بقلم: عبد الجليل حمودي
صديقي الوفي حكمت الحاج،
أما بعد،
فقد وصلتني رسالتك الموسومة ب «يا راكب الحمرا، رسالة الى صديق من بني خداش»(1) رسالة مفعمة بالحب والمعرفة. قرأتها وأعدت قراءتها مرات ومرات أغترف من بحور معرفتها وأبحث في أسرار إشكالياتها. رسالة احتوت على أفانين القول ألوانا فمزجت بين ألق المعرفة وأرقها. أما الألق فقد برز من خلال تطرّقك إلى تاريخ الفن بتونس وخاصة الصوفيّ منه فجلا شخصا عارفا بأسراره متشبعا بمساراته متتبعا سبله متجولا في شوارعه وأزقته وكأنك التونسي الأكثر تونسة من التونسيين أنفسهم.
إنك أيها الصديق، يا راكب البيضاء، تخط بحواف قلمك مدادا من الكلم يشد القارئ و يسرّ الباحث. لم تكتف من الفن الصوفي بالاستماع إليه والتلذذ بمقاماته وشطحاته، بل تجاوزت ذلك إلى النبش في تاريخه. وهذا لعمري لا يلين إلا لذوي الخبرة الواسعة والعلم العميق. إنك تذكرنا بفن الصوفية وهو ينتقل شيئا فشيئا من باحات الزوايا والتكايا إلى أركاح المهرجانات الفنية ممسكا بذلك الخيط الرابط بين الدينيّ والفنيّ. فلم نجد من بدّ إلا الرغبة فيه والبحث عن أسراره معك.
أما الأرق، فقد كمن في الأسئلة التي وجهتها رأسا إليّ وتمحورت في محورين:
الأول يخص ورود لفظة «التلمود» في النسخة المغناة من طرف الفنان “الهادي الدنيا”:
نركب عالحمرا
نلحق التلمود
هذيلي يا مسعود
والثاني، يهتم بالعلاقة بين الفن في تونس وصنوه في الشرق، من خلال ورود تركيب « راكب الحمرا» في اغنية للفنان السوري الكبير «صباح فخري» :
يا راكب الحمرا قناطير
سلم على احباب قلبي قناطير
ويلي واني المجروح ويجري قناطير
والمجروح والميت سوا ..
أرّقتني يا صديقي أسئلتك، فانبريت أبحث في مكنونات الكتب عما يشفي الغليل فلم أعثر على ما تطمئن له النفس ويستسيغه العقل، فانتقلت إلى سؤال أهل الاختصاص من فنانين ومؤرخين فلم يكن المسؤول أفضل حالا من السائل. وقفوا مبهوتين مثلي واستغربوا أيما استغراب من تسلل كلمة عبرية وهي (تلمود) إلى مجال ظنّ أهل العربية أنه صاف لا تعكّره لفظة من خارجه ناهيك عن قدسيته عند أهله. فلا فرق عند الصوفية بين طقوسهم في الزوايا وما يمارسونه من عبادات فكلتاهما تقرب من الله زلفى. من هنا يطفح سؤال الاستغراب كيف لكلمة «التلمود» العبرية أن تخترق المجال اللغوي والفني والديني وتصبح كلمة متداولة بل تضحي مصطلحا قائم الذات؟ أمام هذا العجز عن الإجابة الفصيحة كان لا بدّ لي أن أطرق أبوابا لا يتفطّن إليها إلا من اكتسب من العلم ليونته فعنّ في ذهني لقب عائلي معروف في ولاية «قابس» هو لقب «التلمودي» فخبّرت نفسي بالعلاقة بين اسم النسبة «التلمودي» والمنسوب إليه «التلمود»، كل هذا جعلني أتّصل بأصدقاء هناك أسألهم عن سر اللقب علّي أجد رابطا أبني به استنتاجات علمية بعد ذلك. لكنهم لم يوفوني بالإجابة الشافية.
وبدأ الفتور يتسرّب الى النفس الى ان نطقت إحدى عماتي بلفظة «التلمود» وهي تروي قصة حدثت لها أثناء زيارتها زاوية «سيدي ابن حفيّظ». ولما سألتها عن معنى اللفظة لم تجبني بدقة لكنّها فتحت لي- فتح الله لها أبواب الخير دنيا وآخرة- سبلا أخرى للبحث. اتجهت صوب شخصين آخرين من روّاد الزوايا ومريديها فأكّدا لي أنّ «التلمود» هو مجموعة العازفين والمنشدين في الحضرة وعندما نطقت أمام أحدهما «يعني التلمود هو الفرقة الموسيقية» استشاط غضبا وقال لي « لا. لا وجود لفرقة ولا لموسيقى في الزوايا». تفهمت ردّه وفهمت أنّ لفظة «الفِرقة» هي من «الفُرقة» حسب اعتقاده، والزوايا تجمع الناس على الخير ولا تفرق بينهم، وأنّ لفظة «الموسيقى» لها علاقة متوترة مع الدين فلا يجب حتى النطق بها في حضرته.
هكذا إذن تبيّن لي أنّ لفظة « التلمود» الواردة في أغنية «يا راكب الحمرا» هي مجوعة العازفين والمنشدين. لكن يبقى السؤال: ما العلاقة بين «التلمود» و «المجموعة»؟ لماذا سمّيت تلك المجموعة ب «التلمود»؟ كنت أشرت أنت في رسالتك يا صديقي أنّ « التلمود» كلمة عبرية تعني الدراسة ومنها كلمة التلميذ في العربية. وإذا ربطنا بين لفظة «التلمود» من جهة و «مجموعة العازفين والمنشدين» من جهة أخرى سنلفى أنّ هذه المجموعة تتألف من التلاميذ الذين تلقّوا أسرار العلم في الزوايا ودُرّبوا على تعاليم متعددة من بينها كيفية العزف والإنشاد. ولا يقع اختيار أفراد المجموعة إلا من أبنائها. فالزاوية إن صحّ التعبير مجتمع شبه مغلق لا ينسرب داخله إلا من يرضى عنه «شيخ الطريقة» متعللا بالعلامات الروحانية التي يحملها ويمر الشخص الذي ينتمي الى تلك الزاوية بامتحانات متعددة إلى أن يحصل على ثقة الشيخ وهو في كل ذلك تلميذ يتدرب تحت رعاية الزاوية.
أما فيما يخص السؤال الثاني الذي يبحث في العلاقة بين الأغنية التونسية:
راكب عالحمرا
وسرجها مقدود
الهذيلي يا مسعود
والأغنية السورية:
يا راكب الحمرا قناطير
سلّم على أحباب قلبي قناطير
ويلي واني المجروح وبجري قناطير
والمجروح والميت سوا
فإنه يفيض عن هذه العلاقة ليتطرّق إلى علاقة أوسع بين الفن العربي في المشرق وصنوه في المغرب. ولعل ذلك يحتاج إلى دراسة دقيقة لا تستطيع هذه الرسالة الإحاطة بها أو لم شمل تفرّعاتها، لكنّ ذلك لا يمنعنا من إبداء ملاحظات سريعة على نفس التركيب الوارد في الأغنيتين «راكب الحمرا» لئن كان «راكب الحمرا» في كلتيهما كناية عن الفارس، فالراكب هو الفارس والحمرا فرسه، فإنّ مجال التداول بينهما مختلف إذ ورد «راكب الحمرا» في الأغنية السورية في سياق غزلي تعلّق بالحب وما جاوره من لظى العشق والحرقة على غياب الحبيبة ومحاولة الالتحاق بركبها. أما «راكب الحمرا» في الأغنية التونسية فإنه جاء في سياق حربي حماسي إذا اعتبرنا أنّ «الهذيلي مسعود» مقاوم أذاق المستعمر ويلات القتل والفتك بجنوده. وإن اعتبرنا أنّ الأغنية تلهج باسم «مسعود الهذيلي» الولي الصالح فهو في سياق تبرّك بذاك الولي والتغني بمناقبه وامتداح بركاته وكراماته. والرأي عندي أنّ ورود نفس التركيب في الأغنيتين يعود إلى شهرة الكناية على حساب المكنّى. فكثيرا ما اشتهرت الأشياء عند العرب بصفاتها أكثر منها بأسمائها. ألا ترى يا صديقي أنك عندما تنطق بلفظة «المهند» سيجول في ذهن سامعك مباشرة أنك تقصد السيف رغم أنك لم تذكر السيف باسمه. وذلك لشدّة اتّصاف الموصوف بالصفة حتى تضحي هي هو. ويمكن أن نضرب مثالا اخر: « الكميت» و«الخمرة»، و«راكب الحمرا» من هذا الصنف. تركيب استعاضت به الأغنيتان عن اسم الفارس. و«الحمرا» لا يمكن أن تكون إلا الفرس لسببين. الأول ورود المضاف (راكب) في المركب يقوّي من اعتبار «الحمرا» هي الفرس، والثاني لأن اللون الأحمر في الفرس دليل جمال وأناقة فيها. فاشتهرت به لذلك ولعلّ اختيار اللون الاحمر للفرس على حساب غيره من الألوان إضافة إلى الاعتبارات الجمالية يعود إلى تفاسير انتروبولوجية وميثيولوجية لعلاقة اللون الأحمر بالعالم الماورائي من جن وأرواح شريرة.
يا صديقي،
إن إراقة الدم في المناسبات المختلفة رمز لإبعاد الأرواح الشريرة لأحمرية فيه.. فالعريس عندنا- أهل جنوب تونس- يذبح جديا قبل دختله على عروسه. ناهيك أنّ العروس ذاتها تلبس الأحمر. وعندما يمرض صغير بالحصبة يلبسونه الأحمر اعتقادا منهم أنها من الأرواح الشريرة. ثم تثبّت معي في المثل التونسي «الحصان يركبه جان والفارس يركبه الف جان» فالجان تغريه الفرس لجمال فيها ويستهويه الفارس حسدا له على رجولته. ومن بعد ذلك لا يمكن أن ننسى الحديث الشريف «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة». فبما أنها خير كلها وجد أن تطرد الأرواح الشريرة وكي تتمكّن من ذلك عليها ان تكون حمراء.
هكذا أعتقد أن تركيب «راكب الحمرا» ورد في الأغنيتين لأسباب لغوية وانتروبولوجية وميثيولوجية وإن وجدت أسباب أخرى توضح العلاقة بين الأغنيتين فذاك مجال لا تتسع له هذه الرسالة المتواضعة.
صديقي الوفي،
حاولت خلال هذا الرد على رسالتك أن أجيب على أسئلتك بما قدّر لي من فهم، وأحسب نفسي أني اجتهدت في ذلك. أما برد اليقين فلا يمكن أن يكون إلا بالحوار أكثر.
————–
1 نشرت رسالة حكمت الحاج الموجهة لي، في موقع “كناية” حسب الرابط:
https://wp.me/pdjjSK-lX
ونشرت على فيسبوك “كناية” أيضا حسب الرابط:
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=pfbid0382uQ3mTxX7yMDHhxQ6YyHzZ6smJnXQQ2kTLUhkQehvDsyXkGE43zV43aPe8mYrXYl&id=100012422385303
أضف تعليق