بقلم ر. سمعان (باريس)


أتابع منذ عام المؤلَّفات التي ينشرها الباحث جوزيف الياس كحَّالة. فمنذ شهر أيلول من عام 2021 وشهر أيلول 2022، نشرت دار نعمان للثقافة أربعة مؤلَّفات لهذا الباحث الفذّ، الغزير الإنتاج، كان أوَّلها “المتروبوليت ناوفيطوس إدلبي” في 302 صفحة، فـ “الكاردينال غريغوريوس بطرس الخامس عشر أغاجنيان، ومختصر سِيَر بطاركة الأرمن الكاثوليك” في 176 صفحة، ثمَّ “مدخل الى تاريخ الرهبانيَّة الباسيليَّة الشويريَّة الحلبيَّة البلديَّة، النّشأة والبدايات” في 190 صفحة. واليومَ يتحفنا كحَّالة بكتاب جديد عنوانه “وجوه سريانيَّة كاثوليكيَّة، الجزء الأوَّل” في 352 صفحة. ومجموع صفحات تلك الكتب يتجاوز الأّلف صفحة، وكأن جوزيف الياس كحَّالة، قسَّمها على أربعة فصول السنة، لكل فصل كتاب.
وجوه سريانيَّة كاثوليكيَّة
أمَّا كتابه الصادر أخيرًا عن دار نعمان للثقافة، والمُعَنوَن “وجوه سريانيَّة كاثوليكيَّة، الجزء الأوَّل”، فيتضمَّن سِيَر خمس وخمسين شخصيَّة سريانيَّة عاشت ما بين القرنين السادس عشر والحادي والعشرين، تنوَّعت بين رجالات دين وعلمانيِّين، معظمهم من بلاد الشام بعامَّة، مع قلَّة من العراق (على أن يضمَّ الجزء الثاني من الكتاب غالبيَّةً من رجالات العراق). وجميع تلك الشَّخصيَّات تركت أثرًا طيِّبًا في عطاءاتها الفكريَّة والأدبيَّة. فكانت نورًا في ظلمة حالكة، وساهمت في نهضة الشعوب، كما ساهم الأجداد في قيام النهضة الفكريَّة والأدبيَّة والطبيَّة في العصر الذهبي للإسلام.
تصدير المِطران سمعان
صدَّر الكتاب سيادة المطران مار يعقوب إفريم سمعان، النائب البطريركيّ للقدس والأراضي المقدَّسة والأردن للسريان الكاثوليك، الذي كتب: “ولعلَّ المميَّزَ في هذا الكتاب هو تنوُّعُ الشَّخصيَّات المَذكورَة ليس بين الإكليروس والعلمانيِّين المؤمنين بدورهم الرِّياديِّ في حُبِّ الكنيسة ونهضتها فحَسْب، بل أيضًا بين الرِّجال والنِّساء، والعديدُ من تلك الشَّخصيَّات لم أسمَعْ بها مِن قَبْلُ. فالكنيسة لا تحلِّقُ إلاَّ بجَناحَيها، الإكليروس والعَلمانيِّين… “.
مقدِّمة الأديب نعمان
أمَّا مقدِّمة الكتاب، فأتحفنا بها الأستاذ الأديب ناجي نعمان، صاحب دار نعمان للثقافة. وقد جاءت نبذةً تاريخيَّةً عن السريان منذ غابر العصور إلى يومنا هذا. وقد دعَّمت ما احتواه الكتاب لجهة الدور الذي مثَّله السريان عبر التاريخ، وما زالوا يُمثِّلونه إلى اليوم. وقد تنقَّل نعمان بين محطات التاريخ السريانيّ، بدءًا من العهد المسيحي الأوَّل، وانتشار اللغة السريانيَّة، فالانشقاقات الدينيَّة، ثمَّ محاولات الاتحاد مع روما، وصولاً إلى دور السريان في النهضة العربيَّة.
خمس وخمسون شخصيَّة
ويتضمَّن الكتاب، كما ذكرنا أعلاه، خمسًا وخمسين شخصيَّة، رتَّبها الكحَّالة ألفبائيًّا، لكنَّه اتَّبع منهجية جديدة في ترتيبه، اذ إنَّه بدأ مؤلَّفه بأن وضع أوَّلا العائلات السريانيَّة العريقة في الفكر والأدب والعمل الإنساني، ثم بعد ذلك قدَّم لنا باقة من الشخصيَّات المنفردة التي برعت في عدَّة مجالات. وقد نهج في مؤلَّفه هذا – كما في سائر مؤلَّفاته – المنهجيَّةَ العلميَّة الدقيقة في تقصِّي المعلومات وبرمجتها وإعادة تبويبها. فها هو يقدِّم لنا أشهر الشخصيَّات من عائلة أرملة التي برز منها المؤرِّخ الأب اسحق أرملة؛ وعائلة أيُّوب التي اشتهر منها الأديب والواعظ الأب باسيل أيُّوب؛ وعائلة جروة التي أنجبت بطريركَين للكنيسة السريانيَّة الكاثوليكيَّة، بالإضافة إلى عدد من الأساقفة؛ وعائلة ربَّاط التي اشتهر منها القانوني إدمون ربَّاط؛ وعائلة سباط التي برز منها أمير المخطوطات الأب بولس سباط؛ وعائلتَي شدياق وشلحت اللتان أنجبتا العديد من رجالات المعرفة والأدب، وعلى رأسهم البطريرك جرجس شلحت؛ وعائلة طرَّازي التي برز منها العلامة الفيكونت فيليب دي طرَّازي، مؤسِّس دار الكتب الوطنية في بيروت.
تاريخٌ في شخصيَّات
هذا، ولم يأتِ الكتاب ليعرِّفنا بأسماء تلك الشخصيات وآثارها الفكريَّة فحَسب، بل قدَّم لنا جوزيف الياس الكحَّالة أيضًا صفحاتٍ من تاريخ الكنيسة السريانيَّة الكاثوليكيَّة، فها هو يسرد علينا العديد من الحوادث التاريخيَّة التي قامت في عصر تلك الشَّخصيَّات. فنراه يخوض في بعض التفاصيل التي لا بدَّ منها ليطَّلع القارئ على كثير من الأمور التي يجهلها. ففي الصفحة 147 مثلاً، يعرِّفنا أنَّ اسم عائلة “شلحت”، كلمة سريانيَّة تعني باللغة العربيَّة “المرسل”، وهي مشتقَّة من كلمة شليح السريانيّة، والتي تعني باللغة العربيَّة “الرسول”؛ وفي الصفحة 320، يكشف لنا عن أن غريغوريوس يشوع مصر شاه هو أوَّل مَن قام في العصر الحديث (في القرن السابع عشر) بتأسيس مدرسة سريانيَّة في حلب، تُعلِّم اللغتين، السريانيَّة والعربيَّة. كذلك يذكر لنا، في الصفحة 325، أنَّ متصرِّف جبل لبنان فرنكو باشا عيَّنَ لويس صابونجي مدرِّسًا لأولاده، وأنَّه أوَّلُ رجل دين مسيحيٍّ يُنشئ في القرن التاسع عشر مجلَّة أدبيَّة. أمَّا رجل القانون إدمون ربّاط فقد أفرد له كحَّالة فصلاً هامًّا من الكتاب. فنراه، في الصفحة 111، يعرِّفنا بهذه الشخصيَّة اللامعة التي مثَّلت دورًا هامًّا في تدريس مادَّة القانون الدستوري في عدَّة جامعات. وبعد ذلك، ينقلنا، في الصفحة 113، الى مقال هامٍّ كان قد وضعه باللغة الفرنسيَّة معاصرُ ربَّاط وصديقه عبد الله نعمان. ويقول الكحَّالة في الحاشية الرقم 2 من الصفحة 113 إنَّه أستأذن الأستاذ عبدالله نعمان لنشر المقال.
سهولةٌ ومنهجيَّةٌ علميَّة
إنَّ أسلوب جوزيف إلياس كحَّالة السهل، ومنهجيَّته العلميَّة، ينقلان القارئ الى صلب الموضوع، وهذا ما يجعله يشعر بمتعة وشوق الى البحث عن المزيد من المعلومات في متن الكتاب، بخاصَّةٍ أنَّ ثمَّة الكثير من الشخصيَّات الواردة في الكتاب يجهلها الكثيرون من الناس. وهذا ما يؤكِّده المطران مار يعقوب إفريم سمعان في كلمة التصدير، فيقول: “العديد من تلك الشخصيَّات لم أسمع بها من قبل.. “. وهذا دليل الى دقَّة كحَّالة في البحث والتحرِّي عن الشخصيَّات في بطون المصادر التي بحث فيها، ممَّا يعكس لنا سعة فكره وتعدُّد آفاقه الفكريّة. أمَّا عن الحواشي التي جاءت في الكتاب، فهي كثيرة، وإن دلَّت على شيء فهي تدلُّ على تعمُّق الكحّالة في بحثه، وحرصه الدائم في تسليط الضوء على الشخصيَّات المذكورة في صفحات مؤلَّفه. وبذلك يصبح مؤلَّفه هذا مصدرًا لكلِّ باحث في هذا الباب. وأنوِّه هنا بأنَّ جوزيف إلياس كحَّالة، بمنهجيَّته الأكاديميَّة في الكتابة، قد أسَّس مدرسة خاصَّة به في هذا مجال العمل الكتابي.
***
أخيرًا، نشكر الباحث جوزيف إلياس كحَّالة على كشفه لنا شخصيَّاتٍ سريانيَّةً من تراثنا العربيّ المسيحيّ، كان لها الدَور الهامّ في بعث النهضة الفكريَّة العربيَّة المسيحيَّة، بدءًا من القرن السابع عشر، وحتَّى يومنا هذا. وبعمله هذا، أضاف الكحَّالة بحثًا جديدًا إلى المكتبة العربيَّة، بلغة سهلة، ينالها الجميع. ونحن نشدُّ على يده ليتحفنا بالمجلَّد الثاني الذي ننتظره بشغف، ونهنِّئ دار نعمان للثقافة، بشخص صاحبها الأستاذ الأديب ناجي نعمان، التي عوَّدتنا دائمًا نشرَ الكتب القيِّمة.
أضف تعليق