د. جوزاف ياغي الجميّل
الورقة النقدية التي قدمت في الندوة التي نظمها فوروم كناية للحوار وتبادل الثقافات احتفاءا بالشاعرتين ميراي عبد الله شحاده ومارلين سعاده وذلك يوم 22 نوفمبر 2022 وتم بثها مباشرة على منصة تويتش العالمية Twitch وقد حضرها وشارك فيها علاوة على الشاعرتين كل من الاستاذ ناجي نعمان الاستاذ يوسف طراد الناقد رضا زاده الناقدة عواطف محجوب، وادار الندوة وقدمها حكمت الحاج.
(قراءة في شعر الشاعرتين ميراي شحاده ومارلين سعادة)
سفيرةُ الفرح والعطاء..هكذا عرفْتُها، تعمل بنشاط ومحبة. وحيث المحبة يكون الفرحُ الحقيقي.
إنها الصديقة المهندسة الشاعرة ميراي عبد الله شحاده حداد.
عرفتُها في كتابها الأول “يوم قررت أن أطير”. وهو ديوان جمع متناقضَين في عنوانه: الإرادةَ والجنون، كما جمعَتِ ابنةُ عبد الله بين الهندسة والشعر. والقاسم المشترك واحد: البناء. بناءُ بيتٍ من الحجر أو الكلمات. والكلماتُ حجارةُ الشعر النابض بالحياة والفرح.
جمعتُ كلماتِ العنوان “يوم قررت أن أطير”، فأتت النتيجة 1217،أي 11، أي 2. وهذا الرقم يشير إلى ثنائية الفتاة وأبيها، أو أنها في مرتبة ثانية بعد الأب. كما أن رقم 2، في علم الأعداد، يشير إلى الأرض، في حين أن الرقم واحد سماويّ.
في رقم واحد تفرّد ووحدانيّة،وحين التقى الرقمان وتكرّرا في رقم ١١، ظهرت شخصية جديدة تعطي قيمة مضافة إلى العدد الأوّل. وأصبح المجموع اثنين، ما يوحي كينونة جديدة من صفاتها الاعتراف بوجود الآخر.
أما ديوانها الثاني “بوهيمية”,”فمن أبرز سماته الحرية. حريةٌ ظهرت في معنى الكلمة، بما تحمله من تشرُّد وانطلاق، إلى عالم الفرح. كما ظهرتِ الحريةُ في تنكير الكلمة بوهيمية. فالشاعرةُ تجدُ نفسها خارج قوانين المكان والزمان، في عالم الشعر اللامحدود.
وحين جمعت أحرف العنوان بوهيمية رأيت أنها تساوي ٤٧٣، أي ١٤، أي ٥. ويرتبط الرقم ٥ بالحرية الشخصيّة، والاستقلال، والفرديّة، كما يرمز إلى التصميم، والمغامرة، والشجاعة، والخيال، واتخاذ الخيارات الإيجابية. أما اللقاء بين أحادية الأب، في رقم ١، والتعبيرِ عن الذات والولاء، في رقم ٤ الخاصِّ بالشاعرة، فيكشف عمقَ الصلة بين أنا الشاعرة، والآخرِ الأب، والإنسان، في الجهاتِ الأربع من الوجود.
في الديوان الأول، يوم قررت أن أطير، ثلاثةُ محاورَ أساسيةٍ هي الوحدة والمحبة والانتظار.
وحيدة هي الشاعرة، بعد رحيل أبيها. ولم يبقَ لها سوى انتظار عودته، بلهفة المحبّة،على بساط ريح الذكريات. تقول الشاعرة شحاده:
وإن اخترتَ أن تنأئ عني
سأبقى دوما ههنا أصلّي
أنا ناسكةُ معبدِكَ(ص ٢٥)
وتقول في مكان آخر من الديوان نفسه:
ويبقى حلمي أن ألقاه هو
حبيبي في مهد عشقي ارتمى(ص ٤٣)
لقاء الضميرَين أنا وأنت يعمّ الديوان كله. إنه لقاء الشوق والحرمان، في آن. تقول الشاعرة:
بين كفّيك، وعلى راحتيك ألِدُ جنيني
أحبُّك وأحبُّك بكلِّ الحواس…(ص ٦۰ )
أما في بوهيميّة، فقد أصبح للحرية حيّز أكبر، ورقصت الشاعرة على ألحان الحب /الثورة. تقول:
فأدمنتُ في حبّكَ الحبَّ
وحطّمْتُ حواجزَ السنينْ
…وشرّعْتُ منك قوانيني… (ص ٨٨)
حرية جعلتها تخفي بها حُرْقةَ الغياب، بعد رحيلِ أبيها، المعلّمِ الأول. تقول، في بوهيميّة:
عفوَكَ معلّمي
كيف تستطيعُ الرحيلَ
وأنا في حبّك ما زلت طفلاً يناغي
بين الألف والياء
(ص ١۰٤)
أما القاسم المشترك بين الديوانين فهو نرجسيّة الشاعرة، حيث تظهر الأنا محورَ القصائد، طاغيةً في ارتقائها عرشَ الديوان. ولكنّها أنا تمتاز ببعد إنسانيّ جمعيّ مكلَّلٍ بالمحبة والفداء. تقول الشاعرة:
أناجيكم لمّا تحلّق النسور…
من عرش آلامي أناجيكم، أحاكيكم
…نحن قطرة وديمة وبحر
ثالوثٌ أقدسُ من القداسة عينها (بوهيميّة، ص ٩٢،٩٣)
من أبرز خصائص شعر الشاعرة ميراي شحاده:
– اعتمادُ النثيرة في الشعر، أي الشعر المنثور، وتاليا غيابُ الأوزان والقوافي والأروية، في الديوان الأول.(ظهر الرويّ خجولاً في قصيدة واحدة، ص 42)
– اعتمادُ التكرار وسيلة للربط العضوي، بين أقسام القصيدة (قصيدة: لو كنت أستطيع )، ص ٢١، -٢٣حيث تكررت افتتاحية القصيدة أربع مرات.
والتكرار المكثف من دون مسوغ بنيوي، كما في أبيات:
أعيش لأجوع معك
وأعيش لأقتات معك
وقدري أنه محال محال
أن أعيش معك (ص ٢٥ يوم قررت أن أطير)
تكرار نعود ٥ مرات، في قصيدة واحدة من ١٩ سطراً
وترنو إليّ عيون القدر، ٣ مرات في قصيدة واحدة، ص ٥١
-التدوير ص ١٤٦، ١٤٨
-غلبة الأفعال الماضية بنسبة ٧۰ في المئة، ما يدل على تجذّر الماضي في نفس الشاعرة ووجدانها.
-اعتماد الصور الشعرية من استعارات وتشخيص، كما في قول الشاعرة:
يَصْخُبُ الخُلْدُ وتزمجر السما
وتأتي الأمواج راقصة
…قلمي ينزف(ص ٤٢،٤٣)
أما في ديوان بوهيمية فقد تطور الشعر فيه وبدأت تظهر فيه الأروية(ص ١١٢،١١٣…) والالتزام الوطنيّ والقوميّ يعلن عن ذاته، كما في قول الشاعرة:
هبّوا يا عُرْب من ظلال السبات
…
بيروت قد بكت، وحلب دُمِّرت
وأم المدائن قد خوت
فلسطين يا عرب، قد خوت(ص ٧٤،٧٥)
– العناية بالصور الشعريّة التي تنوّعت بين تشابيه واستعارات وجناس:
يوم بُعِثْتُ من جذور الترابِ
كسنديان يُعانق ألف غابِ
…أو تثمل الأعياد يوماً برقصة أهدابي؟
…أحيل به السراب إلى سحاب(ص 53)
– ظهور التناص الأدبيّ في الرموز الشعرية : رمز كافور الإخشيدي، ص ٧٥
والأربعون في قواعد العشق(ص ٨٨)(رواية عن جلال الدين الرومي لأليف شافاك)
لستُ في بلاد العجائب أليساً( ص 108)
لك في القلوب منازل(ص 111)
-التطور في اللغة والأسلوب الشاعري، بين الديوان الأول والثاني، بحيث أصبحت الصياغة اللغوية أكثر متانة وسلاسة ووحدة عضوية.
تقول في قصيدة ” هي من بلاد الليمون والعنبر”:
أمطرت سماؤها قصائدَ
بها الأرضُ تتعطّرْ
هي من الفيحاء، حبيبتي
وفي حبّها زادٌ ومنهلٌ وأكثرْ
وفي حبِّها حبٌّ لا يُضاهيهِ حُبٌّ
جليدُها نارٌ ونورٌ يتفجّرْ…( ص 109)
فضلا عن تحوّل الأفعال في القصائد بنسبة ستين في المئة إلى أفعال مضارعة تنوّعت في أزمنتها بين الماضي والحاضر والمستقبل، ما يعني الخروج من عالم الذكريات، إلى واقع الفعل الشعري الملتزم.
بين ثنائية الأنا والآخر، في الديوان الأول، “يوم قررت أن أطير”، والسعيِ إلى تحقيق نرجسيّة الذات وطلبِ الاستقلالية، في الديوان الثاني “بوهيمية”، ظهرَ التحوّل الكبير، في كتابات الشاعرة ميراي شحاده، وكان خيارُها الإيجابيُّ الجديد: الخروجَ من عباءة الأب، من”شرنقة هواه”،(ص 112) إلى غلالة الثقافة، والشعر، والحرية. ولكنّ خروجَها لم يكن تمرّداً، بل إثباتٌ للذات قبل الآخرين، أنها ابنة بارّة بأبيها قادرةٌ على حمل إرثه الشحاديِّ بكل فخر واعتزاز. وقد أثبتت ذلك، من خلال منتدى شاعر الكورة الخضراء، عبد الله شحاده الثقافي، شعرا، وفرحا، ومحبة.
هذه ميراي الشاعرة والصديقة التي عرفتها..وأفتخر.
كانت البداية مع الصديقة الأديبة مارلين سعادة، على مقاعد الجامعة اللبنانية، في كلية الآداب. كانت طالبة تنهل العلم،في قسم اللغة العربيّة، بكل نشاط وشغف. وكنت الأستاذَ المُحاضر.
ذات لقاء، حملَتْ إليّ كتابَ قصة من تأليفها، عنوانه مارديروس.وقالت:
هذا مولوديَ الأدبيُّ الأولُ أضعه بين يدَي إبداعك، لعلك تقرأه، كما عهدتك، بمحبة.
كان الكتاب عن الحرب اللبنانية. أعادني بالذاكرة إلى مآسيَ القتلِ والتهجير، في تلك المرحلةِ المظلمة. وكان كتابُها، على قساوة محتواه، قبسًا من رجاء، وكوّةَ نورٍ في ذلك النفق المظلم.
وأتى ديوانها الجديد، أبعدُ من حدود الوجود، ليعلنَ تَوْقَ الشاعرة إلى حلمها الأول والأخير، إلى أبيها الغائب الحاضر. وتجدّدَ في لا وعيها قلقُ الموت تقول:
– سَتَبْقى حاضِرًا في كَياني حَيْثما أَسيرْ…(
-تاقت نفسي إلى العناق المستحيل،
إلى الحلم…
-صمتك المطلق قتل أمل العودة،
والحلمَ بمتعة اللقاء بطيور الجنّة..(ص 23)
إنّ ثنائيّة الموت/الحلم فجّرت نرجسية الشاعرة سعادة في أناها في محاولة للتعويض عن خوفها من الموت الذي حرمها لذّة الوجود. تقول:
حفرتُ اسمي في قلب التاريخ
بشُهبِ يراعي وبارقِ حرفي
وصرتُ الحكايةَ وصرتُ الروايةَ
… وبقيتَ وحدك نقطةَ ضعفي
ثلاثة محاورَ سادت ديوان الشاعرة سعادة: الحب والحزن والحلم. حاءاتٌ ثلاثٌ راوَدتْ عطشَها الدائمَ إلى صدرٍ كانت تستند إليه، وغادرها، في منتصف الطريق. (كأنّها تستعيد ذكريات الحرب التي وصفَتْها في مارديروس). وحين عمدنا إلى مقاربة عنوان الديوان “أبعد من حدود الوجود”, مقاربةَ سيمياءِ العدد، وجدنا أن مجموعَ الأرقام، في كلمات العنوان، بلغت٢٣٩،أي ١٤، أي ٥.
وإذا كان الرقم ١٤ يحمل رسالة التأكيد الإيجابيّ، فإن تجزئة الرقم إلى ١ و٤ تنطوي على قراءتين متوازيتين لهذين الرقمين. ففي حين يعلن رقم ١ البداياتِ الجديدةَ، والثقةَ بالقدرة الذاتية على المبادرة، فإن رقم ٤ هو رقم التركيز وإمتلاكِ الاهداف في الحياة. أما مجموع هذين الرقمين فهو رقم ٥.
والرقم ٥ هو المغامرُ الأزليُّ الذي لا يخاف من القفز في المجهول. وهذا ما أوصل الشاعرة سعادة إلى عدم الاكتفاء بما تراه حواسُها، في واقع الحرب المأساة، فطمَحَتْ إلى أبعدَ من حدود الوجود، إلى عالمٍ بحجم أحلامها والمغامرة، علّها تواجه بالحُلْمِ اليأسَ والموتَ، والبوّابةَ الموصدة.(ص 23)
ولنا أن نتساءل : ماذا وراء الوجود؟
قد يكون الجوابُ لقاءَ الشاعرة بأبيها الذي لم تَرتوِ من حنانه، في هذه الحياة. وما الشعرُ /الحبيبُ المتخيَّلُ إلا صورةٌ طِبْقَ الأصل، عن هذا الوالدِ الغائب الحاضر. وقد عبّرتِ الشاعرةُ عن لهفتها هذه، في قصيدة واحدة( سهراني معك) كتبتها بالعاميّة، لغةِ القلب، في مطلع الديوان.(ص16، 17)
ثنائيّة الأنا والأنت كان لها دور في الديوان. إن كانت الأنا تعود إلى الشاعرة فالأنت اتسعت مروحة مرجعيّتها، وأصبحت الأب الغائب، أو الحبيب، أو القارئ، أو الحلم. وقد تكون اليراع والشعر. تقول الشاعرة سعادة:
ستتكلّم وأصغي
فتُشبع كلماتُك جوعي(ص 32)
ها أنا ذا أعود إليك بعد غياب( ص 55)
كذلك في ديوان الشاعرة مارلين سعادة غابت الأوزان عن الشعر، فأتى خاليا من الأوزان والقوافي واكتفت الشاعرة باستخدام الأروية المتعدّدة في معظم القصائد، بحثاً عن الحرية في التعبير الشعري، كما في التعبير الفكريّ. كما اعتمدت التدوير والتكرار. وهاتان السمتان دليل مباشر على تراكم الهموم والانفعالات وتشظّيها، في ذاتها القلقة.
خوف الشاعرة من الموت جعلها تعيش التناقضات، تجمعها في بوتقة واحدة فيتحوّل قلبُها إلى جليد متقد (ص 20)، أو تغوص إلى أعماق البحار وتحلّق فوق الغيوم(ص 27). إنّها تناقضات الصراع بين الحلم والذكريات.
تقول الشاعرة سعادة:
ما الكونُ
ما الحياةُ
ما الناسُ
ما الشرائعُ
ما الحدودُ
ما الأثيرْ؟
– ضَبابٌ عابِرٌ
قَدْ يَحْجُبُ هِضابَكَ لِوَقْتٍ يَسيرْ.
وَتَبْقى بَعْدَ رَحيلِهِ لِقَلْبي
جَّنَّةً،
يا حُلْمِيَ الأوَّلَ وَالأَخيرْ
حشدٌ لغويّ،أسئلة وجوديّة،معاناةٌ أطلقت رحلة المواجهة بين أنا الشاعرة وقيودِ الواقع، في مظاهره الاجتماعية والسياسية والنفسية. تقول الشاعرة سعادة:
تعالَ، معًا نُسْدِلُ كلّ الستائر:
ستارةَ المجتمع،
وستارةَ الدين،
وستارةَ الفلسفة،
وستارةَ اللياقات،
وستارةَ المفاسد،
وستارةَ الأحزان،
وستارةَ الكوارث
من هو الشخص الذي تدعوه الشاعرة إلى مشاركتِها الثورة؟ إنه حبيبها البعيدُ القريب، حُلمها، أبوها الغائب الحاضر، بل أناها المتفجّرةُ في الشعر.
وما محاولة إسدال الستائر إلا بدايةُ ثورة على الأنا العليا التي تحرمُها لذة الفرح، وتمنعُها من عبور الواقعِ/الذكرى/ المأساةِ إلى الحُلمِ، والوجودِ المنهارِ إلى أبعدَ من حدود الانتظار.
ميراي عبد الله شحاده، مارلين وديع سعادة، هنيئا لكما هذا القلقُ الوجوديّ،بل هذه العاطفةُ البنويةُ، التي فجّرت إبداعكما، فقرّرتما الطيران، شعراً، إلى أبعدَ من حدود الوجود، بحثًا عن الحبّ الأبويّ والإبداعِ والسعادة.
أضف تعليق