كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

تمثلات الثيمة في السرد..

قراءة في المجموعة القصصية “ظمأ شديد وجنون” للكاتب التونسي فتحي رحماني

عواطف محجوب


عرّف النقاد الثيمة على أنها التكوين الرئيس للنص، بمعنى هي الموضوع العام الذي يجدل عليه محتوى ما. وتتمظهر من خلال سلسلة من الأفكار والكلمات التي تنتمي إلى معجم معين يحمل أبعادا إيحائية ومنطقية. يمكنني القول هنا أن الثيمة هي كالمظلة التي تنتظم تحتها مجموعة من الأفكار المتكررة بطرق مختلفة حول موضوع واحد داخل عمل ابداعي ما. ومن خلالها يمكننا معرفة منظور وآراء الكاتب حين يستعرض الوقائع والأحداث المنبثقة منها. وعبرها يتحدد الخطاب اللغوي ليصب في موضوعها المختار، بداية من تراكيب الجمل واستعاراتها وصولا إلى الحقول الدلالية التي تتوالد على مدى كل متن. وبها تتحدد الكيفية التي ستكون عليها الشخصيات، ملامحها ونفسيتها وهيأتها الخارجية وحدود حركتها باعتبارها المحرك الأول للنسق السردي المحمل بالإيحاء والمعنى. وتتدخل الثيمة أيضا في تحديد خصائص الأطر المكانية والزمانية لتتماشى مع باقي العناصر السردية، والأجواء العامة التي تميز كل نص بما يتطلبه الموضوع.
تبدو نصوص كتاب ظمأ شديد وجنون للكاتب فتحي رحماني أنها مجموعة سردية تنوعت بين القصة القصيرة والخاطرة والقصة القصيرة جدا وأحيانا المقالة وبعض من الشعر، وقد نظن أن لا رابط بينها سوى الدفتين وتوالي الصفحات، ولكن في حقيقة الأمر كل هذه النصوص معلقة في الحلقة الغليظة الأولى من سلسلة العتبات ألا وهي العنوان “ظمأ شديد وجنون” ، باعتباره الباب الأول الذي يمكّننا من معرفة الثيمات التي ظللت النص، وأعطته نوعا من الشرعية لعدم تجنيسه. ومثلت الخيط الرابط بين هذه النصوص السردية. تلوح لنا ثيمتان رئيسيتان في الكتاب هما الظمأ والجنون. وهي تقريبا نفس المفردات التي يتكون منها العنوان. هاتان الثيمتان تراصت تحت مظلتهما مواضيع فرعية كثيرة على غرار الحب والمرض، الكتابة والهوس، التوحّد والخلود، التهميش والعنف، التعذيب والسجن… مواضيع دعت العقل للتفكير والتمحيص في كيفية ربطها بكل ثيمة، نظرا لما حوته من ثراء في الطرح وتنويع في المرجعيات المعرفية الجمة كالتاريخ والفلسفة والجغرافيا والشعر… في هذا المقام نستعرض تمثلات كل ثيمة داخل المجموعة السردية ظمأ شديد وجنون للكاتب فتحي الرحماني على المنوال التالي:
ثيمة الظمأ: يُعرّف الظمأعلى أنه جفاف في الحلق يولّد ألما جراء الحاجة لشرب الماء أي هو العطش، أو هو الشوق لشيء مُفتقد وغير متاح، يُطلب بشدة بسبب الحرمان منه. ونجد أن أول مرغوب مفقود في مجموعة “ظمأ شديد وجنون” هو الحب. حيث أن معظم الشخصيات متعطشة للحب وتحتاجه بشدة، من أجل أن يصبح لحياتها معنى وأثر إيجابي، لكن للأسف معظمها يعيش حبا من طرف واحد أو حبا ممزوجا بالشفقة أو فشلا في الحب. فالمصاب بالتوحد ظمآن إلى حب صادق من الآخر، لا يخالطه شفقة أو تعاطف، بالحب وحده سيقدر ذلك الآخر اختلافه ولن ينظر إليه على أنه حامل لقصور أو إعاقة. يقول الكاتب في نص “أنا والتوحد: كم كنتَ وحدك” ص48: “تعاطفك قد يؤذيني وحتى رقّتك وحنانك قد لا أقبلها بنفس الشعور، إذا لم تقدّر أنني مختلف فلن تنفذ إلى كرتي البلورية التي تحتضنني وتحميني كرحم أم أحتمي به كلما أزعجني عالمكم”. أمّا العاشق المحبّ فتهجره حبيبته، وتسافرإلى إيطاليا بعد أن التقيا وتحابّا في واحة توزورس لدرجة أنه رغب في تخليد قصة حبه لها “سأنقشها على سعف النخيل الباسق وأخطها على حواشي السواقي” ص22. وهكذا يبقى كل من يطلب الحب عطشا، كلما اقترب من معينه يكتشف أنه مجرّد سراب.
وبالمضي في نصوص المجموعة السردية تقابلنا عدّة شخصيات ظمآنة إلى الحرية. منها من هو سجين قابع خلف القضبان الحديدية، ومنها من أُطلق سراحه من السجن لكنه هائم في محاولات التحرر، فلا ينجح بالنسيان ولا بمصالحة نفسه مع ماضيه فيعيش بندوب السجن مطبوعة على جسده وروحه لأن ” ذاكرتك تأبى النسيان، كل الرعب يمنعك من النسيان، وآثار السجن التي تحملها معك على جسدك كالوشم تمنعك من النسيان” ص83. ويستمرّ العطش، هذه المرة يبوح لنا الراوي الذي هو البطل في نفس الوقت بعَطشه للكتابة. فللسرد غواية سلبت لبّه. وبالرغم من محاولاته المتكررة فقد عجز عن ممارسة فعل الكتابة وحين ” مضى عليه حين من الدهر لم يكتب فيه حرفا واحدا ولم تسعفه الكلمات” ص15. صرف فكره عن الكتابة. وأقرّ بفشله، وبقي دونه والكتابة أوار لا يرتوي من شدته يتحول إلى جنون. في قصة كلاب الحراسة، وبنفس درجات العطش يمضي المحقق في أتون المعرفة والإطلاع بعد أن وجد نفسه يحقق في قضية غامضة لتنفتح أمامه أبوابا كانت مجهولة عنده. إذ طفق يقرأ الكتب والمراجع بلا هوادة: “تناول المحقق حزمة من الحرائد والمجلات المصادرة من بيت الضحية… كل هذه الصحف والمجلات لها صلة ما بالكاتب، في بعضها مقالاته، وبعضها الآخر يتحدث عنه وعن أشيائه، مقاطع مترجمة وفصول منتقاة من كتب معروفة، مقالات رأي في مسائل متشعبة… وخطر للمحقق أن يتصفح المواقع الإلكترونية… قرأ فصولا من المخطوط… ” ص72 و 73و74. كان القصد أن يجد حلا لقضية قتل فوجد نفسه عائما في بحرالبحث والمعرفة. يمكن القول أنّ الظمأ خيّم على كل تفاصيل العيش. فمن الشخصيات من هي ظمآنة للحياة، بها تتوق للسفر واكتشاف الضفة المقابلة من المتوسط، متعطشة لتحقيق الأماني والأحلام وضمان حياة كريمة تليق بالإنسان، لكن للاسف الشديد كل ذلك لا يحدث. وتبقى الشخصيات رهينة الحرمان والقهر القسري، بما هي انعكاس للواقع المرّ. هذا الظمأ الشديد الذي احتل النصف الأول من الكتاب تلاه الجنون، حيث أن المعادلة الطبيعية تقول أن شدة العطش يؤدي إلى الجنون. وللجنون صور شتى رسمها فتحي الرحماني نستخلصها.
ثيمة الجنون: يمكن تعريف الجنون على أنه فقدان التوازن الطبيعي والانحراف عن الواقع بسبب فساد في العقل أو زواله، فينتج جراء ذلك اختلال وعدم اتساق في الفعل والقول. والجنون هو الثيمة الثانية في مجموعة الكاتب فتحي الرحماني، اُبتليت به الشخصيات البطلة لأسباب إجتماعية وثقافية وفكرية، ويمكن اعتباره حادث نفسي ناتج عن وقائع فاقت القدرة على التحمل البشري. ما خلف أفرادا مشوهين لا يغادرهم الشعور بالقمع والعجز والقهر الشديد. ولقد تجلت ثيمة الجنون عبر عدة صور نذكر منها: جنون الكتابة، حيث أن الكاتب تتلبسه لحظة الكتابة حالة أشبه بالجنون، بل هي الجنون عينه. فيرى ما لا يُرى، ويسمع ما لا يُسمع. لكأنه يعيش في عالم مفارق مليئ بالهلاوس البصرية والتهيؤات والخيالات، فتتحول قصته التي يكتبها وهي محض خيال إلى واقع جلي. يسوق لنا الكاتب فتحي الرحماني نموذجا عن ذلك الكاتب في قصة كلاب الحراسة: “كان نباح الكلاب يُسمع على بعد مائة صفحة من أنامله، توقف لحظات وأرهف السمع، يميّز بين أصواتها لكنه لم يعرها اهتماما” ص65. أيضا هناك جنون العنف، إذ يصاب الإنسان بنوع من الهستيريا التي ترتقي إلى درجة الجنون، تجعله يصل إلى هدر الدماء وارتكاب جريرة القتل بوحشية، لدرجة أن المحقق يصدمه مشهد الجريمه الذي صوّره الكاتب كمخرج سينمائي” كان المشهد فظيعا ، دماء وأشلاء تغطي المكان. رائحة الدم المسفوح تبعث على الغثيان، أشلاء آدمية وأشلاء كتب، ومزق أوراق ودفاتر، وأحشاء الكنبة تختلط بأحشاء الضحية. بعض من إسفنج الحشايا وشيء من دم متخثّر وريش نعام متطاير في أنحاء الغرفة وبقايا أمعاء وقطع من كبد ممزقة” ص66. كما نجد جنونا آخر أصاب بعض الشخصيات، ألا وهو الجنون الذي يفترس ضحيته بسبب السجن والتتبعات الأمنية. إذ يُصاب كل من دخل السجن أو شملته الرقابة الأمنية باختلال عقلي أو خبل جرّاء وحشية التعذيب وسوء المعاملة التي تسلبه حريته . وتقضي على قيمته كإنسان له كرامة وكيان محترم. فلا يبقى منه سوى ظل يعيش على الهامش. يقول الكاتب في قصة بصمة: “أنا شخص بلا ملامح منذ زمن” ص77. وفي قصة نسيان يقرب لنا الكاتب الصورة. يقول: “تكره جسدك حين يغدر بك ويتهاوى أمام صفعاتهم وركلاتهم، ويحرمك من لحظات الراحة النادرة. حتى الموت الذي فيه خلاصك نادرا ما يعرج على السجن وقليلا ما يتذمر أن هنالك أرواحا تحتضر في ذلك المكان. الموت يتواطأ معهم، تطلبه فلا تدركه.” ص82. ولا تسل عن جنون الوسواس حين يصيب أحدا، ففي قصة تشكيل، وبعد أن شاهد البطل فيلم فرانكشتاين مرات، وقرأ رواية المسخ. هجمت عليه وساوس جنونية خشية أن يتحول إلى مسخ، متذكرا جنون البحث العلمي الذي استنسخ النعجة دولي ومنه دق ناقوس الخطر الداهم الذي يستهدف البشر. يقول الكاتب فتحي الرحماني في قصة تشكيل: “كوابيس لا تنقطع حاصرتني فيها مسوخه، وفي البداية كنت أنهض مسرعا لأتأمل وجهي في المرآة أني مازلت أحتفظ بهيئتي التي فارقتها قبل أن أنام. وكان السؤال المرعب الذي لازمني منذ التعرف على تلك الآثار، ماذا لو استيقظنا يوما وقد تحوّلنا إلى حشرات؟ ص89… فعندما احتاجوا وحوشا صنعوا فرانكشتاين وحوّلوا غريغوري المسكين إلى حشرة ضخمة قميئة، وعندما احتاجوا خرفانا استنسخوا النعجة دولي. وكل يوم نحن في مسخ جديد”ص90.
ابتدأ المشوار بالظمأ وانتهى بالجنون، وفي ما بينهما رحلة لا تنتهي من الإغتراب، مَن ركب تلك الرحلة يفقد نفسه، ولا أحد يخرج منها معافى. فالظمأ والجنون موت صغير يبعثر أثار كل من يحاول إقتفاء طريق الحياة، ذاك الذي يحيا في الظلام كأنه لم يكن يوما. ثيمتان قدمت لنا شخصيات مهزوزة تعيش على هامش الحياة، وظرفيات زمنية متحولة من الإتساع إلى الضيق، ومن الجمال إلى القبح، ومن الألفة إلى الغربة. وهي في مجملها انعكاس للواقع الذي يعيشه الكاتب، واقع سوداوي لا قيمة للأخلاقي فيه أمام العنف المتصاعد والسطوة المادية. إذا يمكن القول أن الثيمة في عمومها هي مزيج من الأفكار الذاتية والجماعية تحمل بعدا اجتماعيا عاما يتجاوز الفئات الضيقة. أو كما قالت ديانا داوبتفاير: ” الثيمات القوية لا تنتمي إلى عصر أو طبقة، إنها كونية”. الكاتب فتحي الرحماني كتب أجزاء صغيرة من كل ثيمة، ورغم تنويعاته فإن الثيمة تبقى شاسعة كالسماء نظرا لكونها تحمل مرجعية سيسيولوجية وإنتروبولوجية عامة منها تنطلق المواضيع التي تتناول الإنسان ككائن محوري في الكون.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.