عبد الرزاق بن علي
ركب سيارته الجديدة وقفل عائدا الى القرية بعد غياب شهرين ، تمت تسميته معلما ابتدائيا في إحدى “الدشر” النائية منذ ما يزيد عن خمس سنوات خلت ، كان ذلك حدثا فارقا انتظرته العائلة. فأن تكون معلما و موظفا ذلك شرف لا يناله الجميع حينها .
كان حديث العهد بالسياقة ، وكانت الطريق شبه معبدة ككل طرقات المدينة. التفت لا إرادياً الى المرآة الخلفية ثم داس على زر “الراديو كاسات ” و قد أختار من الاشرطة المضغوطة واحدا لكوكب الشرق أم كلثوم كتب عليه “فات الميعاد ” …
تراقصت الذكريات امام عينيه وتشكلت الصور التي لم يفلح في ابعادها كلما شعر بانحراف عربته عن مسارها. لم تكن في الحقيقة سوى صورة واحدة تتكرر، فتاة سمراء شعرها قطعة ليل حالك اناره وجهها القمري ، كانا لا يفترقان منذ أن التقيا أول مرة في رحاب الجامعة و كان حبهما حديث الجميع ، خلدت مدارج الكلية وقاعاتها قصة عشقهما فترى كل طاولة قد تزينت قلوبا توسطها الحرف الأول من اسميهما “بالكوريكتور” …
تراءت له جالسة حذوه ، وقد اصابته الغيرة من نسمات الريح المتطفلة عبر النافذة وهي تلاعب خصلات شعرها الغزير …
يضغط على دواسة السرعة كلما مر شريط أيامه الخالية الى ان بلغت السرعة أقصاها ، …كان حادثا شنيعا …
دخل طبيبه المباشر و قد اصطحب معه أخصائيا نفسيا ليخبراه انه لن يمشي مجددا و وسيكون ذلك الكرسي المتحرك صديقه الوفي بعد ولادته الثانية . بدا وكأنه لم يستمع إليهما ولم يحرك ساكنا بل هو سؤال واحد لا يفارق شفتاه منذ أن عاد إليه وعيه:
أين هي ؟
لا أحد يعرف من تكون “هي” ،لقد تم اخراجه من كومة الحديد بصعوبة ولم يكن أحد بجواره. قال الطبيب :
لا تقلقوا هو مجرد اضطراب في الذاكرة بعد غيبوبة حادة ، كثيراً ما مرت علينا حالات مماثلة ولا داعي للقلق ،سيعود إليه وعيه تدريجيا .
لم تفارق امه المشفى منذ نزوله هنا واتخذت نهارا من “الكولوار” مقاما على ان تفترش القاعة حذو سريره حين تنام الممرضة ليلا…
قالت : أنا من جنى عليه ، أنا من حكم عليه بالسجن المؤبد في هذا الكرسي الصامت… ” من قلة النساء تاخو من البلاد هاكي؟ علاه بنت خالتك شنو ناقصها ؟ ….”
كانت تحدث نفسها بكلام مسموع والدموع لا تفارق عينيها ، و يصغي إليها وقد استعاد تمام وعيه فحاول ان ينهض من سريره لكن الاحساس بجسده لا يتعدى نصفه العلوى ، اعاد الكرة كثيرا دون جدوى. حينها فقط سمع رجع الصدى لما قاله الطبيب وادرك انه حبيس المكان .
صرخ بكل ما أوتي من قوة حتى ارتعش بلور النوافذ و رددت صراخه حيطان المستشفى البالية :
ألا يكفي المرء أن يكون حبيس الزمان حتى يصبح حبيس المكان .
أضف تعليق