عبد الجليل حمودي
مثّل الموت لحظة عظيمة وحدثا جللا رجّ الحقيقة الإنسانية في وجودها فهو أسّ من أسس جوهر الإنسان شدّ انتباهه وشغل فكره وأسر روحه فانطبع في جميع السلوكات البشرية عبر التاريخ. وطفق الإنسان بفطرته يحاول منذ أن وعى وجوده مغالبة هذه الحقيقة الإلاهية العظمى بجميع أدواته وآلياته إن بالتعمّق الفلسفي أو بالمنهج العلمي أو بالإبداع الفني. واعتُبر الموت والحياة مرآة بواجهتين لا تنفصلان يرى فيهما الإنسان ذاته باحثا عنها محاورا إياها. إنهما الحقيقة التي تعكس قانون الطبيعة الأزلي. حقيقة استبدّت بالفكر البشري صارعته فصرعته في أغلب الأحيان فانبرى يسأل ما الحياة؟ لماذا ينشدّ الإنسان إليها؟ لماذا تحمل مفارقة تتأرجح بين العذاب والعذوبة؟ ما الموت؟ لماذا يموت الإنسان؟ وماذا بعد الموت؟ أسئلة شغلت الإنسان وأثّثت مساره المجهول في طريق بحثه الدؤوب عن اكتناه سرّ الموت والحياة علّه يجد إجابة تشفي غليله وتخفّف وطأة مأساةٍ اعترته جرّاء قلقه الأبديّ. كلّ ذلك جعل الإنسان يربط ظاهرة الموت بظواهر طبيعية أخرى تتّحد معها في المصير المشترك. إنها الفناء. فناء كلّ عنصر كونيّ. لا يمكن للإنسان أن يخرق هذه القاعدة بما أنه مكوّن من ألمع مكوّنات الكون. فالموت إذن حدّ يقف عنده مسار كلّ كائن. قضاء ترتطم به أمواج الحركة رغم عنفوانها وألقها الصاخب. كما إنّه نهاية للحياة. سكون بعد حركتها. نهاية لكلّ الإمكانيات التي وصلت حدّ النضج والامتلاء. فيكون بذلك الموت حالة من حالات الحياة. ضرورة منذ بدايتها. إنّ الموت حادث يقطع إيقاع الحياة الرتيب بل إنّه يوقف دورتها.
هكذا نكتشف أنّ الموت جزء أساسيّ من الحياة وإن بدا ظاهرياّ نقيضا لها حين نؤمن بفكرة الثنائيات المتقابلة التي تهدي إلينا قيمة الأشياء. فالحياة بلا قيمة سوى أنّها ضد الموت. وبما أنّ الموت قابع خارج الذات الإنسانية يتربّص بها كلّ أوان ويتسلّط عليها كلّ لحظة ينزعها من حضن الحياة بمخالبه فإنّ الدين اعتبره هادما للذات مفرّقا للجماعات وتعوّد أن يجعل منه عبرة للإنسان وهدفا له يسير إليه بخطى حثيثة ممّا يجعله يتّصف بسلوكيّات معيّنة تجعل منه مؤمنا صالحا. في حين نادت الفلسفة مع أفلاطون إلى وجوب تعلّم الموت تعلّما حتى يتخلّص الإنسان من شروره ويحقّق الصفاء الروحي الذي يساعده على التفكير والتأمّل. أما الفن فكانت له رؤية أخرى إذ جعل من الموت تيمة رئيسة في كل أنواعه ومجالاته ورغم الامتداد التاريخي والتنوع الجغرافي والتعدّد الثقافي فإنّ الموت لايزال حيّا في مختلف الفنون بما في ذلك فنّ الرواية. إنّ الرواية هي تشكيل للحياة أو جزء منها ما يجعل الموت تيمة حاضرة في هذا التشكيل ويختلف في تمظهره من رواية إلى أخرى بل إننا قد نلحظ أكثر من تشكيل له في نفس الرواية.
كما إنّ الإنسان أوجد السرد في تجلّيه العام عبر مختلف أفانينه وأجناسه فعلًا ضدّ الموت وسلاحا يقيه شروره. ينتصر بفضله ما أمكنه ذلك عليه. ألم تتغلّب شهرزاد على الموت بفعل السرد؟ ولئن كان عامة الناس يخشون حتى مجرّد النطق بلفظة الموت فيلحقونها بلفظة أخرى تخفّف عنهم وطأته ويعوذون بها منه فتراهم يقولون « الموت حاشاك» فإنّه من عادة الروائيين- ومن بينهم الهادي القاسمي في رواية رطبا جنيًا- أن يستدعوا الموت إليهم ويواجهونه. يدمجونه في حكاياتهم. يقتلونه بكتابته. هكذا تكون الكتابة عموما والرواية خاصةً إحياءً للذات وإعلانا عن انتصارها في مواجهة الموت. إننا نلاحظ في هذه الرواية المدروسة أنّ الروائي « الهادي القاسمي» أحد هؤلاء الساموراي تخلّص من رهبة الموت وتجرّأ عليه. استدعاه في روايته ليثبت أنّه أقوى منه وليؤكد جدارته بالحياة. رواية «رطبا جنيّا» رواية تحكي سيرة قرية عاش أهلها على الهامش نحتوا كيانهم بأنفسهم. تربطهم بالمركز علاقة متوترة. يشعرون بالانتماء إلى وطنٍ أهملهم. ماهو عندهم إلا امتداد لجراحاتهم وما هم عنده إلا أرقام تنضاف إلى عدد سكانه في إحصائياته. والناظر في الرواية سيلفى الموت يلفّها من أوّلها إلى منتهاها. ينسرب في ثناياها ويؤثر في أحداثها. تتألم منه شخصياتها وتواجهه. تنتصر عليه أحيانا وتستسلم له أحايين أخرى بل إنه يسيطر على المكان ويعقد علاقة مع الزمان يتّخذه أداة سحرية تقضّ مضجع الجميع. فكيف تجلّت تيمة الموت في رواية « رطبا جنيّا»؟ ما علاقة الإهداء بالموت؟ كيف فاض الموت على الشخصيات ليدرك المكان والزمان والأحداث؟ وهل الموت واحد أم متعدّد؟ كيف انصرف الموت من فعلٍ في الحياة واقعا إلى قتلٍ رمزي للانسان والاشياء؟ كيف واجهت الشخصيات الموت؟ وبأية وسائل؟ وهل قُتل المؤلف أم أحيى نفسه رغما عن قارئه.
تنفتح رواية «رطبا جنيّا» بإهداء يوجّهه الكاتب إلى أمه فيقول « إلى من أشعلت لي أول شمعة. إلى عبق طفولتي إلى دفء حياتي وأريج شبابي إلى ملجئي وملاذي إلى من ساندني يوم ضعفي إلى روح أمي «هنية الكاسحية» التي شاركتني همي وفرحي إلى التي كانت رطبا جنيّا.
من المعروف المتداول أنّ للمُهدى إليه مكانة مخصوصة عند المُهدي. وفي مثال الحال كان المهدى إليه أمّ الكاتب المتوفّاة فهو إهداء من حيّ إلى ميّت تعبر خلاله الهديّة عالم الحياة إلى عالم الموت مذكّرة خلال كلّ ذلك القارئ أنّ المهدى إليها تجمعها بالكاتب أواصر الأمومة. أمّ أثّرت في ابنها نحتت كيانه وجعلت منه ماهو عليه الآن بل إنّها رسمت طرق حياته وأنارت مسارب دربه. أفلح الموت في إخفائها عنه وفشل في إنسائه إياها فخصها بإهداء بكر إبداعاته لها.
أمّا إذا ولج القارئ المتن الروائي فسيجد أول حدث فيها بحث إحدى الشخصيات الرئيسية « رقيّة الكاسحية» عن سرّ موت ابنها وأرجعت ذلك إلى سحر نُفث له. فانبرت تنبش الأرض باحثة عن ذلك السحر لإبطاله « تبدّى أنّ المدفون قماشة رُبط فيها شعر وعظام وكفّ للعين أزرق كانت قد فقدته من فوق «دكّانة» فناء الحوش منذ سنوات. فهمت رقيّة بنت الكاسح أنّ ما تمسكه بيدها عمل من أعمال السحر «.
وسرعان ما يكشف لنا السارد صاحبَ السحر في حوار بين «أفيطال اليهودية» و« عيشة» زوجة «فشيكة الإمام» إذ تتّهم الأولى الثانيةَ صراحةً فتقول لها «في المرة السابقة مات ابنها فماذا تريدين الآن؟ أن تموت هي؟ ماذا فعلت لك؟ اتركيها. حزنها على ابنها كاد يقتلها. خسارة يا عيشة. كان كعود الحبق». وسيكتشف القارئ عندما يهمّ بإنهاء الرواية أنّ الحدث الأخير فيها هو موت «رقيّة» نفسها. هكذا تنفتح الرواية بالموت لتنتهي به. فهي محاصرة بين موتين موتِ الابن وموتِ الأم. تتشابه في ذلك الروايةُ مع القرية بما هي المكان المؤطّر للأحداث والموجّه لها في آنٍ إذ نجدها تقبع بين مقبرتين تحدّانها من جهتين وتحتلّان نصف أديم الأرض فكأنّ قدرها حياةٌ بين موتين تهرب من موت لتقع في آخر. ولا يكتفي الموت بالقبض على الشخصيات الإنسانية وإنما يتجاوزه إلى الحيوانات والأشياء. جاء في الرواية أنّ عقارب الساعة «كانت تشير إلى الحاديةَ عشرة قيظا. صهد يخنق. حمّارة ورمضاء بين سماء القرية المبهمة وأرضها اليابسة الغبراء. الطيور تخترق كلّ الثقب كي يعصف بها الحر ويبكم سقسقاتها الظمأ والأوار. الصمت سلطان القرية والكلاب لا ترى جدوى من النباح. وجوه النساء والأطفال والشيوخ والعجائز اختفت عن الأنظار.». صمتٌ هو إذن يعمّ المكان. يعلن عن نفسه عنوانا للموت ودليلا عليه يلفّ القرية ويبكم جميع الحيوانات والأشياء ويواصل الموت حضوره من خلال السحر. فكأنّ السحر لا يفعل فعله إلا إذا كان مقبورا ولا يُبطَل إلا إذا قُبر في مكان آخر فنجد «رقيّة» عثرت على السحر مدفونا في حفرة. حاولت إبطاله بدفنه في قبرٍ آخر فرمته في بئر سانية « الحاج مصطفى». لكنّه قبرٌ وإن أمات السحرَ فإنّه يُحيي نفوسا أخرى. وتذكّرنا هذه الصورة بالصورة القرآنية للماء « وجعلنا من الماء كلّ شيء حيّ». فيلعب البئر / الماء بذلك وظيفتين قبرا للسحر وإحياء لغيره.
وتتجاوز إطلالة الموت المكانَ إلى الزمان حيث يلفى القارئ أنّ أغلب الأحداث الكبرى في الرواية تقع في القيلولة أو في الليل لما يمثله هذان الزمنان من رمزية للسكون فكأنّ الحياة التي تعيشها القرية ما هي إلا أحداث لا تخرج عن إطار الموت يلفّها بتلابيبه ويقتل فيها كلّ دلالة على الحركة والنشاط. إنّ الموت مهما أثّر في الكائنات فلن يبلغ تأثيره على الإنسان. لأنّ لحظة الموت عنده تمتدّ في الزمان أكثر من امتدادها عند أيّ كائن آخر. ففناء إنسان لابدّ أن يؤثّر في إنسان آخر. إنّه يقبض روح هذا ليعيش الآخر فترة طويلة مع المأساة كما يشير إلى ذلك الشاعر «محمود درويش»: « الموت لا يوجع الموتى الموت يوجع الأحياء » ولذلك لا بدّ من الالتفات إلى حضور الموت في علاقته بالشخصيات.
سبق أن تعرّفنا إلى أنّ الموت المعلن في بداية الرواية كان « للسويسي» ابن « العربي لعسر» و «رقيّة الكاسحية» ومعه ينحو الموت منحى سياسيا إذ قُتل في دهاليز وزارة التعذيب. سُلبت منه حرّيته لآرائه السياسية المناهضة للسلطة. عذّبه « مصباح » ابن قريته حدّ الموت « وكان « لقّوم الكومباطا » يفتخر بتألّق أخيه ونجاحه في تزعّم جبهة المعارضة الوحيدة المنشقّة عن حزب الدولة ويحنّ إلى حديثه اللّبق وأفكاره البديلة لمقاومة الضّيم والتعسّف وتحقيق المساواة والعدالة وكان يستمدّ فخره وكبرياءه من مكارم السويسي المغتال أما لداته من المقبلين على كوخ الخمرة والذكريات». وامتدّت يد الموت قبله إلى أخيه «المهدي الأوّل» قتله الجهل والإيمان بالشعوذة. حبسوا عنه الماء حتى مات ظمآن وفي عرفهم أنّ ذلك هو الدواء. ويواصل الموت لعبته المأساوية مع عائلة « العربي لعسر» بأن جعل من الابنة «قمراء» عاقرا عاجزة عن الإنجاب بل إنها تلد أجنّة ميّتة. ولئن كانت الولادة فعلَ حياةٍ فإنّ ذلك لم يكن على الوجه الأكمل لتبلغ المأساة منتهاها. تعطي بشائر الحياة في البداية عن طريق الحمل لكن لا تدوم لتضحي نذائرَ موتٍ وفناءٍ قبل الولادة. جاء في الرواية « ثلاث مرّات تحمل وتلد مولودا لاحياة فيه. في السابع بطنها ينتفخ يلفظ حملها وكأنه كائن غريب أو فيروس دخيل.كلّ الخلايا المضادّة تنشط وتتكالب عليه لإسقاطه من رحمها».
أما « لمجد النحنوح » فله مع الموت قصّة غريبة. لقد مات ثلاث مرّات. وُلد أبكم. اُغتيلت الأصوات في حلقه فلا تخرج إلا متحشرجة تحاكي أصوات جسدٍ يودّع الحياة. إنّ اللغة في عرف الإنسان إعلان عن وجود وإثبات لذات. إن غابت وامّحت عدّ صاحبها ضمن الأموات لا يلتفت إليه الناس إلا شزرا واشمئزازا. وتتواصل مأساة « لمجد النحنوح» إذ وقع ضحيّة عقليّة تقليدية تنزع من بعض الأفعال براءتها لتسبح في بحر الجهل والكهنوت والانغلاق العقلي والأخلاقي. هذه العقلية تصرّف بها أهل القرية ضد « نحنوح » وتوسّلوا في ذلك بالعلم. علم تغيّرت وجهته من وسيلة إلى أداة للموت وقع بفضلها إخصاء « لمجد النحنوح » وانتزاع فحولته « واستطاع الحاج سعيد القائم بشؤون المستوصف في القرية أن يقنع الجميع بحتمية تسريب حقنة في فخذ جسم لمجد النحنوح تفقده القدرة على الانتصاب وتدفعه إلى التخلي نهائيا وإلى الأبد عن العادة العلنية التي يمارسها تحت أنظار زوجاتهم وبناتهم». ومات « نحنوح » للمرة الثالثة ميتة واقعية. مات يأسا من رجولته وكمدا عليها. إنّ هذه القرية الظالمَ أهلُها لم تنصف « نحنوح » فخزّنته في أدراج المعتوهين ما وجب التخلّص منه. ويبقى السؤال من قتل « لمجد النحنوح »؟ هل هو الجهل؟ هل هو العلم؟ هل هو الجهل بالعلم؟ وإذا تجاوزنا الحديث عن تيمة الموت الفعلي الواقعي إلى تيمة الموت الرمزي سنلفاه يتلون في صور متنوعة أولاها تجلّت في صورة اللواط فرغم أنّ « كازانوبة» حيّ لحما ودما فإنه لا يشعر بذلك وكلّما أراد حياةً واجه واقع ذكرى طفولةٍ مشؤومةً. كلّما أراد الانتصار لنفسه تذكّر قيلولة لاطه فيها « مهراس ولد نعناعة » قتل فيه رجولته. سار هائما جرّاء فعل طائش زمن الطفولة أفقده عنصرا مهما في حياته. جسدٌ هو يتحرّك هنا وهناك دون روح. أمّا صورة الموت الرمزي الثانية فتتجلى في اللباس من خلال ربطة العنق التي يلبسها « مصباح » ويبدو أنّ الراوي يتعاطف مع أهل القرية في علاقتهم ب« مصباح » فانبرى يسخر من هذه الشخصية راسما إياها في صورة كاريكاتورية تجعل من مصباح منتحرا بربطة العنق. يقول الراوي « الحقيقة أنّ مصباحا مشنوق بكارافات يبدو في مظهر مضحك. لا يعرف أحد من أين يأتي بتلك الكارافاتات المخططة بأسطر غليظة أو المنقّطة بدوائر بيضاء على خلفية سوداء أو بنيّة كأنها محمصة بالحليب…. وهو قصير وغليظ لا تلائمه العقدة مهما كان شكلها ناهيك عن نحافة غدّته الدرقية الشبيهة بعنق الديك». إنها لحظة انتحار يتمناها أهل القرية حقيقةً لا مجازا لما عانوه من صلف « مصباح » وغلظته. لقد قتل أحد أفراد القرية واقعا فقتله أهلها والراوي رمزيّا بأن جعله في عداد الرسمي بعيدا عن عالم القرية الهامشيّ. وتشدّ ثنائية الرسمي والهامشي أواصر الرواية. وتمثّل القرية بكلّ مقوّماتها الجغرافية والإنسانية الهامشَ. انبرى أهلها يقتلون كلّ ماهو رسميّ حتى أسماء الأعلام. إنّ تكنية الأسماء في رواية « رطبا جنيّا » قتل لها. إفناء لرسميّتها وإحياء للهامش انتصارًا له. كلّ شخصيات الرواية تحمل كنيةً: « رقيّة الكاسحية » « العربي لعسر »« كازانوبة » « لقوم الكومباطا » « فشيْكة الإمام » « لمجد النحنوح » « الضاوي زنزيبار »« مهراس ولد نعناعة ». تنتصر الصفة على الموصوف. تقتله لتحيى. وحدها شخصية « مصباح » من بين الشخصيات العربية في القرية حافظت على رسميّتها. فقد أراد الراوي سجنه في الرسميّ وقتله هناك.
هكذا ينوس الموت بين الواقعيّ والرمزي. يعذّب أهل القرية ويحدّد مصيرهم. لكنّهم لم يبقوا أمامه فاغري الأفواه بل حاولوا مواجهته بطرق شتّى لعلّ أبرزها الخمرة. إنّها الكائن الوحيد المنتصر على الزمن. استمرّت الخمرة من زمن تألقت فيه « أورنيلا موتي » إلى زمن سطع فيه نجم « هيفاء وهبي » والخمرة لا زالت تحافظ على نضارتها كلّما شاب الزمان شبّت فتأنّقت فلذّت. دواء هي وأيّ دواء. تقتل العقل المؤلم للإنسان وتحيي الروح. تسافر بها نحو عالم لا ضغينة فيه ولا كره ولا فساد ولا قتل. وحتّى تكون الخمرة أكثر فاعليّة في مواجهة عالم الموت والموات لا بدّ من قتلها فتصبح الخمرة « لاقمي ميّت » وتتحوّل من مادّة مسكرة إلى أمنية من أمنيات أهل القرية عند الممات فهذا أحد شيوخها يصرّح عند احتضاره قائلا « متمنّي عبار لاقمي تحت عش نخلة في سانية الحاج مصطفى» وذاك أرادها تسبق الشهادتين إلى فيه « عطوني جغيمة لاقمي نبرّد بيها على كازوزتي. الشهادة ما عندها وين هاربة» والآخر يوصي أبناءه « ما نسامحكمشي كان ماتغسلونيش بالنقوع ». زفرات الموت تقترب وهم يتمنون الخمرة. أيّة معادلة هذه؟ إنّها أشدّ اللحظات تمسّكا بالحياة. والخمرة أعمق الأشياء تعبيرا عن الحياة في مواجهة الموت.
وقد يحصر أهل القرية أنفسهم في كوخ « لقوم الكومباطا » يتناولون خمرته فيتسع الكوخ رغم ضيقه ليضحي عالَما ينافس العالم الخارجي فيه تكون الحياة ألذّ بل تنحصر داخله « اليوم لن يكون «فشيكة الامام» تابعا لهذا ولا لذلك. قريبا سيأتي زميله وسيغادران نحو الكوخ. بعد سويعات سيكتشف الحياة بعيدا عن بطولات « زمان ». ليس يعنيه أنّ عليّا ولا طلحة ولا الحسين ضحية« ويمعن أهل القرية في مواجهة الموت عبر اعتباره حدثا اعتياديا علّهم بذلك يسلبون منه سطوته. فكلّما اعتبر الإنسان الأمر روتينيا كلّما خفّت وطأته وانزاحت غمّته ولم يعد يثير دهشة ولا رعبا. هذا ما جاء على لسان « رقيّة » تقنع نفسها ومحاورتها « أفيطال اليهوديّة » بأنّ الموت حدث مرتقب ينتظره الإنسان فلا يجب أن يخشاه أو يتوجّسه. قالت « كلّه بأمر الله: ماتت ابنتي السنبلة « فاطمة » أيضا ومات « المهدي الأول » بالزائدة الدودية وسوف نموت حتما لسبب ما، مازالت المقبرتان تتّسعان لمزيد من الموت «. كما يمكن أن نعتبر أنّ الحلم سلاح امتشقته شخصيات الرواية ملوّحة به في وجه الموت. فهذه « رقيّة الكاسحية » تستدعي ابنها في الحلم فيأتيها في أبهى حلّة « كان السويسي يقف فوق غيمة بيضاء كبيرة يستحم بمطرها الناعم يبتسم لها بحنوّ فتبتسم لابتسامته» ويكلّمها في حلم آخر « هل كنت نائمة؟ » ويشكوها عالم ما بعد الموت « لم أستطع النوم هناك… لم أجد رفقتي… لم أجد الكتب واللافتة والكراس. لم أجد قريتنا وبوازغ النجوم وطيور البركات » وتهمّ « رقيّة » بالكلام إلا أنّ الكلمات تُشرب من حلقها فتعجز عن الكلام « تهمّ رقيّة أمه بالكلام غير أنّ فمها يخرس يصير صلبا كنحا ملجما عاجزا عن النطق والإبانة والإفصاح» وقد يكون الصمت إلهاما يجعل من الشخصية تنتصر على الموت. ويواجه « كازانوبة» الموت بطريقة أخرى. يغفو فيحلم فتأتيه بومة في الحلم. وبعد خطاب مطوّل تقنعه أن يصبح حفّارا للقبور. مهنةً تنتصر على الموت بأن تواري ضحيّته عنه ولذلك نجد « كازانوبة» في قسم آخر من أقسام الرواية يعبّر عن عدم خشيته من الموت في حدّ ذاته بل إنه يخشى ما بعد الموت أن يبقى دون دفن فيتمنى الموت قبل أخيه « لقوم الكومباطا«
حاولت هذه المداخلة تتبّع تمظهرات تيمة الموت في رواية «رطبا جنيا» فاكتشفت أنّ الموت يلفّها من الإهداء إلى النهاية وعرج من الشخصيات إلى المكان والزمان والأشياء والأحداث. أما عن الشخصيات فإنّها حاولت مواجهته بوسائل عدّة من بينها الخمرة والحلم. ويقفل « الهادي القاسمي » روايته بمسار معاكس لنظرية « رولان بارت » فلم يُقتل المؤلف وإنما نجده قابعا في روايته يعلن عن ذاته صراحة « كتبت الهادي المهدي أنا بعد سنوات ». إنّ رواية « رطبا جنيّا » رواية ضد الموت تجرّأ عليه الكاتب / الساموراي «الهادي القاسمي» فقاله فهزمه.
أضف تعليق