كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

المرأة وتمثلاتها في ديوان “بوهيمية” للشاعرة ميراي عبد الله شحادة..


عواطف محجوب

الورقة النقدية المقدمة في ندوة "فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات" والتي التأمت يوم 22 نوفمبر 2022 للاحتفاء بتجربة الشاعرتين اللبنانيتين مارلين وديع سعادة وميراي عبد الله شحادة. 


في داخل كل امرأة نجد وجوها كثيرة بملامح واحدة. فالمرأة الواحدة تبقى ذلك الكيان الواحد المتعدد، والحاضر بقوة في المجموعة الشعرية بوهيمية. والذي أبدعت الشاعرة ميراي شحادة في رسمه بطرق شتى داخل قصائدها. إذ سكبت من ذاتها وروحها ألوانا وأفكارا وأحاسيس وموسيقى، فتشكلت المرأة في كل مرة بطريقة حية واقعية. وحضرت حضور الأحلام والرؤى والضباب.
وإذا ما توقفنا عند وجوهها سنجد الشاعرة وقد التقطت لها صورا كثيرة ومتنوعة. ففي البدء تعترضنا امرأة معتنقة حكمة الأولين، امرأة حكيمة تقدم لنا عصارة معاركها في الحياة، تقول:
“علمتني الحياة أن أدمن خمرة ربيعها مهما عراني خريفها وصفعني شتاؤها/
علمتني الحياة كيف أحترق ثم أنبعث لأحلق كطائر الفينيق”. ص23.
امرأة رغم قساوة الحياة عليها لم تفقد قوتها وأملها وصمودها. فتعلمت درسا من كل تجربة كلما تقدم العمر بها حتى ارتقت إلى مصاف الحكماء. في المقابل وقفت الشاعرة كما نقف على الأطلال وهي تعود بنا إلى الصغر. إذا استحضرت طفولتها البعيدة فقدمت لنا امرأة طفلة، تلعب بدميتها التي أهداها إياها والدها منذ سنين، وغاب في الضباب. فكبرت وهي لا تريد أن تكبر. وظلت طفلة بملامح امرأة ناضجة أتعبتها الحياة. تقول:
“وفي كل عام أكبر/
يا نيسان ألف عام ص53″.
وما بين الطفلة الغرة والحكيمة المسنة، انبعثت امرأة بوهيمية شجاعة، تتوغل في المغامرة، لا تشبه المرأة النمطية في شيء.
تقول الشاعرة بهذا الصدد:
“أنا امرأة يا صديقي/
لم تتقن الطهو كباقي النساء….
فراحت تخلط النبيذ بالماء/
تارة تسكر وطورا تهذي. ص24و25″
كأننا بها امرأة من فرط ألمها تلبسها عدم الاهتمام لشيء، واللامبالاة تجاه وضعها المعيشي اليومي ومستقبلها الغائم. من البوهيمية تنبثق الشاعرة التي ليس لها سوى الشعر تنفثه في وجوه الطامعين. ليكون سلاحها الوحيد الذي يعبر بها إلى المجد. فها هي أمها تضع أمامها الاحتمال المؤكد وتقول لها:
“وإن كنت يا ابنتي شاعرة/
سيخافك آلاف الرجال/
لترتقي إلى الأعالي/
مزودك النور/
وعرشك السماء. ص 28″
إذا هي امرأة مقاتلة باللغة والكلام، تستطيع قول ما لا يقال وتحيا حياة ثانية يهبها لها القلم والأوراق بعيدا عن أي ضجيج.
ومن الطبيعي أن تكتب المرأة الشاعرة عن العاطفة والوجدان لتولد بذلك امرأة رومانسية عاشقة. تعبر عن مكنونها وحبها لرجل بلا وجل ولا خوف من رقيب أو عذول. وها هي تبث أمها شدة حبها وفرط لوعتها قائلة:
“أنا أهواه يا أمي
وأهوى التراب تحت قدميه. ص36″
المرأة بطبعها عاطفية، عاطفتها الجياشة أحيانا تجعل منها أنثى هشة وضعيفة لا وجود لها دون الرجل الذي تهواه، وبالتالي تصبح خاضعة لسلطة رجل، فيكسر كبرياءها ويقلص سطوة استقلالها. حتما هي امرأة واعية بهذا الوضع فتعاتب الرجل الذي ارتبطت به:
“تصقل بين الحين والآخر/
كثيرا كثيرا من كبريائي/
وأنا التي تحكم المجرات. ص37″
كأننا بها تعظنا حتى لا نخضع نحن معشر النساء لسلطان القلب، حتى لا نفقد بعضا من الحرية. فحرية المرأة من حرية الوطن. ومن الواجب القتال من أجله. إذ لم تخل المجموعة الشعرية من صور للمرأة الحاملة لهم الوطن والمحاربة من أجل الذود عنه ولو بالانجاب كأضعف الإيمان. تقول الشاعرة ميراي شحادة في هذا الخصوص:
“ننجب أبطالا بالعزم يا أمي
يردون أصلال الشر/
ونغرس الزيتون والحب والزهر
في كل صقع من لبنان
لنا نصر مختمر. ص37″
وفي سياق النضال نفسه نجدها امرأة لا تستقر، تظل تركض في سبيل تأمين لقمة العيش والدفاع عن وجودها، إلى درجة أنها استحالت رغيفا من الوجع، يشبع الأفواه الجائعة:
“أنا رغيف خبز /
من طاحونة الوجع قمحي. ص47″
وتظل في سعيها حتى لو خانت الريح الطواحين على حد قولها. قساوة الحياة أكسبت المرأة قوة ومقاومة جعلتها ندا للرجل حتى في العنف إذ تقول:
“سأبقى جزارة أعاندك/
في شدّ الحبال ومحو الجبال. ص80″
غير أن الأحزان لا تتركها. تهجم عليها دون موعد، فتوهن من عزمها لترتسم ملامح المرأة الثكلى عبر القصائد. إذ تتكرر الفاجعة بنفس الوقع فتعاتب قلبها المثخن:
“كم مرة عليك أن تعمدني يا قلب في جرن الأحزان… وأمزق جلباب صدري… ص91”
لكأنها هنا جمعت كل وجوه النساء وبكت بهم والدها الذي رحل باكرا جدا. وتتشكل من هذه المرأة إبنة وفية لأبيها. تكتب من أجله إحياء لذكراه حتى لا يموت، بل تذهب بعيدا في وفائها لتحيي أمجاده. فوالد الشاعرة ميراي شحادة شاعر، ترك إرثا شعريا عملت الابنة على إخراجه إلى النور. ليولد الأب من جديد ويحيا حياة نوعية جديدة. تقول الشاعرة:
“أسلمتها أبي راقدا في كومة من ورق/
فجعلت منها شهادة ميلاد. ص97″.
هذا الكم الهائل من العاطفة الجياشة حبا وعشقا ومحبة ووفاء جعل المرأة تتأرجح بين التبتل والألوهية. تارة تقول:
“مجدلية تائهة في دربي/
أزهد حبا فيك. ص39″
وطورا تصدح:
“أنا عشتار ربة الحب والخصب. ص73”
وهي دعوة لتبني الحب دينا لا زهد فيه.
هذا الحضور القوي والمتنوع للمرأة في المجموعة الشعرية “بوهيمية”، يترجم التوجه النسوي للشاعرة ميراي شحادة. حيث انطلقت من ذاتها الأنثوية وتوسعت عبر العالم. فأصبحت نموذجا نسويا حيا، من خلاله قدمت لنا الشاعرة رؤيتها للواقع، وحددت موقعها الاجتماعي والثقافي وتشكلات وعيها، وترجمت أعماقها كإنسان.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.