كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

أبعد من حدود الوجود..

رضا نازِه

رضا نازة
ورقة نقدية مقدمة الى ندوة فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات والتي انعقدت يوم 22 نوفمبر 2022 للاحتفاء بالشاعرتين اللبنانيتين ميراي عبد الله شحاده و مارلين سعاده 



بداية أهنئ الشاعرتين بتجدد صدور ديوانيهما، إذ القراءة والاحتفاء بعثٌ وحياة جديدة تكتبُ لما كُتب وهي كذلك تجديد أمل في جدوى الكتابة في عالم ينحو نحو أمية مركبة تنسينا الوسائط العتيقة المتمهلة من قلم وحبر وورق، لأجل وسائط سريعة صورية محدثة طاغية حتى صار يقال إن نشر كتاب ورقي ضرب من الجنون.. لكنه يبقى جنونا محمودا مطلوبا..
لكن في الوقت نفسه لولا هاته الوسائط المحدثة لم أكن لأحضر بينكم وأشارككم أبعد من حدود وجودي الصغير. وها أنا ذا دخلت من الباب وتجاوزت العتبة واقتبست عنوان السِّفر والسَّفر الذي نحن بصدده. ومن وحي ذات العنوان أجدني ممتنا لجمعكم الطيب على هاته الفرصة للحضور والوجود بين وجوهكم النيرة، وللتواجد كذلك. وليس الوجود كالتواجد، وهذا يحيلني على النص الأول الموسوم “موعد مع أبي.” قلت ليس الوجود كالتواجد، وإن شاع الاستعمال خطأ وانزاح هذا ليدل على ذاك. ولئن كان الوجود حضورا فقط في مساحة وحيز محدود رامت المبدعة أن تحلق أبعد من حدوده، فإنه لا بد أن تكون آلة التحليق بوعي أو بغير وعي هي التواجد في انتظار تحقق الوجد وحلوله. وقد قيل من لم يجد فليتواجد. هذا مفهوم صوفي المقصود منه أن من لم يحس بالحال القلبي والذوق الروحي الناتج عن الدخول في الذكر فليتواجد. هنا تواجد بصيغة تفاعل على معنيين. معنى تبادلي بمعنى ضرورة اللقاء بمن يحلو الوجد ويحضر بمذاكرتهم، ثم بمعنى استدعائي يفيد الدخول والتقمص والاستعداد لذلك الحال والتظاهر به لاستحضاره، وهنا يكون التواجد بمثابة التهيأ لاستقبال الوجد لاستقبال الحال الروحية التي ستطير بك أبعد من حدود الوجود على أرجوحة تروح وتعود..
وهذا لب النص الأول للصديقة الأديبة مارلين “موعد مع أبي” وقد اختارت الشاعرة صياغة كل أفعال مطالعه المضارِعة مقترنة بحرف السين. وحرف السين المفتوحة تقترن بالفعل المضارع فتنقله وتخلص دلالته للاستقبال، وتقرب وقوعه وتهيئ حضوره، ويقال لها كذلك في اللغة سين التنفيس. وهي دون سوف التي تفيد التراخي من جهة الزمن ومن جهة قوة الطلب والطالب. فهي بين بين. تنفِّس وتتنفس بالسين، وهو حرف مهموس كأنه نفخة روح في الأقوال كي تستحيل أفعالا شاهدة وحضورا ووجودا. ولقد كررت مارلين في نصها حرف السين بقصد أو غير قصد وكأنه مقصود للاشعور الإبداعي ومصادفة ضرورية للبنية العميقة للنص. كررت الحرف لتبتعد من حدود الوجود بالتواجد والتهيأ .. ترى لأي شيء؟ لوجد حضور الأب، لوجدانه بعد فقد لإيجاده بعد فناء.. لعودته وإيابه فهو أب شيمته الإياب، يذهب ويؤوب الأوبة تلو الأوبة عند حاجة ابنته إليه.. وهي تسبقه إلى غرفة الجلوس، وكأنه مستلق هناك أصلا فيجلس إليها ويجالسها، بما أن جلس تقال للاستواء بعد استلقاء، كان متكئا فجلس، عكس قعد التي تقال للاستواء من حالة قيام، فالأب هناك نائم بروحه وبأريج بطولته الخفية خفاء أركان البيت وحديد سقفه وعناصر قوته وإيوائه لأبنائه من العوادي في الأزمنة العصيبة، بطولة لا يسمع بها أحد لكنها أعظم بطولة، بطولة الأبوة الصامتة صمت التواضع والواجب دون حادة لمدح أو حمد من أحد إلا من ابنة تعود دوما لبيته تدخل الغرفة، والغرفة تقال للحجرة العالية أصلا، فتتهيأ لحضوره الجديد لموعده الذي لن يخلفه، وتنتقل معه إلى الشرفة، وهذا دليل أن الغرفة مسامتة للشرفة، ومن أسماء الحجرة العالية كذلك المشرَبَة.. هناك في الغرفة والمشربة ستحتسي معه شيئا يسكر بلا اغتيال للعقل.. لأنه أصلا روح محضة.. ستشرب معه شيئا يسكر كسكر الصوفي حين يستبد به بنج معرفة ربه فيغيب عن وجوده بموجده، هناك يفنى من لم يكن ويبقى من لم يزل..


أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.