حسين علي يونس
يتحدث البعض عن خصائص اللغة القومية ودورها في إنتاج العبقرية رغم انتهاء زمنها وانحسارها حين تلبس لبوس الأدب وينفي أن يكون الأدب العظيم عظيماً حقاً في لغةٍ أخرى غير تلك التي كتب فيها .
وهذا الطرح يكشف عن ضحالةٍ (غير محصنين منها جميعاً) غاية في المتانة من لدن أولئك الذين يفكرون بشق الطرق وتضميد جراح الإنسانية.
وبالطبع يكفي أن نذكر مجموعة من الكتب من الأعداد الهائلة التي صمدت أمام ضروس الزمن وتقلباته حتى تنهار هذه ، لأن هذه الكتب (النموذج) كانت عظيمة في كل اللغات التي نقلت إليها وليس في لغتها الأم فحسب.
أما خصائص اللغة والتي تضيع في الترجمة عادة فلم يكن لها أي دور في إنتاج هذه الكتابة ، لأن عظمة الكتب ذاتها لم تكن في الخصائص وإنما في الدال والمدلول واللذين يمكن إنتاجهما في لغةٍ أخرى بنفس القوة.
وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن اللغة لا تكتسب قيمتها من الخصائص لأن الكتّاب الكبار هم الذين يوجدون للغة خصائصها وليس العكس . ولنا أمثلة في لغات كثيرة اندثرت ولغات لم تعد حية رغم احتوائها على وصفة الخصائص السحرية التي ما من لغة في الكون تخلو منها، وكان بإمكان شخص واحد بحجم “شكسبير” أن يحييها إلى الأبد لو قدر له أن يكون متواجداً قبل موت تلك اللغة واندثارها.
إن الحديث عن الخصائص القومية للغة وأهميتها القصوى في إنتاج الأدب ضرب من الخيال ، لأن اللغة تتطور ليس من خلال المحافظة على نظامها وإنما من خلال تغيرها وتكسرها .
ولنأخذ كتاباً معروفاً في الكون كله هو “ألف ليلة وليلة” فهذا الكتاب كان عظيماً حتى قبل أن يكتب، كان عبارة عن حكايات شفاهية يتناقلها الناس قبل أن يقوم الفرنسي “جالان” عام (1704) بتدوينها ومن ثم بترجمتها إلى لغته.
وقد ظل هذا الكتاب مصدر إلهام في اللغات التي نقل إليها بعد ذلك من خلال لغة “جالان” وليس من خلال لغتنا، فنحن أيضاً اعتمدنا على نسخة “جالان” وما طبعة “بولاق” إلا ترجمة عن الفرنسية إلى العربية
بعد مرور مئات السنين على الكتاب ما زال يصنف كأعظم كتاب في الكون دون أن يكون من الواضح أن له خصائص لغوية معينة تهيمن عليه غير تلك الخصائص الأسلوبية المرتبطة بطريقة السرد.
ومن الواضح أن الكتاب أثّر في “شكسبير” و”ثاكري” و”بوكاشيو” و”تشوسر” و”تنيسون” و”براوننج” و”كبلنغ” و”مليفل” و”أدغار ألن بو” و”بودلير” و”ثورو” و”هاوثورن” و”أليوت” و”تلستوي و”ابسن” و”سترندبرغ” .
بل ان آلافا مؤلفة من الكتّاب في العالم أحبوا هذا الكتاب وتمثلوه، رغم أننا ورثناه حسب المصادر المتوفرة من حضاراتٍ ثلاث ” الفارسية والهندية والعربية” قبل أن يعيد الغرب اكتشافه .
يمكن أن نذكر ، ايضا ، كتبا لا حصر لها في لغات مختلفة . فهذا “تشابمان” يترجم “هوميروس” و”بور ثهارت” يترجم “رابلية”. وبوب يترجم “الاوذيسة” . كذلك “مارتن لوثر” يترجم الأناجيل والعهد القديم التي كانت بالغة الأثر على تطور الأدب الألماني حسب وجهة نظر “جوته” .
ولا يفوتنا بالطبع ذكر ترجمة سامي الدروبي لديستوفيسكي وتولستوي وبرغسن وتأثيرها المدوّي على الأدب العربي.
كذلك كان “بورخس” يعتقد أن منطق الطير والقرآن وكذلك الكتاب آنف الذكر ” ألف ليلة وليلة” وكتب المتصوفة “لجلال الدين الرومي” و”ابن عربي” و”الخيام” و”حافظ الشيرازي” و”عبد الرحمن جامي” و”نظامي”، والكتب الغنوصية والدينية إجمالاً هي اثار عظيمة رغم أن “بورخس” نفسه قرأها في لغته أو عبر الإنكليزية والفرنسية والإيطالية فـ”بورخس” كان لغوياً كبيراً و يبدو أعرَف من غيره بما يسمى خصائص اللغة، مع ذلك فلقد كانت مؤلفات هؤلاء عظيمة بالنسبة إليه.
إن عظمة الكتابة لا ترتبط بطبيعة اللغة بقدر ما ترتبط بالخيال والمخيال، فاللغة بحد ذاتها لا تقول شيئاً خارج سياق عملها الدلالي، وهي تعمل على توليد المعنى انطلاقاً من هذه العملية ذاتها.
هل كان “بورخس” مخطئاً وضيق الأفق لأنه أعجب بكل هذه الكتب التي لا يمكن تقييمها إلا من خلال وجهة نظر خصائص قومية ! ثم ان مجموعة كبيرة من الروائع كتبت بلغة قديمة تطورت فيما بعد.
فهنالك “ا لديكامرون لجيو فاني بوكاشيو” وحكايات “كنتربري لتشوسر” والكوميديا الإلهية “لدانتي” والفردوس المفقود “لملتون” والشهانامة “للفردوسي” وملحمة كلكامش وغيرها الكثير.
ولا يجب ان يفوتنا ذكر ترجمة “ويليام جونز” في القرن الثامن عشر للمعلقات السبع ومقارنتها بالأنماط الشعرية واليونانية والرومانية مقترحاً شكل قصيدة (الأود) الكلاسيكي ليقابل قصيدة المعلقة.
ورغم تباين الترجمات إلا أن إستراتيجية النقل والترجمة تشيع في كل اللغات دون استثناء فهي بقدر ما تؤثر تتأثر. هكذا كان حال اللغة العربية حين وجدت نفسها وريثة ثقافات عديدة غير متجانسة وتملك خصائص مختلفة وإلا فما الذي يربط اللغة العربية بالفارسية والتركية والهندية واليونانية وغيرها غير الجذر الأول الذي طمست آثاره القرون وبات من المستحيل أن نتحدث عن التشابه الأ من خلال علم اللغة المقارن والأنثربولوجيا .
وأصبح بالتالي من المستحيل نفي تأثر دانتي برسالة الغفران والتوابع والزوابع أو المعراج رغم أن دانتي لم يكن يعرف غير لغته الأم الفلورنسية القديمة .
كذلك الحال مع سرفانتس الذي أسر عدة سنوات في بلاد الجزائر وتأثر بالأدب العربي إلى درجة أنه فضل أن ينسب كتابه الهائل في كل اللغات إلى مؤلف عربي أطلق عليه ابن الأيلي. ويتكرر الموضوع ذاته بالنسبة لرواية حي بن يقظان التي تركت بصماتها على بريفو ودانيل ريفو وغيره.
أضف تعليق