حسين علي يونس
منذ سنوات بعيدة، التقيت بالصديق الشاعر حكمت الحاج في مقهى حسن العجمي ببغداد. كان رجلا وسيما شديد الأناقة، يهتم بالنقد وتستهويه نصوص توفيق صايغ وأنسي الحاج ويوسف الخال وشوقي ابي شقرا وفؤاد رفقة، ويتحدث بشكل دائم عن الشعر الانكليزي والعرفان، وتستهويه جماعة كركوك الأدبية. وكان يهتم بالنقد الادبي والنقد الثقافي، اضافة إلى اهتمامه بتجارب الآخرين من أصدقائه ومعارفه من كتاب القصة والشعر. ثم اكتشفت انه يولي الشاعر توفيق صايغ اهتماما ملفتا للنظر. بالحقيقة لم اكن قد اكتشفت توفيق صايغ الا من خلال ترجمته لخمسين قصيدة من الشعر الامريكي، ولشعر ت. س. اليوت عبر الرباعيات الأربع.
كان حكمت الحاج لديه استبطانه الخاص عن الشعر، فهو مؤمن شديد الايمان بعبارة اليوت: “إن ما يقوله عن الشعر لا بد ان تقدر قيمته بالقياس الى الشعر الذي يكتبه”. كان حكمت هو الذي جعلني اعيد اكتشاف هذا الشاعر المختلف والاستثنائي. كان حكمت شاعرا منغلقا، ويبدو ظاهريا غير مهتم بالشعر الذي كان يكتبه ربما بسبب وعورة نماذجه الشعرية. عندما قرأت مجموعته الشعرية الاولى بعنوان “بغدادات”، بصيغتها الاولى الجاهزة للطبع مع مطلع التسعينات، اتذكر انني اعجبت بها للغاية. واتذكر ايضا اننا كنا منشغلين بطبعها على نفقته الخاصة في طبعة محدودة لا تتجاوز المائتي نسخة من حجم الجيب، بذات الطريقة العدمية، التي كانت تبدو غير مجدية ظاهريا لأن حياة الكتب المطبوعة بهذه الطريقة كانت قصيرة، ولن يتاح لها ان تشهد توزيعا مناسبا. وبينما كنا منشغلين بطبع مجموعته “بغدادات” في ازقة شارع المتنبي، ومطابع سوق السراي المتهالكة، كنا نعمل كل شيء يخص الكتاب يدويا. وهكذا تم صنع الغلاف بطريقة السكرين في مكتب يملكه فنان مغمور في احدى عمارات منطقة الميدان القريبة من مقهانا، مقهى حسن العجمي.
بعد سنوات طويلة، عشرين عاما بالتمام والكمال، اعاد الحاج من منفاه البريطاني طبع كتابه هذا “بغدادات” في طبعة ثانية صدرت عام 2014 عن منشورات “مومنت” التي اسسها بلندن، وأرسلها الي بيد صديق من مكان إقامته، فقرأتها مرة اخرى، واستهوتني كما في المرة الاولى، خاصة وإنه في الطبعة الجديدة قد عمد الى تغيير التوزيع البصري للقصائد، من توزيع الكتلة عبر الفقرة النثرية، الى التوزيع الذي صار معتادا بعد موجة الشعر الحر وشعر التفعيلة، فازداد طول الصفحات وبقيت القصائد الخمس الطوال التي تشكل متن الديوان، هي نفسها: باب الغين المهملة، آخر فصل الميم، تجهيز الآلات ووضع الرموز، ماء ثريا في جران التكريس، والقصيدة الأخيرة التي حمل الكتاب عنوانها عنوانا له، “بغدادات”، علما بأن هذه الأخيرة كان حكمت الحاج قد نشرها في مجلة “الناقد” اللندنية الشهيرة وقتها، في أحد اعداد عام 1989.
ثمة شعر يعجبك من القراءة الاولى، وتقل حماستك اليه في القراءة الثانية. لكن هذا لم يحدث معي في قراءة هذه المجموعة “بغدادات”. وتجدر الإشارة هنا الى ان الكتاب الشعري هذا جاء متصدرا بإهداء إلى توفيق صايغ، وهذا لم يكن مستغربا من حكمت الحاج الذي كان توفيق صايغ يشكل له المعلم والملهم الشعري.
وهكذا كان أن وضعت “بغدادات” في خانة الشعر الفضية داخل مكتبتي التي تحتل نصف الحجرة ويزيد. بالحقيقة احب شعر حكمت الحاج لندارته، ولكونه مختلفا وشديد النحول، وليس فيه الكثير من الحشو. كما ان شعره ليس شعرا عاطفيا يمس سطح الاشياء، بل هو شعر يهتم بما خلف الاشياء، وهذا ربما يعكس ثقافته واهتمامه بالتصوف والعرفان مرادف التصوف، وبالغنوصية التي تجعله يمضي بعيدا في تلمس تلك الظلال. فهو يهتم بالأماكن المهجورة والزمن من خلال الاشياء التي تنداح بين طيات تصدعاته غير المرئية.
بمرور الوقت، وبعد أشهر من علاقتي به في تلك الايام، اكتشفت ان حكمت الشاعر رغم قلة نتاجه الا انه يكاد ان يكون الوجه الاخر لتوفيق صايغ. فثمة مشكلة لدى الحاج الشاعر الذي ظل طويلا يهتم بنصوص غيره جعلته في المحصلة النهائية لا يعير كثير أهمية لشعره هو، الذي اجده نخبويا ربما بسبب انه يكتب لقلة وليس لكثرة. فمجموعته “بغدادات” بقيت في مكتبتي من بين مجاميع كثيرة اهديت لي عبر كل هذه السنين. وهذا شيء نادر يلخص اهمية هذا الشاعر وتلك النصوص “الإمحائية” التي تغلف نفسها بالضباب.
ثمة رجل مثقف يهتم كثيرا بالنقد، وثمة شاعر لدينا لا يسوق نفسه شاعرا، ويترك نصه يعيش بالهامش ويحاول قدر الامكان ان يجرده من صفه الشعر ليجعله ينداح في النثر، وإن كان شعرا محضا رغم اهميته. بينما هنالك شعراء كثر قدر لهم ان ينتجوا مجاميع لاحصر لها تكاد ان تخلوا من رائحة الشعر، والشعر الوحيد الذي فيها انها كتبت لغايات أخرى. أما حكمت الحاج، فلربما يدفعني اليوم لقراءة ثالثة لبغداداته.
أضف تعليق