كناية/ مساحة للحلم وأفق للحقيقة- مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة، تعنى بالخيال والحرية والحداثة والتجريب- رئيس التحرير: حكمت الحاج

خربشات ما قبل الألزهايمر!



مارلين سعاده


حين يصبحُ الألزهايمر جزءًا من هويّتنا هل تراه يقتل عمق الإحساس فينا؟!
أم أنَّ عمق الإحساس فينا هو الذي يسارع إلى قتلنا متى اجتاحنا الألزهايمر؟!
أخشى، إن أتى، أن يمحوَ كلّ ما لديّ من أحاسيس – إن كان يمحوها فعلا – أو أن أعجزَ عن ترجمة تلك الأحاسيس متى استولى على كياني…
ينتابني توق إلى البوح بلسان آدميّ كان له تاريخ، وتآكلَ جلُّ ما حفظَتْه ذاكرتُه من تاريخه، ليس لديه فحسب، وإنّما لدى معظم من حوله… نسي اسمه قبل أن ينسى أسماءهم. حارَ في كلّ عضو في جسده بات غريبًا عنه! انفصلا وهما ملتصقان، روح تسكن جسدًا غريبًا! فلمَ العجب بعد ذلك ممّا يصدر عن هذه الروح المغتربة من تصرّفات؟ وقد باتت تعيش في عالم غير عالمها، غريب عنها، لا تفهم كُنْهَه!
مضى زمن لا أذكر عدد أيّامِه بل سنينِه، زمنٌ لم أخلدْ فيه إلى نفسي، بعيدًا عن العمل، بعيدًا عن عالم التواصل، بعيدًا عن “الكلّ”!
يفاجئني الآن أنّني بابتعادي هذا أنا أقرب إلى “كلّي” الذي نسيته!
منذ متى لم تداعبْ بشرتي ملامسُ النسمات المنعشة مداعبتَها لأفنان وأوراق شجر الكينا قبالةَ شرفتي؟!
منذ متى لم تطربْ أذناي لنقيق الضفادع وزغرداتها خلال عرسها المسائيّ اليوميّ في الحديقة؟!
منذ متى لم تنعمْ عيناي بوداع خضرة الحديقة، في الطرف الآخر من الطريق أمام بيتي، لضوء النهار؟!
اضمحلَّ النور، ولكنّه لم يحجبِ النسائم! ما زالت تداعبُ الكونَ حولي، أراها في حفيف أوراق الكينا، في القشعريرة اللذيذة التي تصيب مسامي كلّما لامَسَتْها، في الخوف البادي على الأوراق المتناثرة وهي تجري على الإسفلت هربًا منها! تلك النسائم، يا لسطوتها، حتى الظلامُ عجز عن إخفائها!
يا لهذا الجمال!!!
أَسمعُ أنشودةَ السّلام الأزليّ – غيرَ الأزليّة! – وأنا أتلو تسبيحي في هيكل الطبيعة! أرى عظَمَة جماله في مرآة ذاكرتي! أنتم تعلمون أنّ المرآة لا تعكس صورنا إلّا متى طلَيْنا خلفيّة زجاجها بالفضّة أو بالزئبق فيغطيها ويحيلها إلى ظلام.
لقد صقلَتْ مرآتي ذكرياتُ الحرب! هذه الطريق نفسُها كانت لزمن طويل مضى، كُوَمًا من السواتر الترابيّة الفاصلة بين “الشرقيّة” و “الغربيّة”. ومَن لا يذكر تاريخ بيروت حين قطّعوا أوصالها وشطروها إلى قسمين، مسمّرين يديها واحدة على خشبة الشرق والثانية على خشبة الغرب؟!
الأعجوبة الكبرى كانت، بين ذاك الزمن واللحظة الحاضرة الآن، هي توقّف صوت القذائف والرصاص؛ ليس ليوم أو يومين! كنتُ أنتظر، انتظرت طويلًا، قبل أن تتأكّد لي الأعجوبة!! هذه المنطقة، خطُّ التماس بين الشرقيّة والغربيّة، مُلهمتي التراجيديّة التي وُلدَتْ من خاصرتها أقاصيصي الدمويّة، قامت من الموت!!
ما أبهاكِ يا مدينتي!
كيفَ أُبعِدُ عن قلبي هذا الخوف؟! أخشى عليكِ مِن غاصب جديد ينتزعك منّي قبل أن ينزعني العمر منكِ! عندها سيكون الألزهايمر منقذي الوحيد، إذ يُنسيني صخبُ الذاكرة وتراكمُ حكاياتها فجيعةَ الحزن عليكِ وعلى نفسي!


أضف تعليق