كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

قراءة متأخرة لرواية “وحدها شجرة الرمان” لسنان أنطون.. لماذا كل هذا التحامل على الشريحة الأكبر في العراق؟



أحمد البغدادي


حفلت رواية “وحدها شجرة الرمان” للروائي والمترجم العراقي المقيم في أميركا، سنان أنطون، الصادرة عن منشورات الجمل عام 2014 ٬ بالكثير من التنوع في الصور الفنية والمعلومات المفصلة التي استفاض بها استعراضا لصفحات من حياة بطل الرواية، على الرغم من مغادرته العراق قبل أكثر من عقدين من كتابته للرواية. ولكن ثمة خللاً أو تشوهاً في بعض الصور التي عرضها، ربما يعود إلى طريقة استيعابه للمعلومات المستقاة من وسائل الإعلام العربية المتنوعة عن مجريات الأحداث التي شهدها العراق قبل وبعد عام 2003، والتي كانت على الأعم الأغلب متحاملة على الشريحة الأكبر من العراقيين، وتمتلك مواقفاً مضادة من عملية التغيير، خِشية من وصول ارتدادات التغيير إليها، أو ربما وقع الكاتب ضحية رأي أو تأثير ممن أعانوه في مهمة البحث والتقصي.
برع الكاتب٬ وهو من الديانة المسيحية٬ في وصفه التفصيلي لعملية غسل وتكفين الأموات ودفنهم والإجراءات والطقوس والجوانب الفقهية ذات العلاقة ومن يقوم بها واختلافها بين المذاهب، ووصفه لطقوس زيارة الامام الكاظم٬ كما هو الحال أيضاً في وصفه لمدينة السماوة وبحيرة ساوة٬ إضافة إلى عرضه المؤثر لهمجية المحتل الأميركي في تعامله مع الشعب العراقي.
تناولت الرواية أيضاً المشهد العراقي المعقد بعد أحداث التغيير عام 2003 وما مرَّ به العراق من منعطفات جسيمة على الصعيدين السياسي والإجتماعي، وما استتبع ذلك التغيير من احتدامات وصراعات واضحة المعالم أدت بالتالي إلى تطاحن طائفي مقيت، أفرزت الكثير من الممارسات والنتائج السلبية على صعيد أغلب فئات المجتمع العراقي، كما تناول ظاهرة الهجرة من العراق صوب المنافي هرباً من موت يتربص في كل منعطفات الحياة. بموازاة تلك الأحدات تطرق أنطون إلى حرب صدام ضد إيران خلال عقد الثمانينات، وفقدان البطل لشقيقه في تلك الحرب العبثية، فضلاً عن الحصار الأميركي والأوربي على الشعب العراقي في عقد التسعينات.
يمكننا تسجيل جملة ملاحظات على الرواية، تُؤشر بمجموعها إلى بعض ما أراد الكاتب إيصاله إلى القراء، بشكل مباشر أو غير مباشر لتترك أثراً شاخصاً لدى القارىء، ولتساهم لاحقاً في رسم مشاعره وعواطفه ومواقفه إتجاه الأحداث والأفراد والجماعات والمذاهب والقوميات في العراق ودول الجِوار، وسياساتها المعلنة والمخفية في آن ضد شريحة معينة من الشعب العراقي، حيث نجد بشكلٍ واضح النظرة السلبية السوداوية والقاتمة لعراق ما بعد عام 2003 بالمقارنة مع ما قبلها، التي حرص الكاتب في التقليل من ظلمها واضطهادها وآثارها المدمرة على العراق: شعباً وأرضاً وحضارةً، مقارنة بما أسهب في وصف حال العراق بشكل مأساوي بعدها. والمفارقة هنا أنَّ الكاتب نفسه هو أحد ضحايا إجراءات النظام آنذاك٬ حيث أُجبر على مغادرة العراق بعد غزو الكويت وهو لما يزل شاباً في مقتبل العمر.
بالغ الكاتب في ذكر أعداد الموتى والقتلى الذين يتم تغسيلهم في المغيسل بعد عام 2003، في الوقت الذي كانت فيه موجات الضحايا والقتلى في حرب النظام السابق ضد إيران تتوافد إلى مغاسل الموتى في كل محافظات العراق من أقصاه إلى أقصاه. (ولكن الموت في تلك السنين “زمن صدام” كان مُقلاً وخفراً بالمقارنة مع موتى هذه الأيام) ص 10. (لكن الرسائل “الموتى” تتراكم كل يوم يا أبي! أضعاف ما كان يمر عليك حتى في أسبوع كامل يمر عليّ في يوم أو إثنين) ص 11.
في سياق الرواية ضخَّم أنطون من أخطاء سياسي ما بعد عام 2003 مقابل تجاهل يبدو متعمداً لأخطاء وجرائم مسؤولي النظام ما قبله٬ وكأن الحكام القدامى كانوا يعيشون بين الشعب ويشعرون به!. بالمقابل أدان الكاتب بشكل مباشر السياسيين الجدد، وأبرز موقفاً واضحاً ضدهم (كنتُ أشك كثيراً بهؤلاء القادمين من الخارج بعد سنين طويلة، فالكثير منهم جاؤوا مع الدبابات والميليشيات أو جاؤوا لجني الأرباح والفوز بسبق صحفي أو فني ثم ينسوننا) ص 150، فهل كان مجيء حزب البعث للسلطة في 1968 إثر ثورة شعبية؟ (كنا ظننا ان قيمتها “حياة الانسان” قد وصلت الحضيض في عهد الدكتاتورية وإنها ستستعيد شيئاً من قيمتها، لكن العكس هو الذي حدث) ص 151.
لابد من الإشارة أيضاً إلى النظرة السلبية التي يصف بها الكاتب الطائفة الشيعية ضمن أحداث روايته، فهم سبب خراب وبلاء العراق، بينما لم يتم الإشارة إلى أي دور لبقية مكونات الشعب العراقي التي ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في تأجيج التطاحن الطائفي، وتوفير حاضنة وبيئة للإرهاب٬ وصولاً إلى اتخاذه منهجاً ومساراً لها، مستهدفين الاف الأبرياء في مدن وسط وجنوب العراق تحديداً. (في اليوم التالي للتفجير تم العثور على أكثر من مئة جثة مجهولة في بغداد، لم يزداد معدل الجثث في المغيسل. فكّرت برفاقي المغسلجية من السُنّة على الجانب الآخر من هذا الوادي والذين تختنق ساعاتهم الآن بالموت والماء) ص 188، في حُكمٍ صريح وسريع من الحدث إلى أن القتلة هم من طائفة معينة والضحايا هم من طائفة أخرى.
حاول الكاتب التلميح إلى أن من حكم العراق، قبل 2003 وما بعده، إنما هم من الشيعة حصراً، وهذا إجحاف وتزوير واضح للحقيقة، حيث ذكر في حوار البطل مع قريبته حول هذا المعنى (ذكَّرتْها غيداء بأن عدد المسؤولين الشيعة في دستة المطلوبين التي أطلقها الأمريكان كان يفوق عدد السنة) ص 209، كما يحمّل المسؤولين الشيعة ما مر به العراق من مآسي وفواجع بعد التغيير، 209 (ذكّرتُها بالمليشيات التي أحرقت جوامع السنّة وبالسجون السرية وقصص التعذيب بالثاقب الكهربائي وبكل البعثيين الذين كانوا سُنّة وكُرد ومسيحيين وختمتُها بمثالي المفضّل بأن الصحاف شيعي لو لا؟) ص 209.
يتهكم الكاتب في روايته على معتقدات الشيعة حصراً دون الطوائف الأخرى، مشيراً إلى زيارتهم إلى المراقد المقدسة، واصفاً تلك الزيارات بنوع من السخرية والعبثية واعتبارها من الخرافات. (أكثرتْ أم حمودي من زياراتها للكاظم، فهو باب الحوائج ولا يخيب أمل من يتوسل به، ونذرَتْ أن تمشي إلى النجف إن عاد حمودي … ولم يعد حمودي حتى بعد أن مَشتْ أمه ثلاث مرات إلى النجف) ص 153.
يخفق الروائي في الإشارة إلى دور دول الجوار في إرسال الإنتحاريين وإحداث الفتنة والتطاحن الطائفي في العراق، فلم يتطرق إلى من ساهم بأدخالهم إلى العراق ونَشر ثقافة التفخيخ والانتحار وسط الجموع البشرية في الأسواق الشعبية والمدارس والمستشفيات وملاعب الأطفال وأماكن العبادة. (فكرتُ بهذا الذي فجر نفسه وأزهق أرواح عادل وكل هؤلاء، ترى مَن يكون؟) ص 229، فهل حقاً أن الكاتب لا يعرف من أين جاء هؤلاء الانتحاريون ومن أدخلهم إلى العراق؟. من جهة أخرى يغفل الكاتب عن الإشارة المنصفة إلى حوادث مهمة ومواقف مصيرية ومفاصل حاسمة مرت على العراق، فحرب صدام ضد ايران عام 1980 التي استمرت ثمان سنوات، وأسفرت عن مآسٍ وكوارث يصعب حقاً معرفة قساوتها، لم يشر لها الكاتب إلا في إشارات مختصرة جداً. كما تناول بشكل خجول الحِصار الإقتصادي الظالم الذي استهدف الشعب العراقي حصراً، حيث حاصرت أميركا والغرب الشعب العراقي لأكثر من عقد من الزمان، مما سبّب، مع حرب الثمان سنوات، في انهيار منظومة القيم والأخلاق والتعليم في المجتمع، وهو ما أنتج بالضرورة أحداث العنف والتطاحن الطائفي بعد 2003.
يدين الكاتب سنان أنطون المسار السياسي الذي أعقب التغيير الذي حدث في العراق موجهاً سهامه إلى السياسيين واصفاً إياهم بأن معظمهم من السياسيين المجهولين غير المستحقين لما تسنموا من مناصب (كان مجلساً خليطاً عجيباً من أسماء لم نسمع بأغلبيتها من قبل) ص 130. متناسياً أن أغلب الأحزاب المشاركة كانت قد قدمت الكثير من الشهداء في نضالها الطويل ضد الدكتاتور ونظامه القمعي، على مدار عقود من الزمن.
أخفق الكاتب في تسلسل أحداث ومصطلحات في متن الرواية، حيث أشار إلى أن احتراق آبار الكويت كان عام 2003 بينما كان ذلك في 1991، كما أخطأ في وصفه لتسلسل طقوس الصلاة على الميت وتلقينه ودفنه، كذلك في إشارته الواردة في الرواية حول ظروف تأسيس حزب الدعوة الإسلامية٬ وأنه كان رد فعل لانتشار الحزب الشيوعي، وهي معلومة غير صحيحة، فتأسيس حزب الدعوة كان نتيجة لوجود وعي ديني لدى شريحة من الشباب وفسحة من حرية العمل السياسي، فضلاً عن أن الحزب لم ينل تعاطفاً من غالبية المراجع الدينية.
تساهم الرواية في تشكيل نظرة ووعي وفهم القارىء، العراقي والعربي والأجنبي، لطوائف المجتمع العراقي وتشكيل مشاعره وعواطفه ومواقفه منها، مما يجعل القارىء أن يخرج بنتيجة، تتراكم تدريجياً وبشكل تصاعدي وغير واعي، تتلخص بموقف سلبي ومضاد من الشريحة الأوسع من الشعب العراقي٬ وأنها هي سبب خراب العراق وتخلفه وتأخره، سابقاً ولاحقاً، وأن الطوائف والقوميات الأخرى كلها ليست إلا ضحايا.
وأتسائل، أنا القارىء العراقي المعذّب والمهجّر والمهاجر، لماذا يدسّ الكاتب كل هذه الأكاذيب والإفتراءات والتزوير للواقع، وبكل هذا التحامل والحقد، بكتابة رواية لتوثيق أحداث لايزال بعض من اكتوا بها أحياء، من يتامى وأرامل وثكالى٬ وما الذي دفعه ليستغل هذا العمل الروائي في التجنّي على المكون الأكبر للشعب العراقي، الذي دفع كغيره من الطوائف الأخرى ضريبة مقاومة الدكتاتورية قبل 2003 والإحتلال بعد 2003، حيث حصد هذا المكون والشريحة الأكبر قبوراً جماعية ضمت مئات الالاف، من شبابهم وشيوخهم وأطفالهم ونسائهم، ملئت أرض العراق من شماله إلى جنوبه؟
من الجدير الذكر أن الكاتب هو عراقي مسيحي غادر العراق عام 1991 ولم يبلغ الـخامسة والعشرين من عمره، ويقيم في مدينة نيويورك الأميركية مذاك، حيث يعمل كاتباً ومترجماً وأكاديمياً، وقد أصدر عدة كتب توزعت على الشعر والرواية والترجمة.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.