براء الشيخ
من وجهة نظر شخصية، لست أرى إلا فئة قليلة جداً من البشر يسعون وراء الحقيقة بمعناها المطلق، وهذا ما يجعلهم مميزين وفي غاية الأهمية في الحياة. أما الغالبية العظمى من الناس فهم يسعون وراء الحقائق المزيفة. وذلك ربما يعود إلى أن الحقائق غالبا ما تكون مرّة وموجعة، وإن الكثير من البشر يرفضون تصديقها تحت تأثير العاطفة.
يقول الفلاسفة إن الحقيقة هي عبارة عن المعتقدات والافكار والمقترحات المبنية على أُسس فعلية واقعية ملموسة يمكن للمرء تصديقها والايمان بها دون دليل. وإحدى الحقائق هي الايمان بأن الكذب والزيف هو جُرم لأنهُ يُدلس الحقيقة، ولهذا السبب يقال بأن “ما هو غير حقيقي هو جريمة” يُعاقب عليها القانون أحياناً، ويعاقب عليها المجتمع أحيانا أخرى، غير ان الحقيقة هي سِمة براقة تُميز من يسعى وراءها.
كما وتُعرف الحقيقة بأنها حق الأمر ووجوبه أي أن الأمر بلغ من اليقين حدا لا يجوز الشك فيه قطعاً. ومن أبرز الحقائق هو ان البشر قد خلقوا لقول الحقيقة أو للسعي وراءها. وهذه هي رسالة واجبة على الإنسان مُنذ الأزل.
وتأكيداً على ما تقدم ذكره، جاء الفيلسوف الاغريقي أفلاطون ليقول لنا ان “أكثر شخص مكروه عند الناس هو من يقول الحقيقة”. بينما العالم إسحاق نيوتن قال قولته الشهيرة “الحقيقة العظيمة تستحق ان نجوب العالم بحثاً عنها”.
أما الفيلسوف المصري الدكتور زكي نجيب محمود فقد عبر عن عمق فهمه لهذا الموضوع ولعل ابرز ما قاله انه سيبقى دوماً رمزاً لعشق الحقيقة والتفتيش عنها بمثابرة وبشجاعة الاعتراف ويضع يده على آفات العقول. ويواصل قائلا: يوجد فرق بين رجلين؛ رجل يرى الحق فتكفيه الرؤية، ورجل يرى الحق فلا يستريح له جنب ليغير الحياة وفق ما رأى، وهذا ما سعى له الفيلسوف طيلة حياته.
أما المتصوفة فقد نادوا أيضاً بالحقيقة، وكانت لهم فلسفتهم الخاصة في فهمها. ولعل من أشهرهم الحلاج ورابعة العدوية وأبو يزيد البسطامي.
قال المتصوف والشاعر الأندلسي ابو الحسن الششتري في قصيدة له:
“إسمعو ذي الحقائق ان فيها ما يسمعُ
كيف تُخفى الحقيقة وشمسها تشعشعُ”
أما لو سألتموني عن وجهة نظري في الحقيقة، فسأقول بلا تردد ان الحقيقة هي (وقع إعتراف تحرر من كبت طويل) .
أضف تعليق