كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

ابنُ الفارض والجَمال..

الدُّكتور جوزيف الياس كحَّالة – باريس

ابن الفارض 
576 هـ ـ 632هـ / 1181 ـ 1234م







التعريف به(1)

هو أبو حفص عمر بن علي، المعروف بابن الفارض. ولد في مدينة القاهرة العام 576هـ / 1181م. يعود أصل أسرته إلى مدينة حماة وسط سورية الحالية. وقد هاجر والده مدينة حماة بسبب الزلزال الذي أصابها، فاتجه إلى مصر، حيث عمل في بلاط حاكمها، هذا الذي سأله أن يتولّى منصب قاضي القضاة، فأعتذر. وقد عرف الأب بـ ” الفارض “، لأنّه كان يثبّت الفروض للنساء على الرجال أمام الحكّام، ومن هنا جاءت تسمية أبي حفص عمر بـ ” ابن الفارض ” نسبة لعمل والده.

نشأ ابن الفارض في كنف والده، حيث أخذ عنه الديانة والصيانة والعبادة والزّهد والقناعة. وأخذ الحديث عن ابن عساكر(2)، واشتغل بفقه الشافعية. يقول ابن العماد الحنبلي، ” حبّب إليه الخلاء وسلوك طريق الصوفيّة، فتزهّد وتجرّد، وصار يستأذن أباه في السياحة، فيسيح في الجبل الثاني من المقطّم، ويأوي إلى بعض أوديته..”(3) أمّا ابن الملقّن فقال عنه، ” العارف المحب المنعوت بالشرف، صاحب الديوان الفائق والشعر الرائق”(4).

عاصر ابن الفارض كثيرا من العلماء والشعراء والمتصوّفة. وكان الجميع يجلّونه ويعجبون بشعره، لما فيه من رقّة وعمق في العشق الإلهي. ومن هنا جاءت تسميته بـ ” سلطان العاشقين “.

توفّي في جمادي الأولى من سنة 632هـ / 1234. ودفن بسفح جبل المقطّم في ضواحي مدينة القاهرة.

***

نظريته في الجمال

خلّف لنا ابن الفارض ديوان شعر، صغير الحجم عظيم المحتوى، جمع فيه قصائده سبطه عليّ. وهذا الديوان هو الأثر الوحيد لفكره العميق، وهو في جملته وتفصيله تعبير عن عاطفة واحدة هي الشوق إلى الحقيقة الإلهيّة. وإنّ وصفه للحب الإلهي اللامتناهي في هذا الديوان هو المادة الأساسية له. وهو يجمع فيه بين قيمته الفلسفيّة وتراثه الروحي، ليظهر تحفة أدبية فلسفية وصوفيّة روحيّة معا.

إن الحب الرفيع عند ابن الفارض يسمو على المادة ويفلت من قيودها ليلتحق بمبدع الجمال وينبوع كل بهاء. هذا الحب الذي وصل اليه، لا مثيل له لأنّه يتجاوز كل مظاهر الجمال ومجاليه التي تقيدها الرسوم والحدود. ان الجمال في ذاته المطلق، هو في الحقيقة نبع فياض بكل ما يتجلّى في الكون من آيات السحر والمعاني الحسنة. والجمال الذي لا يستوعبه بصر الانسان، ولا تمتلئ به مسامع السامع، لا تستطيع اية حاسة من الحواس الظاهرة أن تتذوقه، أو تتفهم حقيقة أمره، أو تتمتع بمكنونات سره.



ان شعر ابن الفارض، الصوفي، لهو في تصويره للجمال وفي تعبيره عن الحب ليس كله من نوع واحد من أنواع الشعر الغزلي. فهو أحيانا يستخدم الشعر الغزلي ليصل الى جمال محبوبه. واحيانا أخرى يستعين بالحديث عن النفس التي سمت عن هذا العالم السفلى بكل ما فيه من مظاهر الجمال ومشاهدة الفتنة وحلّقت في سماء العالم العلوي، فاستطاعت أن تشاهد فيه من الجمال ما لم تراه عين، أو تسمع به أذن، أو خطر على قلب بشر. ذاك هو الجمال الإلهي المطلق الذي لا يتقيّد فيه بقيد ولا يتحدد بحد. بل هو مطلق في ذاته عن كل قيد وكل حد. وباختصار هو الغزل الصوفي الإلهي، الذي لا يستعمل في لغة البشر. إنّ الجمال عند ابن الفارض، هو فن أدبي، أبدع فيه حيث جمع بين العشق والحب الإلهي، ليصل بهما إلى جمال خالق الكون المطلق. والاتصال بالمطلق اتصالا ذوقيا مباشرا يعجز عنه عقل الانسان العادي. فابن الفارض ليس فيلسوفا، بل هو صوفي عاش عشقه وحبه بشغف وعطش ليصل بهما الى الجمال المطلق.

نسخت بحبى آية العشق من قبلى فأهل الهوى جندى وحكمى على الكل

أشاهد معنى حسنكم فيلــذ لي خضوعى لديكم في الهوى وتذللى(5)



ويقول في موضع آخر:

يا ساكنى البطحاء، هل من عودة أحيا بها، يا ساكنى البطحاء ؟

وربوعه أربى، أجل، وربيعه طربى، وصارف أزمنة اللأواء

وجباله لي مربع، ورماله لي مرتع، وظلاله أفيائى

وترابه ندى الذكى، وماؤه وردى الروىّ، وفي ثراه ثرائى

وشعابه لى جنّة، وقبابه لي جنّة، وعلى صفاه صفائى(6)



إنّ ابن الفارض، مثل كافة شعراء الصوفيّة في عصره، يرى في الكائنات جميعها على أنها مجال للحسن والجمال الإلهي المطلق. كان يرى الجمال أينما كان وفي أية صورة تجلى فيها. وهو منجذب إلى كل جميل، سواء ما كان في عالم الحيوان أو عالم الجماد. ويمكن تفسير حب ابن الفارض للجمال، تفسيرا ملائما لحياته الصوفيّة، وما انتهى إليه من نظر إلى الوجود بعين الوحدة من ناحية، ولما تمتاز به بعض النفوس من دقة الحس ورقة الشعور من ناحية أخرى.



ويعتبر ابن الفارض كسائر شعراء الصوفيّة، تقلب في مراتب السلوك وأطوار الحب، وقد تقلّب فيها من مرتبة إلى مرتبة، وطورا بعد طور. إلى أن انتهى إلى أرقى المراتب وأسمى الأطوار، فبات لا يفرق بين الكائنات. بل أصبحت جميعها شيئا واحدا، أي أنها أضحت بالنسبة له مظاهر متكثرة لحقيقة واحدة هي الذات العلية، التي أحبها وأنجذب إليها، ثم هام بها وفيها إلى حد الفناء. وهو يعبّر عن مظاهر الحياة، بقوله :

وصرّح بإطلاق الجمال ولا تقل بتقييده ميلا لزخرف زينة

فكلّ مليح حسنه من جمالها معار له أو حسن كل مليحة

بها قيس لبنى هام بل كلّ عاشق كمجنون لبلى أو كثيّر عزّة

فكلّ صبا منهم إلى وصف لبسها بصورة معنى، لاح في حسن صورة

وما ذاك إلا أن بدت بمظاهر فظنّوا سواها، وهي فيهم تجلّت

بدت باحتجاب واختفت بمظاهر على صبّغ التلّوين في كلّ برزة

ففي النشأة الأولى تراءت لآدم بمظهر حوّا قبل حكم الأمومة

فهام بها كيما يكون بها أبّا ويظهر بالزوجين سرّ البنوّة(7)



ويؤكد لنا ابن الفارض بأبياته الشعرية هذه ـ من قصيدته التائية الكبرى أو نظم السلوك ـ التي يستخدم في كثير من أبياتها الجمال والحسن، وعلاقتهما بالكمال والجلال، أنه يتنزل في الذات الإلهية، ويتأمّل في حقيقة الجمال، لا بل عشقه له. ويؤكد لنا أن الجمال صفة الله. وقد ظهر هذا الجمال في الكون في صورة الحسن المطلق المتنوع المظاهر، والذي يعدّ بمثابة عارية مستعارة من الجمال الإلهي. والجمال المطلق هو أسماء الله وصفاته. وكل ما في الوجود هو من صور الحسن. والحسن هو صورة الجمال الإلهي المتجلّي في الكون. إذا الجمال المطلق هو عله الجمال في كل شيء، وكل ما يبدعه الإنسان من آثار فنّية، يهون بجانب هذا الجمال المطلق.

وسر جمال عنك كلّ ملامحة به ظهرت، في العالمين وتمّت

وحسن به تسبى النهى دلّنى على هوى، حسنت فيه، لعزّك، ذلّتي

ومعنى وراء الحسن، فيك شهدته به دقّ عن إدراك عين بصيرة(8)



لم يتعبّد ابن الفارض للجمال مباشرة، لكنه يتوصل عن طريق الجمال في مظهريه الحقيقي والمجازي، إلى الجمال المطلق للذات الإلهيّة.

وإنّ عشق ابن الفارض للجمال، أدى به إلى الخضوع له وتلبية ندائه. لأنّه أدرك أن الجمال هو مرآة ذي الجلال، وأنّه عن طريق التأمل في مظاهره التي تملأ الوجود، يرتقي السالك حتى يفنى في الذات الإلهية، صاحبة الجمال المطلق. وما جمال الوجود إلاّ فيض من الله تعالى.

بجمال حجبته بجلال هام، واستعذب العذاب هناكا

ذاب قلبي، فأذن له يتمنّا ك، وفيه بقيّة لرجاكا

وإذا لم تنعش بروح التّمنّىرمقى، واقتضى فنائي بقاكا

أبق لي مقلة لعلّى يوما قبل موتى، أرى بها من رآكا(9)



***



الحواشي

1 ـ ابن الفارض، ابن العماد الحنبلي، شذرات الذهب، مجلّد3، جزء 5،ص 149 / ابن كثير، البداية والنهاية، مجلّد 7، جزء 13، ص 145 / ابن الملقّن، طبقات الأولياء، ص464 ـ 465 / ابن خلكان، وفيات الأعيان، جزء3، ص 454 ـ 456 / جرجي زيدان، تاريخ آداب اللغة العربيّة، مجلّد2، جزء3، ص17 / سركيس يوسف، معجم المطبوعات العربيّة والمعرّبة، جزء1، عمود 201 / البستاني بطرس، دائرة المعرف، مجلّد1، ص 629 ـ 633، الزركلي، الأعلام، مجلّد5، ص55 ـ 56 / كحّالة عمر رضا، معجم المؤلفين، جزء 7، ص301 ـ 302 / كحّالة جوزيف الياس، التصوف الإسلامي تاريخ وأعلام، ص144 ـ 156.

2 ـ ابن عساكر، هو أبو القاسم بن هبة الله بن عساكر الدمشقي، المولود في مدينة دمشق ـ سوريا، سنة 499هـ / 1105م. درس الحديث على أبيه، وتتلمذ على شيوخ عصره. قام برحلات عديدة إلى عدد من البلاد زار خلالها مدينة بغداد، ومنها أنطلق إلى مدينة مكة المكرمة، حيث أدى فريضة الحج. كما أنه زار بلاد فارس، عاد بعدها إلى مدينة دمشق التي نوفّي فيها سنة 571هـ / 1176م. خلّف العديد من المؤلفات، لعل أشهرها كتابه تاريخ دمشق، المعروف بتاريه ابن عساكر.

3 ـ الحنبلي ابن العماد، شذرات الذهب، مجلّد3، جزء5، ص149 / الحنبلي، هو عبد الحي ابن العماد العكري الحنبلي أبو الفلاح، المولود في مدينة دمشق سنة 1032هـ / 1623م. قرأ القرآن على بعض شيوخ عصره، أمّا الفقه فتلقاه على ابن فقيه مفتي الحنابلة بالشام. وضع العديد من المؤلفات، أهرها كتابه، شذرات الذهب في أخبار من ذهب. توفّي في مدينة مكة المكرمة، بينما كان يؤدي فريضة الحج في العام 1089هـ / 1679م.

4 ـ ابن الملقّن، طبقات الأولياء، ص465 / ابن الملقّن، هو سراج الدين أبو حفص الأندلسي المصري. ولد في العام 623هـ / 1323م، في مدينة القاهرة ـ مصر. تتلمذ على كبار علماء عصره، أمثال تقي الدين السّبكي وغيره. فأخذ عنهم الفقه والشريعة. أمّ الحديث فأخذ عن قطب الدين الحلبي. وضع أكثر من ثلاثمئة مؤلّف. لعل أشهرها، طبقات الأولياء. توفّي سنة 804هـ / 1402م.

5 ـ محمود عبد الخالق، ديوان إبن الفارض، ص123.

6 ـ المرجع السابق، ص 312 ـ 314.

7 ـ المرجع السابق، ص 252 ـ 252.

8 ـ المرجع السابق، ص 230.

9 ـ المرجع السابق، ص 340 ـ 341.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.