كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

إشكاليتا سنّ البطل وموضوع العمل في رواية “الرهينة” لزيد مطيع دماج..


ميس داغر


ما من شك في أنّ الكاتب اليمني زيد مطيع دمّاج خطّ روايته “الرهينة” ببراعة لافتة على مستوى الرواية العربية، مع هذا، فإنّ ملامح ارتباك قد تراود القارىء في جانبين أساسيين من العمل عند قراءته.
قبل الحديث عن هذين الجانبين، ربما من المنصف التذكير بأنّ الأعمال الأدبية، شأنها شأن سائر الإنتاجات الإنسانية، لم ولن تبلغ الكمال وإن كانت تصبو إليه. لذا، فنقدي هذا لا يقلل من شأن الرواية بحالٍ من الأحوال، بل هو محاولة لفتح باب النقاش حول مفاصل أشكلت عليّ فيها، ليس أكثر.

الإشكال الأول: عمر البطل
الإشكال الأول في العمل هو سنّ بطل الرواية. وبما أنّ سن البطل هو حجر أساس في هذا النص تحديدا، فإنّ وضوحه يكتسب أهمية قصوى في مجريات الأحداث.
منذ مطلع النص الروائي، يوضح المؤلف في أكثر من موضع أنّ الصِبية الرهائن الذين يتم نقلهم من قلعة القاهرة إلى قصور الإمام ونوابه للخدمة يجب أن لا يكونوا وصلوا سن الحلم، والذي هو في غالبية المراجع سن 14 سنة. إذ يقول على لسان الراوي في الصفحات الأولى من الرواية:
“من شروط الدويدار أن يكون صبياً لم يبلغ الحُلُم” هكذا كان يقول أستاذنا الفقيه، السجين أيضاً معنا…

ويُدلل المؤلف من خلال أكثر من مشهد في بداية الرواية على أنّ البطل وزملائه الرهائن في القلعة هم في أعمار أصغر بكثير من هذا السن (الذي هو 14 سنة)، وهو ما يفسّر جهلهم وحيرتهم بشأن الأمور الجنسية التي يفقههم فيها الشيخ، أو الفقيه. إذ تتكرر في هذا الشأن على لسان بطل الرواية عبارات مثل :

“وعندما تبدو علينا الحيرة” … “فنزداد حيرة أكثر” … “ونحتار أكثر أيضا” … “غير مفهوم يا سنّا الفقيه” …

وعندما يقول الراوي: “كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار ثم عادوا إلى قلعة القاهرة مرة أخرى لبلوغهم الحلم – كما يقول الفقيه – يحكون أشياء غريبة وعجيبة علينا” فإنه – أي الراوي- يؤكد على أنّ فترة خدمة “الدويدار” أو الرهينة في القصور يجب أن تبدأ وتنتهي قبل بلوغه الحلم. والمفروض أنه بناءً على ذلك التحديد، تم اقتياد بطل الرواية إلى عمله كدويدار. مع هذا، فمنذ بداية عمله كدويدار، يُظهر الصبيّ، بل وزميله أيضا، جوانب تشكك القارىء في حقيقة سنّهما. بعض هذه الجوانب تجلى في المناقشات والردود بينهما، وبعضها تجلى في المونولوج الداخلي للبطل، وجوانب أخرى تجلت في مشاعره تجاه الشريفة حفصة ومن ثم علاقته الجسدية بها. وفي الحقيقة تكثر الأمثلة على ما أقول.. من بينها، عندما يقول في أحد المقاطع:
“لم تشعر بي حقاً، ولا بوجودي داخل غرفتها مع صاحبي. هذا أكيد. ما زال قدّها الفارع يتماثل أمام مخيلتي وهي تتلوى كأفعى سلسة الملمس، وربما كغانية من الحور العين. لم أكترث تلك الليلة لفحيح زهراء مع صاحبي، وهمسها المثير الذي كاد في وقت مضى أن يصيبني بالجنون. لا أدري كيف علقت في كل حواسي وكياني ومشاعري .. هذه حفصة. نعم، الشريفة حفصة!”.

وفي مثال آخر يقول: “ووثبتُ غاضباً لكي أخرج سريعا. لكنها أمسكت بكتفي وجذبتني نحوها فالتصق جسمي بجسمها وشعرتُ بأنفاسها تتوالى لاهثة… وقبلتني حتى كدت أن يُغمى عليّ.ومرفت أمامي وقد جذبتني بيدها نحو مكانها المفضل.
وأقفلت الباب، ووضعت يدها فوق عنقي لكي تذيبني في قبلة أخرى، لتذيبني بعدها كمعدن مصهور في أتون صائغ أو حداد. ورشفت من بدها أجمل القبل. وتلمست يداي جسمها الرخو الذي كنت أحلم به منذ زمان. وهجعت معها في لذة صاحت لها ديوك الفجر..”.
وغيرها الكثير من الأمثلة الممتدة إلى نهاية الرواية، والتي تُبيّن أنّ البطل هنا لا بد وأن يزيد عمره عن 14 عاما، في أقل تقدير، وهذا يتنافى أصلاً مع الشرط الأساسي لعمله في القصور.
مع ملاحظة أنّ هذا الاشتراط العمري اختار الكاتب أن يُقيّد نفسه به، ولو لم يفعل، أي لو لم يُقيد نفسه به، لتلافى هذه الإشكالية تماما. أو لو أنه قدّم صيرورة واضحة ومتماسكة لنمو فِعلي وفني لشخصية بطل العمل، لكان برأيي ربما نجح في الخروج من هذا المأزق. يمكن لنا أن نقارن هذه الشخصية مثلا بشخصية البطل في رواية الخبز الحافي لمحمد شكري، حيث يسير القارىء هناك مع تطور الشخصية بسلاسة تخلق منطق في أفعالها بالنسبة إليه.

في رأيي أنّ المؤلف قد انتبه إلى مسألة السنّ الإشكالي لبطل العمل، فحاول منذ الصفحات الأولى رمي الكرة في ملعب القارىء من خلال التكرار على لسان البطل في أكثر من موضع على كونه لا يعرف عمره الحقيقي. لكن لا أظن أنّ محاولته كانت مقنعة. مثال:
وفجأة سألني النائب مباشرة:
– كم عمرك؟
– لا أدري
– أو لم يؤرّخ لك في مصحف أو كتاب؟
– الفقهاء في بلادي يؤرخون لأولادهم فقط
– وأنتم؟
– نؤرخ لمواسم الزراعة .

الاشكال الثاني: موضوع الرواية

الإشكال الثاني الذي واجهته في هذه الرواية هو تحديد موضوعها الرئيسي. هل هو عمالة الأطفال الرهائن واستغلالهم جنسيا، أم هو علاقة الحب بين البطل والشريفة حفصة، أم هو علاقة الصداقة الوطيدة بينه وبين زميله الدويدار الحالي، أم تراها تلك الحقبة الزمنية من تاريخ اليمن هي التي تشكّل الموضوع الأساسي للعمل؟!
في رأيي أنّ المؤلف غرف من كل موضوع من هذه المواضيع غرفاً يسيراً ولم يتمّه. إذ إنه مهّد في مستهل الرواية إلى موضوع عمالة الأطفال الرهائن واستغلالهم الجنسي المزدوج من قبل الذكور والإناث في قصور الإمام ونوابه. وظهر هذا كله في السرد الذي سبق بدء البطل مزاولة عمله كدويدار.
في الصفحات القليلة التالية، وحتى صفحة 38، نجد الكاتب قد زاوج ما بين موضوعه الأول الذي بدأه بشأن الاستغلال الجنسي للأطفال الرهائن في القصور، وموضوعه الثاني بشأن العلاقة العاطفية التي بدأت تتشكل بين بطل الرواية والشريفة حفصة. وفي الفقرة الخامسة من ص38 “مرّت الأيام ..الخ” ينهي الكاتب هذه المزاوجة بشكل مفاجىء، ليقفل الموضوع الأول من غير توضيح لطبيعة عمل الدويدار التي أثار في الصفحات الأولى التكهنات بشأنها، ويستمر في الموضوع الثاني. وخلال حديثه عن هذا الموضوع الثاني “علاقة البطل بالشريفة حفصة” يسرد الكثير ممّا لا شأن له بالعلاقة، فيجتزؤها بهذا السرد إلى بضعة مشاهد منفصلة تغيب عنها الاستمرارية القادرة على نقل الحمولة العاطفية المتوقعة إلى القارىء. لذا، فبرغم أنّ لهذه العلاقة خاتمة سردية واضحة في نهاية الرواية، إلا أنّ البتر الكثير من صيرورتها خلال الصفحات السابقة يجعلها غير مكتملة في وجدان القارىء.
الأمر ذاته ينطبق على موضوع علاقة الصداقة الوطيدة ما بين بطل الرواية وزميله الدويدار الحالي. فالعلاقة الخاصة بينهما تظل هامشية على امتداد النص، إلى أن يقوم المؤلف فجأةً بالتركيز عليها في نهاية العمل. وبرغم أنّ لهذه العلاقة نهاية سردية واضحة كما لسابقتها، فإنها هي الأخرى يغيب عنها البناء النفسي المتين خلال الصفحات السابقة، إلى درجة كافية للتشكيك في كونها الموضوع الرئيسي للرواية.
أما بالنسبة للحقبة الزمنية من تاريخ اليمن، تحديداً ثورة “الأحرار” اليمنيين في عدن، فيرسل الكاتب إشارات خجولة إليها، بشكل متفرق على امتداد النص، لكنّه هنا أيضاً لا يعطي هذا الموضوع ما يكفي من الحمولة كي نعتبره الموضوع الرئيسي للعمل. وبالنظر إلى مؤلفات الكاتب، يتضح أنّ هذه هي الرواية الوحيدة له، مع رواية ثانية لم تُنشر بسبب وفاته، إلى جوار خمس مجموعات قصصية. قد يمكن اعتبار هذا الطغيان القصصي في عالمه الإبداعي مؤثراً في طبيعة كتابته الروائية ومهيمناً عليها، وسبباً فيما رأيناه من فجوات مشار إليها في النص الروائي الذي بين يدينا. وفقاً لهذا الاعتبار، يمكننا التخفف من الإشارة إلى هذه الفجوات على أنها إشكالات، وإعادة النظر إليها بصفتها ملامح خاصة بأسلوبه الأدبي. وفي الحالتين تظل رواية الرهينة للكاتب زيد مطيع دماج إرثاً أدبياً وثقافياً مهمّاً على مستوى اليمن، وما جاورها من البلدان جغرافياً وتاريخيا.

* الرهينة، رواية، زيد مطيع دماج، دار الآداب، بيروت 1986.

* الورقة النقدية التي تم تقديمها في الندوة الحوارية التي اقامها فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات عبر تطبيقة زووم حول رواية الرهينة وشارك فيها د. عبد السلام الشاذلي، ميس داغر، حميد عقبي، عبد الجليل حمودي وحكمت الحاج. بتاريخ  11 ديسمبر 2022.



أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.