كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

إنّهُ شِعرٌ دُبِّرَ في لَيل..

تقديم بقلم: حكمت الحاج

عواطف محجوب: كاتبة قصة قصيرة، ناقدة وإعلامية من تونس. صدرت لها مجموعة قصصية بعنوان لاعب الظل عن مومنت للكتب والنشر عام 2021.

تأتي عواطف محجوب إلى القصيدة محملة بإرث صعب من السرد المنهك، كما في “لاعب الظل”، مجموعتها القصصية الأولى التي صدرت عن “مومنت للكتب والنشر” بلندن عام 2021. هناك، كانت اللغة صلبة جارحة تمشي إلى الحقيقة بلا مواربة الإنشاء ولا مخاتلة المشاعر السائلة الملتفعة بإنسانية زائفة، فكانت قصصها تفضح السقوط البشري وانحطاط القيم وانتهاك الحرمات، ولا تمنحه فرصة لكي يستجلب القبول او التسويغ تحت أي ظرف كان.

أما هنا، في مجموعتها الشعرية المفاجئة هذه، “تلوكني العتمات” الصادرة توا عن مشروع “كتاب كناية” 2022، والتي نقوم بتقديمها اليوم، فإن عواطف محجوب اجترحت لنا شكلا آخر من نهش الروح وخرمشة المشاعر، لكن عبر لغة منسابة أنيقة، أكثر التصاقا بالأنا المتكلمة، ودون أدنى محاولة منها نحو التسويات أو الترضيات، فجاءت القصائد كلها متراصة في سياق تتابعي، خادع في زمنيته، بينما لا أحد سيعرف إن كانت احداها تسبق الأخرى أو تلحق بها عبر زمن هو المسيطر في خطاب الشعر المبثوث في الثنايا والزوايا وأطراف الكلام.

تقترح عواطف محجوب علينا، بعد عنوانها الآسر المعبر عن عمق الأسى، “تلوكني العتمات”، عنوانا فرعيا ثانيا، أتت به ليصف لنا جنس الكتابة التي تدهمنا بقوة ونحن نطالع هذا الكتاب، فإذا هو “نصوص ليلية”، وإذا هي كتابة “قد دُبِّرَتْ في ليلٍ بهيمٍ” غائرٍ في النفس والوجدان، راسمة للنصوص المكتوبة على وفق شِرعتها هذه ان تكون قد كتبت حصرا في زمن الليل، وأن يكون كاتبها شرطا، لوحده، لا أنيس له سوى الليل، ولا جليس. وأن تخرج الذات من أسار تلك الغابة الموحشة صارخة نحو الآخر أنك اليوم طِلبتي وأني لمدركة إياك مهما انزويت خلف الكلمات.

فقط لو كان الأمر بسيطا بتلك البساطة، للتجول في الحياة مع رائحة الورود بين يدينا، لكانت الحياة أجمل. لكن العوائق تسود، والأبواب توصد، وهناك دوما من يأتي ويسحق الحب ويدوس على الأحلام بأحذية الجند أو بسنابك الخونة.

يخبرنا هذا الكتاب بأن الأخطاء تقع، ويبقى الندم هو خلاصنا. الانتصارات ومضات لا تدوم، لكنها قد تسمح لنا بإلقاء نظرة خاطفة على الطريق قبل أن يحل الظلام. لقد باغتتنا عواطف محجوب بهذه الإضمامة من القصائد. فبينما نحن انشغلنا بسردياتها وأقاصيصها وحكاياتها، إذا بها تمسك بخيط من الليل وتغزله في العتمة وتحوكه أنشوطة تصطاد بها النجمات الشاردة. إنها سرد للعذابات المتوحدة، وإنهُ لَشِعرٌ دُبِّرَ في ليلِ الكلام ليقول عن الشاعرة أكثر، وليهاجمنا في بغتتنا، نحن قراءها، أكثر، بقوة وقسوة أحيانا، وبحنو النسائم في ليالي الجنوب التونسي أحيانا أخرى.

إن قصائد “تلوكني العتمات” تنشد الرفقة والحب والطريق رغم وحشيتها البادية من لغتها، وإن عواطف محجوب لتقول لك أيها الإنسي المتعب أن لا بأس إن اعتززت بعمرك القصير أثناء مهمات الحياة التي لديك مع الآخرين، لكن، كنْ مستعدا دوما للسير وحدك في ظلمة العتمات.

مختارات من ديوان “تلوكني العتمات”:

من رسائل الليل..
عمت مساءا يا صاحبي
في المابعد
إنّ الأحوال لم تتغير، ناقصةٌ في ما كانت عليه
الصيف كعادته قاحل دبق
والساسة في سجالهم اليومي
ينثرون القمح على أكتاف الحصادين
منشدين لهم التحية الأولى
حماة الحمى يا حماة الحمى
تتوتر الأقدام، تعجن الحَب بالطين خبزا
وتلهج الحناجر المختنقة بالغبار
نموت نموت ويحيا الـ…
هم رياضيون تخونهم دائما
الخطوة الأخيرة قبل القفز بالزانة.
يا صاحبي
جارتي المريضة ما زال منبه أنينها يرتفع في نفس الساعة من الليل
أحياناً يتسلل فتق النسيان إليها فيربط ذاكرتها
وتصير الوجوه التي تعودها مجرد جلد متشكل
دائرة مظلمة هو الذهول، لا باب للطوارئ فيه
الأسر يستسلم للداء
ويغفل عن سؤالها الدائم: كم الساعة الآن؟
أما نسوة الحارة فما زلن على عهدهن،
يرفعن أثوابهن للصيف والفضول والحيل الصغيرة
التي توقع عاشقة في الشباك
ومسكينا بثت زوجته نقصانها للملأ.
الصيف يا صاحبي مكيدة كالحب
لمن يستلذ عناق الشتاء الطويل
ولا يسبح في البحر بل يقصده
حافيا في الليالي الباردة.
أبحث عنك في القر والدفاتر المهمشة
في أوراق السجل المدني
كل الأسماء مثبتة إلا أنت يا صاحبي
أقول كيف إذن أبحث عمن يشبهني
كيف أثق في ظل يشاطرني لعنة يومية
أطلقها على السياسة والحر والحب.
لطالما كان الحزن دافعا والوجع معززا
والفراغ احتمالا للسقوط
كان ينقصني نوع من التوازن لهذا خطفتَ بلحظة رأسي
جئتَ كبيرا راجح العقل
تعاتبني لأنك ولدت في الصيف الذي صرت تكرهه مثلي
أنا يا صاحبي تخنقني الأنفاس اللاهثة
وكلمات الحب الممجوجة والعناق
صورة سريالية فحمها أراقه العرق
وطاولة مستساغة من رسم للدائرة
أحداق مكورة من طول الشرب والسهر.
البارحة قلتُ لأنوح قليلا عل الريح من كهفها تأتيني طائعة
وأركب إلى البعيد حيث يتلاعب الثلج والغيم الداكن
ومطر يثير حزني ورغبتي القاتلة في الكتابة بلا نَفَس
فلم تبك سوى الصور القديمة وهي تنحشر في ضيق القلب عنوة.
نسيت أن أخبرك يا صاحبي أنني
أسكن التواءات الريح
أنا كورديليا يتقاطر جمودها على الحجر
تاريخ يتناسل القادم منه
والمغادر تفترشه الفرضيات المرفرفة
وعيون متلصصة.
الزمن وقت ضائع
العمر قيد راهن
العادة رسن الحكاية
والندم عقاب الأبرياء.
يا صاحبي، منذ زمن
وأنا انتظر غفلة الشمس الأولى لأراك
مذ ظننت أنني امتلكت خطيئة الشعراء
ستكون قصيرا ومرئيا مؤنسا
وتسكن خفقا صرصرا مثلي
ولم أفطن أنني من شدة ضيقي
أنك غادرتني فغادرتك
تلاشينا
سحابة في تلابيب الوهم
حين أشعلت أمي
نور غرفتي لتسألني كم الساعة الآن؟
أمي لا تهتم للعالم أبدا
هي فقط تخاف من الحر والجمر
مذ بدأت الأزمة، تبحث عن السكر
وتقتحم خلوتي كلما رأتني أتكلم إلى ظل.

تلوكني العتمات..
أكلما غضب الليل
عضضتُ من الجوع نفسي
وأكلت نصفي
ونصفا مني تلوكه العتمة؟
أركض حائرة كالخيل
تصهل ذاكرتي
بين هوامش اليوم والتاريخ
وأوراق لفظتها اللغة
يحملني بلا إذنٍ السيلُ
ظلام يقطع أنفاسي
جرح بارد بخصر ساعاتي
يدميه الحنين.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.