نامق سلطان
نص الشهادة الشعرية التي تقدم بها الشاعر العراقي نامق سلطان إلى الندوة التكريمية التي أقامها فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات يوم 26 ديسمبر 2022 احتفاءا بتجربته الشعرية المتميزة ضمن تاريخ الشعر العراقي المعاصر، والتي شارك فيها من فلسطين الكاتبة ميس داغر ومن تونس الكاتبة عواطف محجوب ومن تونس ايضا الدكتورة ثريا الهادي سوسية، وادار اللقاء الإفتراضي هذا وأعده الشاعر العراقي حكمت الحاج.
يولد الشاعر في لحظة لا يختارها هو. لحظة أقرب ما تكون إلى ورطة عبثية، فيجد نفسه أمام مشهد ملتبس، وغالباً لا يعرف من أين يبدأ ليفهم المشهد. لحظة تشبه الدخول إلى أرض طينية مغشوشة بعشب أخضر، ليجد نفسه وقد غرزت قدماه في الطين، عندها لا يكون خروجه إلا بأن يتخلى عن شيء ما؛ وقاره، خوفه، بعض المبادئ الملقنة سلفاً، أو على الأقل حذاؤه، لينجو من الغوص أكثر. هكذا وجدت نفسي بعد أن تجرأت، وأنا في السابعة عشرة من العمر، على تجاوز الشواطئ الدافئة لقراءة الشعر إلى تجربة كتابته. وكنت قبل ذلك، ومنذ طفولتي المبكرة أمارس الرسم بشكل دائم معتمداً على موهبة فطرية، وكان لهذه التجربة أثر في استئثار الصورة الشعرية على كثير من عناصر الشعرية في كتاباتي اللاحقة. وكان هناك التراث الشعري العربي الذي طوّفت في أروقته المتاحة أثناء الدراسة الثانوية، ودخلت بعض غرفه المعتمة باللغة العسيرة فلم أجد إلا القليل مما يعجبني من الشعر. فالشعر في القصيدة العمودية يتقافز من الأبيات المتناثرة هنا وهناك ولا يمنح القارئ فرصة أن يتأمل في جماله بتروٍ، فهو ما أن يقفز من بيت حتى يتلاشى في انتظار أن يقفز في لحظة شعرية أخرى. كما أن نفوراً غريزياً من الرتابة التي تفرضها الأوزان والقافية عزز عدم تفاعلي إلا مع القليل من الشعر العربي التقليدي، وكنت أخص بالقراءة المراثي أكثر من سواها، لما تحمل من وجع إنساني، ثم الوجدانيات التي تهتم بالوصف كقيمة شعرية لا يمكن تجاهلها.
أما الشعر الحديث، فلم أتعرف عليه إلا بعد أن تجاوزت الدراسة الثانوية. فقد كنت مولعاً بقراءة أشياء أخرى أكثر من ولعي بقراءة الشعر؛ الفلسفة والتاريخ والفكر السياسي والديانات وغيرها. لذلك فقد دخلت إلى الحداثة من أبوابها الفكرية والعلمية قبل أن أتعرف على الحداثة الأدبية والفنية. فالتعرف على الحداثة الأدبية والفنية يحتاج إلى مصادفة ومحيط ثقافي مختلف عن المحيط الذي عشت فيه، لأن المناهج التعليمية تفرض القديم والتقليدي وتتجاهل الحديث. لقد دخلت من أبواب الحداثة مبكراً بفضل اهتمامي بالفلسفة ونزعتي العلمية وتشربي الحرية من نشأتي في الطبيعة المفتوحة على السماء والنهر والحقول الممتدة في واد فسيح لا تسد آفاقه العمارات العالية ولا الشوارع المزدحمة ولا الخوف من سلطة التاريخ والخرافات. فذهبت إلى شعر التفعيلة، وكان حالي فيه أفضل من سابقه بقليل. فالخروج على العروض لم ينقذ أغلب شعراء التفعيلة العرب من الرتابة في الإيقاع والنبرة الانفعالية والركون إلى البلاغة التقليدية ومحدودية المواضيع. كما أن هناك من وقع تحت تأثير التنظير لينتج نصوصاً جافة خالية من الروح. مع ذلك وجدتُ شعراً جديداً فيه من الجمال والإثارة ما يسد حيزاً من الحاجة إلى الجمال، لكنه حيز صغير على أية حال. ومن ذلك الشعر ما اصطلح عليه بقصيدة النثر، والذي حوى نماذج راقية إلى جانب كم هائل من الهراء.
بقيت على هذه الحالة مدة ليست قصيرة، أقرأ وأجرب الكتابة وأحاور أصدقائي دون أن اطمئن إلى ما أكتب، بالرغم من أنني لم أجد صعوبة في نشر ما كتبت في المجلات الأدبية والصفحات الثقافية في الجرائد. ثم كان الكشف الكبير في سياق بحثي عن الشعر فوجدته في الشعر المترجم. وفي ذلك مفارقة لم أكن أتوقعها لسبب مقبول وهو ارتباط الشعر باللغة، ولسبب آخر، اتضح لاحقاً بأنه غير مقبول، وهو ما يروج له دائماً بأن الشعر لا يترجم، وإن الترجمة خيانة. الشعر المترجم من مصادره المختلفة شغل، ومازال، الحيز الأكبر من حاجتي الى الشعر. فمن الشعراء الذين أتوق لقراءتهم؛ سان جون بيرس، إيف بونفوا، ريلكه، صلاح ستيتية، جورج شحادة، أوكتافيوباث، تشارلز سيميك، جورج سيفيريس، وخصوصاً يانيس ريتسوس الذي وجدت في شعره تطابقاً كبيراً مع ذائقتي. لقد وجدت في الشعر المترجم حساً إنسانياً يفتقر إليه كثير من الشعر العربي وهدوءاً يدفع إلى التامل أكثر مما يدفع إلى الإنفعال، تلك الصفة التي لازمت الشعر العربي في قديمه وحديثه. ثم تأكد لي من خلال الشعر المترجم بأن “الشعر ليس له مسقط رأس” كما عبرت في أحدى قصائدي.
في هذا البحث الدائب، أيقنت أن الشعر يبدأ من لحظة التقاء حميمية بين التجربة الأنسانية واللغة. اللغة التي تحتاج إلى ترويض كي تنساق مع حرارة التجربة الحياتية في ساقية تغذي نباتات الشعر التي تنبت على طرفيها. إن علاقة اللغة بالأشياء لابد أن ترتقي على علاقاتها الاستهلاكية كي تمتلك طاقة قادرة على حمل الروح الشعرية المتوهجة بطبيعتها. ومن هنا يأتي الغموض في الشعر والفن عموماً، حيث لا يمكن وضع حدود نهائية لمعنى التجربة الشعرية وطريقة تحولاتها من حالاتها الذهنية والوجدانية إلى مظهرها المادي الذي يمثل على الورقة. في الشعر هناك دائماً علاقة ملتبسة بين الكلمة ومعناها المباشر، بين الصورة وانعاسها في المخيلة، بين الحدث والذاكرة، والقدرة على اكتشاف هذا الألتباس ربما هي العنصر الذي يمنح النص الشعري طاقة روحية تجعله متجددا وعصيا على الأستهلاك. كما تأكد لي أن كتابة القصيدة هي عملية بناء مركبة باللغة، فكلما صعدتُ إلى الأعلى أحتاج إلى إعادة النظر فيما تم بناؤه، وكثيراً ما يخضع ذلك البناء للتعديل أو التغيير أوالحذف. وقد أجد في نهاية الأمر أن البناء مخلخل، أو أن هيئته ليست مُرضية، فيتم تجاهله.
في العام 1988 كتبت قصيدة قصيرة بعنوان “غريق”، وقد افتتحت بها مجموعة “إقحوانة الكاهن”، وفيها وجدت ما كنت أبحث عنه في الشعر. وكانت تلك بدايتي الثانية، مما جعلني أتجاهل كل ما كتبته خلال السنوات الأثنتي عشرة السابقة على تلك القصيدة ومنها ما هو منشور في صحف ومجلات أدبية. بعد إصدار “إقحوانة الكاهن” في العام 1995 ببضع سنوات، وجدت نفسي في أزمة أخرى مختلفة، وربما مجموعة أزمات، قادتني إلى التخلي عن الكتابة والابتعاد عن الوسط الثقافي. من تلك الأزمات؛ الشعور بلا جدوى الكتابة، واستهلاك وقتي في عملي كأستاذ جامعي في تخصص هندسة الحاسوب، لما يتطلبه هذا التخصص من الحاجة إلى تكريس كثير من الوقت لمتابعة التطور السريع في علوم الحاسوب، علاوة على الأزمة المعيشية والتضييق على الحريات التي قادتني إلى ترك العراق سنة 2002 والعمل في الأردن حتى سنة 2010.
في العام 2015، وجدت نفسي في محيط شعري جديد وبين عدد كبير من الأصدقاء الحقيقيين والإفتراضيين في عالم الفيسبوك، مع كم هائل من النصوص التي يمكن التنقل بينها بسهولة مما حرضني من جديد على الكتابة وتكريس أكثر وقتي لذلك، وكانت نتيجة هذه المرحلة أربعة دواوين؛ “ترقيع الأمل”، 2016. “مثل غيمة بيضاء” 2019، “قريباً من الأرض” 2020، وأخيراً “كأني أمشي على حبل” 2022. والجدير بالذكر أن ديوان “ترقيع الأمل” يضم قصائد “إقحوانة الكاهن” مضاف إليه القصائد المكتوبة بعد صدور الديوان الأول حتى العام 2016.
تكريم الشاعر نامق سلطان في ندوة فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات
أضف تعليق