محمود العبسي
تَقولُ قَابِلَتي:
كُلُّ الَّذين ولِدُوا معكَ ليلتَها قد مَاتُوا
كُلُّ الَّذين ولِدُوا من قبلِكَ
ولدُوا بلا أبَوَين
كُلُّ الَّذين ولِدُوا من بعدِكَ
ولدُوا بلا أطرَاف
ولِدتُ في الثَّمانِينيَّات
لأسُرَةٍ قَرَويّةٍ من أبَوَين فقيرَين
لكنَّهُما أغنى عبَادِ الله
حُبًّا
وطيبةً
أمِّي باعَت سِوارها الذَّهبيّ
لتشتَري لنا ثيابَ العيد
لتشتَري لأختي مِشطًا
لتشتَري لأخي جَورَبًا
لتشتري لي صَلصَالًا
لأعجنَ حُلْمي كما أشتَهي
لتشتَري لي مُسَدَّسًا بلاستيكيًّا
لأحرُسَ الوردَةَ مِن الصَّقيع
أمَّا أبي فقد باعَ سَاعَتهُ اليدَويَّة
ليقْتنِي لنا تذاكرَ القِطار
وتحت جَناحيهِ خبَّأنا
قائلًا: كُونوا بخير، أكُنْ سعيدًا.
كُونوا سُعداءَ، أكُنْ أقلَّ حُزنًا.
مِنْ يومِهَا رسَمْتُ ساعَةً على مِعصَمِي
كُلَّما استحمَمْتُ مِنْ غُبار المَسافةِ
وضعتُ قبضة يدي في فَمي
كُلَّما أردتُ أن أعرف كم السَّاعةَ الآن:
نَظرتُ إلى وجه أبي
نَظرتُ إلى شيبه وانحناءَات نُخاعه الشَّوكيّ
نَظرتُ في تجاويفِ كفَّيهِ
حينَها أعرف أنَّ الوقتَ حادٌّ كمِشرطٍ
ومُرٌّ كالوداع.
أضف تعليق