كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

وردتان من لبنان..

كلمة الأستاذ الأديب ناجي نعمان في أُمسِيَة "فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات" التي انتظمت مساء 22 نوفمبر 2023 وذلك احتفاء بالشاعرتين اللبنانيتين مارلين سعادة وميراي شحادة حدَّاد



أيُّها الأحبَّة،
في البَدء اللِياقاتُ، وأنا أرفَعُها إلى مُنَسِّقَي هذا اللقاء، العزيز حكمت الحاج الَّذي أُسعَدُ اللحظةَ بإعادة التواصل معه بعد سنواتٍ من شبه انقطاعٍ قَسريّ، والسيِّدة عواطف محجوب الكريمة الشِّيَم، كما أرفَعُها إلى كلِّ مَن سيُشاركُ في اللقاء، وبَلغَني اسمان: الدكتور جوزف الجميِّل والأستاذ رضا نازه أديب.

وبعدُ،
مَن نحن في صَدَدهما هذا المساء وردَتان لبنانيَّتان تَفوحان عِطرًا في زمنٍ عصيبٍ يعيشُه العالَم، وردتانِ تعملانِ في بلدٍ أوصلَه الفسادُ إلى حَدِّ الإبادة الجَماعيَّة، وردتانِ تنشَطانِ في مجالات الثقافة المتنوِّعة، فيما العصرُ للمادِّيَّة القاتلة، تلك الَّتي اكتسحتِ المَعمورةَ وناسَها، وتَسعى للقضاء على كلِّ حامِل يَراعة؛ ولكن، بِئسَ الفسادُ والمادِّيَّةُ، لن يَفلحا في مَسعاهُما.

أجل، كيف للمادِّيَةِ، ورَبيبِها الفساد، أن يَفلحا في ذا المسعى وفي لبنانَ، وفي سواهُ، بعدُ، ورودٌ تفوحُ ثقافةً، أسلحتُها الهِمَّةُ واليَراعُ، وهدفُها الإنسانُ الإنسانُ، لا البشريُّ الرّقمُ؟
***
-2-

أيُّها الأعزَّاء،
لن أخوضَ في كتابات السيِّدتَين الكريمتَين، مارلين سعادة وميراي شحادة حدَّاد، إذ لم يتسنَّ لي الوقتُ الكافي للاطِّلاع على كامل أعمالهما، فكيف لِحُكمي عليهما أن يأتيَ صائبًا؟

وعليه، سأكتفي بأن أروِيَ ظروفَ معرفتي بهما، لا سيَّما أنَّهما، منذ فترة غير قصيرة، تَتعانقانِ، تَفوحانِ معًا ، تَنشُرانِ العِطرَ أينما حلَّتا.
***

الوردةُ الأولى، مارلين وديع سعادة، شاركَتْ في جوائزي الأدبيَّة الهادِفَة، وحازَتْ، في العام 2017، جائزةَ المِتروبوليت نِقولاَّوُس نعمان للفضائل الإنسانيَّة عن مجموعتها القَصصيَّة “أبطالُ الأمس” الَّتي نُشِرَتْ في العام عَينِه من ضمن سلسلة “الثقافة بالمجَان” الَّتي أنشأتُها عامَ 1991.

فازَتْ مارلين بالجائزة، وفُزْتُ أنا بصَداقتها، بلِ اكتسَبتُ أختًا صغيرةً جديدة. وتلاحَقَتْ لقاءاتُنا إنْ في الدار أو في المؤسَّسة أو في المناسبات الثقافيَّة المتنوِّعة. وأستطيعُ الجَزمَ أنَّ تلكَ المرأةَ، سيِّدةَ المنزل، العامِلَةَ نهارًا، المُدَقِّقَةَ ليلاً، قد وجدَتِ الوقتَ أيضًا للكتابة، وبرعَتْ في ذاك المِضمار تمامًا كما برعَتْ في حياتها العمليَّة والاجتماعيَّة، بل أكبَّتْ أيضًا على الأنشِطَة الثقافيَّة تُساهمُ فيها باندفاعٍ ومجَّانيَّة، فيما الابتسامةُ، ابتسامتُها، لا تُفارقُ الثَّغرَ الفائضَ محبَّةً وحنانًا.
-3-

أجل، أيُّها الأحبَّة، هذي هي مارلين سعادة، الأديبةُ المُجَلِّيَةُ الَّتي تعملُ في مجَّانيَّةٍ لافتة، وقد جعلَتْ نفسَها، قبل أنْ أجعلَها أنا، سفيرةً للثقافة بالمجَّان.
***

وذات يومٍ زارَتني مارلين برفقة سيِّدةٍ تتأبَّطُ مجموعةً من الكتبِ، كتبٍ ما لبثَتْ أن قدَّمتها إليَّ، ويتمحورُ معظمُها حولَ والدها، شاعرِ الكورة الخضراء، عبد الله شحادة، وراحَتْ تشرحُ لي ما تقومُ به لإحياء ذكرى ذا الوالد، فقابلتُ بين ما فعلَتْه السيِّدةُ وتَفعلُه، وما فعلْتُه أنا في ذكرى والدي الأديب الرَّاحل متري نعمان، وأفعَلُه، وقلتُ في نفسي: ذا أنتَ يا رجلُ مع تغييرٍ في الكروموزومات وعودةٍ في الزَّمنِ لبَعض عُقود!

سُرِرْتُ بالضَّيفة الَّتي أتَتْني “على غفلةٍ”، وهنَّأتُها، ونصحتُها، وتأكَّدتُ من صوابِ مَقولتي، وفيها أنَّ “المجَّانيَّة هي الأخرى تُعدي”.

وهكذا، شكَرْتُ مارلينَ–الوردةَ على إهدائي وردةً أخرى، عَنيتُ المهندِسةَ الأديبةَ ميراي شحادة حدَّاد الَّتي غادرتْ دار نعمان للثقافة ومؤسَّسة الثقافة بالمجَّان لمُتابعة خُطاها في عالم الثقافة الفسيح.

أجل، غادرتِ الوردةُ الثانية، ميراي شحادة حدَّاد، بعدما توسَّمتُ فيها كلَّ الخَير؛ وقد تحوَّلَتْ قُنبُلةً دائمةَ الحَراك، سريعتَه، تتفَجَّرُ فتُوَلِّدُ كتُبًا وأنشِطَةً ثقافيَّةً متنوِّعة.
-4-

غادرَتْ ميراي واطمَأنَنْتُ إلى أنَّ الجُنونَ، و”هو فُنون”، لا يَقتَصِرُ عليَّ في مجال الثقافة بالمجَّان، إذ ها هو يَتعدَّاني إلى سوايَ، وبالتَّحديد إلى العزيزة ميراي.
***

ولمارلين وميراي أقول: حافِظا على الصَّداقة، فهي الأبقَى وسببُ كلِّ نجاح؛ وأصِرَّا على المجَّانيَّة، واعمَلا لها ما استطَعتُما. قد لا يُفهَمُ ما تَفعلانِه، وقد تُتَّهمانِ بما هو خَلفَ المجَّانيَّة، وبالغايةِ منها، ذلك أنَّ النَّاسَ لم يَعتادوها يومًا، لم يُمارِسوها ليَفرحوا بها.

وردَتَيَّ،
أنتما تَفوحانِ في عالَمٍ جُلُّهُ من القُمامةِ، قُمامةِ العصرِ الَّذي غدا للتَّوحُّش في كلِّ شيء، وللتَّوحُّشِ فحَسب. لكن، إيَّاكُما والاستسلام، وفَلْسُ الأرملةِ موجودٌ.
أقدِما، عزيزتَيَّ، فغلالُ الثقافة لا إلى نُضوب!

ناجي نعمان
في 22/11/2022

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.