د. جوزاف ياغي الجميل
(قراءة ثانية مقارنة بين الشاعرتين ميراي شحاده ومارلين سعاده)
طيران إلى أبعد من الانتظار عنوان قراءة شعر
الصديقتين ميراي شحاده ومارلين سعادة.
طيران إلى عالم بوهيميّ بامتياز، عالم أرجوحة المدى، خلف أبواب الحلم المواربة.
بين للشاعرتين شحاده وسعادة قواسم مشتركة ثلاثة: الطيران والحلم والمحبة البنوية.
طارت الشاعرة الشحادية في عالم الحرية المطلقة، حيث لا ضوابط ولا حدود. وأسدلت ستائر صفيقة على أنظمة المجتمع البالية.
وانطلقت الشاعرة السعاديّة إلى عالم جديد، إلى سماء جديدة، لا صفات لها ولا حواجز أو سدود.
أما الحلم فكان معجمه واحدا في الديوانين: “بوهيمية” و”أبعد من حدود الوجود.”
وتبدّل الكوجيتو الديكارتيّ. أصبح شعاره الجديد: أنا أحلم إذا أنا موجود. أصبح الحلم صهوة جواد ينقل القارئ إلى لا وعي الكلمات.
هو الحلم درب الخروج من عالم الأحزان. أحزان سببها غياب الأب الحبيب، بل غياب الأمل بالهرب من الواقع المأسوي.
إنها مأساة الغياب التي سبّبها رحيل الأب، إلى جنة السلام. تلك الجنة التي وُعد بها منذ الأزل.
رحيل الأب أيقظ في الشاعرتين شعورين متكاملين: الخوف من الموت، وفقدان عامل الأمان.
الخوف من الموت أحدث شرخا مع عالم البشر، فتحولت الشاعرة شحاده إلى بوهيمية متشردة بعيدا من عالم البشر.كان انطلاق ميراي باتجاه المجهول، حيث لا سلطة للأنا العليا عليها، ولا قيود أو أنظمة.كأن الشاعرة أدركت، بحدسها الطفوليّ ، أن اكتشاف الذات لن يكون إلا عبر الشعر، رسالة الأنبياء والآباء.
الشعر وحده يوصلها إلى عالم الأب الغائب الحاضر، في غلالة السحاب/ السراب. أما الصديقة سعادة فكان حلمها أن تعبر جزيرة الموت، إلى عوالم مكللة
بالبهاء، حيث لا موت، ولا حياة. وأهم ما في الأمر أن الحلم طيران، بل سفر بل تشرّد، إلى عالم اللاوعي، في الأنا والآخر.
أما الحافز الأول لهذا الطيران فهو فقدان الأمان الذي تفجّر في داخل الأنا الباحثة عن اللذة الأبيقورية التي تتجاوز الألم، إلى الأمل. وما الأمل إلا تعويض عن غياب، الأب الحبيب.
ويعود الحافز الثاني إلى نرجسية كلّ من الشاعرتين. نرجسية تكشف ذاتها انطلاقاً من تمجيد الأنا، مرآة الوالد. وقد استطاعت الشاعرتان التماهي بالأب، بعدما اكتسبتا عظمته، وتوازتا معه في ميدان الشعر ونشر الكلمة.
تقول ميراي شحاده، في ديوان بوهيمية:
نحن قطرة وديمة وبحر
ثالوث أقدس من القداسة عينها
(، ص ٩٢،٩٣)
والنرجسية تتسامق في ذات الشاعرة، عبر ضمير المتكلم للجماعة،يضعها في مرتبة متساوية، أو تكاد، مع الأب الشاعر الكبير، ويرسم خطّا متصاعداً، من القطرة إلى الديمة، إلى البحر. والبحر في واقعه والحلم رمز للاتساع والعطاء والذوبان، إن لم يكن رمزاً للغرق، أو الإبحار أفقيّا وعموديّا، نحو عالم بعيد الأغوار، هو الشعر بحدّ ذاته، في قدسيّة إبداعه .
وتقول مارلين سعادة:
حفرت إسمي في قلب التاريخ
بشهب يراعي وبارق حرفي
وصرت الحكاية وصرت الرواية
… وبقيت وحدك نقطة ضعفي
إنها النرجسيّة التعويض عن الحياة في ظلال الأب الحلم/الذكرى الحب. ولعلّ نقطة الضعف هذه هي القيد الذي يمنع الشاعرة سعادة من الحرية والطيران إلى أبعد من حدود الوجود، إلى الشعر ، في عالم النور والانطلاق. ولكن حقيقة الأمر تكشف واقعا مغايرا، وهو أن نقطة الضعف هذه هي اليد التي تشدّ السهم إلى الوراء، كي ينطلق إلى الأبعد. نقطة ضعف شهرزاد/ مارلين حوّلتها من الهزيمة إلى عرش الانتصار:
“وصرت الحكاية وصرت الرواية”
إن طيران ميراي عبد الله شحاده كان في اتجاهين متضادين: اتجاه معلن وهو السفر زمكانيا ونفسيّاً نحو الأب. أما الاتجاه غير المعلن فهو الخروج من عباءة الأب، إلى غلالة الشعر، وبوهيميّة الحياة. والبوهيمية المقصودة ظهرت جليّة في شعر الشاعرة الحر، بعيداً من الأوزان الخليليّة المعروفة، والضوابط الشكليّة والمضمونيّة.
أما الشاعرة مارلين وديع سعادة فكان حلمها السفر شعرا إلى عالم بعيد، يتجاوز عالم حزن واقعها والمأساة. في ذلك العالم ستجد أباها، بل أبويها: وديع والشعر. وكأننا أمام صورة مقنعة لإلكترا الأسطورة النفسيّة.
تقول الشاعرة شحاده في ديوانها” يوم قررت أن أطير:
بين كفّيك، وعلى راحتيك ألد جنيني
أحبك وأحبك بكل الحواس…
(ص٦۰)
إنه الوصال الفكريّ يلد عبر المحبّة الفائقة جنين الشعر، وطفل الإبداع.
وتقول الشاعرة سعادة:
سَتَبْقى حاضِرًا في كَياني حَيْثما أَسيرْ…
ظِلا لِروحي،
نَبْضًا لِقَلْبي،
عُمْرًا لِعُمْري
هذا اللقاء الحلوليّ يكشف عمق الوله الذي يربط بين الشاعرة وأبيها. وقد ازداد عمقاً، بعد غيابه، في ما يشبه الانفصام الجسدي والروحيّ، وصولاً إلى الحرمان.
جانب مقابل ينبغي أن نضيء عليه، في العلاقة بين شخصيّتَي الشاعرتين وشعرهما. إنه محور الرسولية في الحياة والشعر، فتتحوّل حياتهما إلى عطاء وسفر ونضال، في الشعر والمجانيّة والوفاء. وهذه الصفات تُعدّ، في يومنا الحاضر، خروجاً على قوانين المجتمع المادّيّ، في بوهيميّة شحاده، وميتا وجوديّة سعادة.
وأسأل نفسي، أحيانا، عن سبب المقارنة بين الشاعرتين شحاده وسعادة. أتكون النزعة الأنثوية، في شعرهما، وتعلّقهما بالأب/الشعر/ الحلم، أم في خروج الاثنتين على النزعة البطريركية في الشعر والحياة? والشعر جواد كلّ منهما، في رحلتهما السندباديّة.
ميراي عبد الله شحاده ، مارلين وديع سعادة، إن رحلتكما المشتركة في عالم مجانية العطاء جعلت منكما القصيدة، في ديوان الحياة، والوفاء، والمحبّة. وحيث المحبة يكون الإبداع الحقيقي.
ميراي ومارلين رائع وفاؤكما للأب، ماتع عطاؤكما، ذائع توقكما والطيران إلى أبعد من حدود النور العرفانيّ.
حكمت الحاج، أيها الأديب حكاية الإبداع وحكمته، شكرا لك إضاءتك على شاعرتين رائعتين من بلاد الأرز، شاهدتين على عمق الروابط بين قداسة الزيت الكوراني، وإلهام العرق البجّانيّ، والتمر السيّابي، والحكمة الحمورابيّة.
والشكر موصول إلى الوردة التونسيّة الأبية، الأديبة عواطف المحجوب، على جهودها، في سبيل الإبداع، والشعر، وحوار الثقافات.
تحية من القلب إلى مجلة كناية للثقافة والإعلام، وإلى الصديق الكبير، رسول المحبة والعطاء، الأديب ناجي نعمان، الآتي على صهوة الحب، شهادة للبذل إلى أبعد من حدود المجانية والنقاء، وإلى الأديب والناقد المغربي، رضا نازه، أديب الصفوة والصفاء.
كم يليق بكم كلّ تقدير وثناء، وإلى اللقاء.








لمن يود الاطلاع على القراءة الاولى: https://wp.me/pdjjSK-xG
.....
أضف تعليق