كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

حانة في حلم: الشعر وزحزحة الكينونة..

محمد يونس محمد





تفسير علاقة الفلسفة بالشاعر لا يمر من خلال المفاهيم، بل من خلال المضامين الشعرية والوعي الشعري وعلاقته بالمعنى الفلسفي في الشعر، وإذا كانت المسميات تفصل كلا جهة عن أخرى، فذلك الفصل هو معياري وفصل أطر فقط، ولا يتدخل في اعتبارات الوعي، ومن ثم تجد هناك وعي يعتبر الفلسفة من الأفكار الذاتية وليست كما الشعر الذي يلامس الإحساس البشري، بل يتعداه إلى إحساس الشجرة والطائر والسحابة، وهذا طبعا إحساس يوجد تحديدا عند الشاعر بمعناه الحقيقي، والذي يكون فيه ذات ورقية وليس بشرا شخصيا، وعندها سيكون رده ضد الفلسفة بنفس أيديولوجي، وانفعال نفسي أيضا قد يتطور إلى الكراهية، وهذا التطور النفسي نستبعد أن يكون عاما، أو ينطبق على أغلب الشعراء، بل نجد كاتب الشعر أكثر تعرضا من الشاعر، وصراحة الفلسفة توأم الشعر وسارا سوية عبر سيرورة التاريخ، وهناك شعراء بنفس فلسفي مثلما هناك فلاسفة بنفس شعري، فنيتشه الأفكار والجمل والمعاني لديه تحال إلى مضامين شعرية، وبنسب أقل باشلار أيضا، وتلك العلاقة التي هي جوهرية تفدينا كثيرا في التوغل إلى مضامين النص الشعري الذي نسعى لدراسته عبر فلسفتنا الموضوعية، والتعمق في مضامينه يحتاج إلى استدلال رصين، وإلا سندخل في متاهة أو نكون في نمط من الاغتراب المضاد، ولكون في كل تجربة شعرية عميقة هناك اغترابا نسبيا، ونحت إزاء تجربة نوعية لشاعر يفلسف مضامينه الشعرية، وحسين علي يونس شاعر حقيقي حتى في شخصه وسلوكه العام، فهو أقرب إلى الذات الورقية في نمط صعلكته.
في ديوان – حانة في حلم – الصادر عن دار مومنت عام 2014 في لندن، والمندرج في الأعمال الكاملة لحسين علي يونس التي ستنشر قريبا عن دار لازورد نلمس البعد الرمزي للعنونة أو العتبة الأساس، والتي ستليها عتبات داخلية، والبعد الرمزي قد يكون فيه عزل مفردة عن أخرى من مفردات العنونة الثلاث، والأولى هي بعد ملتبس من الصعب جدا الحصول على يقين أو نتيجة عضوية مقبولة فلا حلم لحانة مشهود، الموازاة بين الحانة والحلم لا تدرس وفق منطق اللغة بل عبر ذلك الأفق الرمزي المشترك الذي يجمع بين أفق رمزية العنونة وافق رمزية المعنى، وفي تعبير فلسفي نرى بأن جملة “حانة في حلم “هي الوجود المعنوي لوجود غير معين متمثل معناه في تفكيرنا، وفلسفة العنونة هذه أقصى من تفكير الهوة التي يعنيها جان جانيت، وكذلك أبعد عما يراه الجاحظ وجودا منزلقا قد ينحدر بنا، وفي المضمون الرمزي للعنونة وعلاقته بالأفق الفلسفي هناك وجهة نظر في حدود التصور لا يمكنها أبدا بلوغ اليقين.
العقل الجدير بكتابة الشعر اعتبره يمتلك رؤيا فلسفية عن الشاعر، والشاعر ليس مجرد شخص أنتج كتابا في الشعر، بل الشاعر حياة شعرية بكل التوصيفات، وصراحة أنا أعتبر الشاعر الحقيقي كائنا ورقيا، وليس ذلك الشخص المعهود اجتماعيا، والشاعر من يفصل بين حقيقته الاجتماعية وحقيقته الأدبية، ولا بد للحقيقة الأدبية أن تسود داخل كيان النص الشعري، والتفسير أو التعبير الذي سنواجه في – قصيدة – اختزلت حتى العنونة لتبقي فقط على النص الأدبي.
“أيتها الكلفة
وجهك
سيفنى
فيما يتواصل
قرع
باب أملك.”
الشعر بما أنه ليس بحيز للكلام ويتبدد، فهو يخلد في آنيته عبر الكينونة والماهيات أيضا، فالكينونة وجود للموجود الذاتي والشعري العضوي أي المكتوب، وأما الماهيات فهي الأبعاد السيميائية للنص الشعري، والنص كان كوحدة سيميائية صغرى وكبرى، فالوحدة الصغرى في الجمل التي نعتبرها في السياق الإحصائي أربع جمل وليس كما مكتوب في نسيج النص الشعري، وأما الكبرى هي في التعبير للسيميائي العام أو ما يسمى بالمعنى الشعري للنص، وحسين علي يونس يقف عند حافة عتبة روحه، فمرة يكون ذاتا ورقية تتغير من معنى إلى آخر خارج حدود التوصيف العام، ومرة يكون وعيا نقديا للظروف والحياة والعالم، وثالثا يكون كائنا هجينا بين ذاته الورقية وذاته الواعية، ويكون هنا كما نسميه بالدهشة الشعرية، ففي قصيدة – قاتل متسلسل – نقف على أحد وجوه ذات الشاعر.
“أنا قاتل متسلسل
قتلت حسين علي يونس الطفل
ودفنته في مكان ما
أنا قاتل متسلسل
قتلت حسين علي يونس الصبي
ودفنته في مكان ما
أنا قاتل متسلسل
قتلت حسين علي يونس الشاب
ودفنته في مكان ما …”

في التفسير الفني لهذا النص نجد أولا نسق الاستعادة الذي أكد عليه جانيت وريكاردو بعده، وهو تأهيل لبنية فنية، كما في جملة – أنا قاتل متسلسل – والتي تكررت أربع مرات، وقد أهلت الدهشة النصية عبر التأهيل الفني الاستعادي بوحداته الزمنية، حيث تلك الجملة بكل تكرار تكون في وحدة زمنية جديدة، وهذه ميزات التكرار التي نعتبرها كبلاغة فنية وجمالية أيضا، وذلك الاشتغال برعت فيه سامنتا بارندسون، وقد برع حسين علي يونس في توظيفه، والشعر هو إناء تمتزج فيه الألوان، ولا بد على الشاعر أن يعي ذلك، وحسين علي يونس يؤمن تماما بتلك الفكرة، ففي النص – شذرة – يتحول البعد الرمزي من الشكل والموجود إلى المضمون والماهية، مثلما تحول شكل الألوان الرمزي في تمازجها إلى مضمون، وهذا النص الذي اختصره نفسه ليواجه العالم بتلك الجمل الشعرية الثلاث، ويؤكد هو أوسع منه مضمونا، إلا إذا تحول العالم إلى ماهية ليوازي ماهية النص.
“كفعل احترازي
يهجر الإنسان
خصائص المكاشفة الإنسانية.”
الشعر في وجوده المعنوي هو ليس إلا ماهية ملونة بشكل موشوري، وتلك الماهية لا تستقر على رمز لوني، وتجذب المعاني نحوه، فهناك معنى شعري من الممكن أن قام بقلم الدلالة واستوجب إعادة إنتاجها، وذلك ما له تأثير وإزاحة لتحديد رمزية اللون، وهنا نجد الشعر ومضمونه وحقيقته الإنسانية الكبرى، وحسين علي يونس في وعيه وفي تجربته يهتم بخلق معنى من لا معنى، ففي نص- أيها الإنسان-، حيث يتصور المضمون الشعري محنة ذات كريم راهي، كذات إنسانية.
“كل صباح
ينزلق العالم إلى نهايته
مودعا ليل ضجره ..”
لقد تنوعت إيقاعات النص المهدى للذات البشرى ’فتلك الذات لا يمكن للنص استيعابها وهي في الأداء الشخصي تتمثل، ولا بد من أن يستعار، وربما النص في نظام الاستعارة الشعرى ينفلت عن موقع الذات البشري، لذا قد ناور حسين علي يونس بين المعنى العام والمعنى الشعري الذي يسعى إليه النص، وعلي مستوى الفكر أراد الشعر الإلمام بالذات من أغلب الوجوه، كي تكون ليس كما الأغنية المتصدعة، أو ما يراه أدموند ويلسون في تحجر العاطفة، والتي تثير وعي الشاعر ونفسيته وتصدمها، وهنا لا يكون الشاعر بمعناه سوى نسمة في قيض أو قديس في ماخور أو شيطان في معبد، ولا نقصد المسميات هنا بقدر ما نقصد التناقض، وفي النص المعنون- نص – نقترب من الفكرة لكن ليس تماما.
“ترميم العاطفة والحنو على قلبها الجريح
ليست مهمة سهلة
أفكر بكل ذلك
بينما تمضي الأشرطة السينمائية بالتتابع
لتضميد جراحات الإنسانية .”
فالعاطفة هي أم زائفة وهذا ما تجده في الواقع البشري، وأما صادقة وهذا ما تجده في الحب الحقيقي، وإما تكون صادمة ومن حجر في الشعر قد تشج رأس القصيدة، ولكن حسين علي يونس في نصه قدم لنا جردا أنطولوجيا لمذاهب سينمائية وشخصيات، ثم أكد في نهاية النص أن هؤلاء من منحه الأبدية، وطبعا السينما هي في أحد وجوهها القصيدة الممثلة بمكر ولذة، وفي قصيدة – نص – قدم لنا الشاعر فكرة فلسفة الموت والحياة أو بصيغة معكوسة أفضل، فنحن نتجه من الحياة إلى الموت على زعم سنعود لحياتنا الحقيقية.
عندما رحل المعلم كان ثمة أملا يداعبه لتحقيق شيء ما في هذا العالم المضطرب
لا شيء مما حلمنا به تحقق
لم يختف الموت
لم تسد العدالة ..”
عندما يطلب الشاعر من أن تسود العدالة ويختفي الموت أليس هنا هو يفكر بذلك في وجوده الشعري وليس في وجوده البشري، ومن الطبيعي ألا يقدم الشاعر في الوجود البشري طلبا إلى الرب لتحسين الأوضاع، فالسبل غير متاحة، لكن تلك السبل متاحة في الموجود الشعري، حيث الرب يكون في إحدى الماهيات وليس في كينونته ويمكن للشاعر من تقديم طلب بتقليص نسب الموت، وفي النص- شذرة الفوتغرافيا- تمكن الشاعر من إعادة صياغة الوجود عبر ماهية النص.
“تعمل الصورة
الشيء الكثير
لكن جوهر عملها
المحافظة على الجسد
وصونه من الفساد ..”
يدرك الشاعر بأن الصورة هي ماهية غير ثابتة تماما ويمكن أن تزاح لتحل بدلها ماهية آخرى، وتلك طبيعة يسعى إليها المعنى الشعري، وطموح المعنى في الشعر ليس هو ذلك الطموح الذي ألفناه في حياتنا وقد اعتدنا عليه في تفكيرنا العضوي، والشعر أغنية لا توصف أبدا إلا بالصور والماهيات والمعنى المختلف، وفي نص – الأفعال – الذي قد راهن على الإزاحة والإيجاز واختزل نفسه في وجود معنوي لا يوجد إلا في الشعر فقط.
“انعكاس
ذات
في مرآتها.”
لقد أحالنا النص إلى فكرة الفصل بين الكينونة والماهية، فالذات هي كينونة لكن صورتها في المرآة هي ماهية، والكينونة تعيش حالة ثبات الموجود حتى تأتي لحظة الموت فيتحول الذات من الكينونة إلى الماهية، وفي الشذرة ما قبل الأخيرة نقف على لحظة فاصلة للشعر، فتلك الشذرة يمثل مارتن هيدغر وحدتها النصية.
“في حواره الأخير
يتحدث هيدجر عن أهمية السؤال ويهمل الإجابة عليه
لأن ذلك يتطلب ثلاثمائة سنة على الأقل
وهكذا عليك أن تعيد طرح ذلك السؤال إلى الأبد
لأن ثمة أجوبة نائمة في كبد الغيب ظاهريا و
هذا ما يمنح هيدجر ديمومته.”
مثلت تجربة حسين علي يونس التنوع المستمر في الماهيات، والانتقال الإيقاعي من ماهية قد استنفدت طاقتها إلى أخرى لا زالت تحافظ عليها، وهكذا استمر التجريب في الاختزال والإزاحة بما يلائم روح العصر وإيقاعه السريع، وكانت تجربة النصوص والشذرات الفنية في ديوان – حانة في حلم – قد قدم تجربة مختلفة عن السائد والرتيب شكلا، وهنا نجد نفس الشاعر وهو يحافظ على قيمته أكثر من تنظيمه للأسماء والمسميات.

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.