات وزمان ومكان حتى اللغة تشي بنزوع «ميس داغر» إلى العالمية. ضف إلى ذلك القضايا المتطرق إليها.
لقد اختارت «ميس داغر» القصة الثالثة والعشرين في ترتيب الفهرس«ما جرى في الدومينيكان» عنوانا لكل المجموعة ما يجعلنا نقرّ بأنّ هذه القصة لها مأثرة مخصوصة عند الكاتب. إن المنتبه إلى العنوان يتضمن اسما لدولة الدومينيكان وهي دولة بعيدة هناك في الأقاصي. تكاد تكون مجهولة عند أغلب القراء. دولة مغمورة اختارتها الكاتبة حتى تكون مركزا لاهتمام الشخصية الرئيسية في القصة «أبو ربحي» وتبث من خلالها قضايا من بينها عدم اكتراث الناس بما يحدث. إن الكاتبة لم تطلب في الحقيقة «الدومينيكان» لذاتها وإنما اختارتها لتكون مطية للحديث عن عدم اهتمام الناس بحال بلادهم. هكذا توخت الكاتبة لعبة المخاتلة السردية. تظهر للقارئ قضايا تبدو للوهلة الأولى عامة إلا أنها تخفي وراءها خصوصية محلية
أما بالنسبة إلى الشخصيات فإننا نلفاها أربعة أقسام: شخصيات دون أسماء وشخصيات بأسماء غربية وشخصيات بأسماء عربية وشخصيات بوظائفها. لقد غلب القسم الأول على أقاصيص «ميس داغر» فأغلب شخصياتها لا اسم ولا رسم لها. إنها شخصيات مكنّى عنها بضمير الغائب إما مذكرا « هو » أو مؤنثا « هي». تحيل هذه الشخصيات إلى إمكانية تواجدها في أيّ أرض بهذا العالم. إنها لا تنتمي إلى بلاد معينة أو جهة أو وطن. إطلاقيتها جعلت من قصص الكاتبة تنفلت من المحلية. وقد نجد أسماء أخرى إلى الغرب تنتمي وبه تتصف مثل « أورفان » و « أوغيستين ». ألا يكون ذلك توغلا في العالمية ونزوعا إليها للعودة من جديد إلى المحلية عبر أسماء عربية من قبيل « رجب » « أبو ربحي ». أسماء دوالها عربية ومدلولاتها تفيض على عربيتها فهي حامل لمحمول هو قيم عالمية شتى. كما يلحظ القارئ وجود شخصيات وفق وظائفها في الحياة تعرف بما تشتغل فيه او تنشغل به مثل «الكاتب» «مدير الموقع» «مسؤول الحكومة» «مترجمة» «بنت الثاﻧوية» «الباحث» «المواطن x ، كأنها شخصيات تتجرد من هويتها الوطنية أو الثقافية لتصبح شخصية عالمية قادرة على الانوجاد في أيّ بلد كان. إضافة إلى ذلك فإنّ الكاتبة تجرد شخصياتها من صفاتها فلا نكاد نعثر في مجمل أقاصيصها على أوصاف نتعرف بها على الشخصية أكثر وتتقرّب منا. إنّ «ميس داغر» تجعل من شخصياتها أقرب إلى الكائنات الهلامية التي ما إن نمسك بها حتى تنفلت منا ولعل ذلك كان توجها واعيا من الكاتبة حتى توغل في العالمية أكثر.
أما فيما يخص المكان والزمان فإن صفة الإطلاقية غلبت على كليهما بل إن الإشارات الدالة على الزمان تنعدم ففي كل قصص «ما جرى في الدومينيكان» تغيب أية لافتة نصية أو قرينة لغوية تشير إلى الزمان. إنه الزمان الكوني الذي لا يتقيد بشمس أيّ بلد لا يعيّنه وقت ولا تحدّه آلة. أما المكان فلئن غاب عن معظم القصص فإنه تعيّن في أقاصيص قليلة من ذلك مثلا مقر الموقع الالكتروني في قصة «القملة التي لم ترتكب الفاحشة» و «الدماران» وقد يكون مكانا أوسع مثل مخيم الجلزون أو مدينة مثل رام الله في قصة «العار». لكنّ هذا الحضور كان ضروريا فقط لتأطير الأحداث فأحداث القصص السالفة لا تتقيد بهذه الأمكنة بالذات إذ يمكن أن تكون في أيّ مكان آخر. وغياب المكان في بقية القصص دليل على إصرار الكاتبة على إطلاقية القضايا التي تتناولها.
أما في مستوى اللغة فإن القارئ ينتبه إلى أنّ «ميس داغر» لم تلتجئ إلى أصولية اللغة في صفائها البلاغي القديم ولكنها أيضا لم تسقط في براثن العامية بل اتخذت بين تلك وهذه سبيلا فجاء أسلوبها مناسبا في غير تصنع ولا ترذيل يأخذك فيؤاخذك على عدم معرفتك بألفاظ أسهل مما كنت تتوقع. إنها لغة في انسيابيتها ترنو إلى العالمية فتتشبث بها. وحتى التشابيه التي تتوسل بها لتقريب الصورة هي تشابيه مصدرها خارج الإطار البيئي المعيش من ذلك مثلا «مثل محارب فيتنامي قديم» و «رباطة جأش كولونيل». لقد اكتشفنا من خلال مقومات السرد أن «ميس داغر» ترنو إلى العالمية لتعود إلى المحلية من جديد إضافة الى تناولها قضايا لا تخص بلدا محددا لكنها في الوقت ذاته يمكن تكون قضايا تشغل الناس في فلسطين من ذلك الحرية الإبداعية والغباء السياسي والعلم في مقابل الحب والمجاعة والكثير من القضايا الأخرى التي تعتبر مشاغل إنسانية مشتركة.
هكذا تبين لنا أنّ «ميس داغر» اتجهت صوب العالمية في حركة معكوسة لمقولة ماركيز «العالم يبدأ من قريتي» فالمحلية عندها في المجموعة القصصية «ما جرى في الدومينيكان» ليست نقطة بداية وإنما هي الغاية من الذهاب مباشرة إلى العالمية. ولعل ذلك يعود أساسا إلى كونها من الجيل الفلسطيني الحديث الذي يريد أن يثبت ذاته على الصعيد الإبداعي داخل الوطن وخارجه.
إنه الجيل الذي وإن اعترف بالاباء المؤسسين فإنه يرى من الواجب تجاوزهم ولا يمكن له ذلك إلا إذا انعتق من سلاسل المحلية لأن الآباء انطلقوا من المحلية الى العالمية فإذا سار هؤلاء الشباب المبدعون على نفس النهج فإن حضن الآباء سيعصرهم بدل حمايتهم لذلك خيّروا تغيير طريقتهم في الإبداع ولعل «ميس داغر» رغم محاولاتها الاختباء وراء لعبة المخاتلة السردية أرادت أن تثبت للجميع أنها من بين الرموز الفاعلة إبداعيا من خلال قصتين بدت لنا مفسرة لغائية احتماء الكاتبة بالانزياح إلى العالمية أما الأولى فهي قصة «الماكينة» فقد وضعت فيها جيليْ الكهول والشيوخ وتركت الشباب خارجا إشارة منها إلى أنّ التنميط الإبداعي أصاب الأُول بينما انفلت الشباب من ذلك فعاشوا أحرارا إبداعيا واستطاعوا التحرر من سلطة التنميط الاجتماعي والثقافي والإبداعي. أما القصة الثانية فهي «الحقيبة» أين تتولى الشخصية الرئيسية تفكيك أعضاء أبيها بعد موته وتنظيمها وفق رغباتها هي. إنها الصورة الرمزية لقتل الأب الإبداعي وتجاوزها ومحاولة نحت كيان خارج جلبابه وبعيدا عن سلطته.
إنّ «ميس داغر» مبدعة فلسطينية حاولت في مجموعتها القصصية «ما جرى في الدومينيكان» أن تنزع نحو العالمية فتوخت سبلا بكرا بأن اتجهت رأسا إلى العالمية عن طريق الإطلاق والتعميم وكان ذلك في مقومات السرد واللغة والقضايا. إنها تنتمي إلى جيل أراد أن يؤسس لنفسه طريقا لم يطرقه الأوائل فكأننا بها تخاطبنا بصوت عال «أذهب بعيدا لأبقى قريبا”.
لقراءة قصص مختارة من المجموعة برجاء زيارة الرابط التالي:
أضف تعليق