عمار كشيش
في المدينة الجنوبية التي يمر فيها نهر دجلة ، كنت بحاجة لشرب الخمرة انا القادم من مكان بعيد .
عطش جدا
سألت احد المعارف عن اماكنها السرية فاهداني :
ــ هنالك في ذلك الركن من الشارع ستجد البائع ما عليك الا ان تبتسم بلباقة وتطلب قنينة سفن سيفهم مباشرةّ وتأتيك القنينة المضلعة قنينة الملوك: سائل بلون اليانسون .
×
وضعت القنينة في الكيس الاسود ومضيت الى شارع الحرية حيث الفندق الذي اجّرت سريرا فيه لليلة واحدة كان في فرع يمضي الى نهردجلة الواسع، صاحب الفندق رجل اشيب وماكر. معي في الغرفة شخص اخر.
×
لا اتذكر في اي بئر او زاوية شربت الويسكي مع ليمونة ذابلة، و خرجت من الفندق نصف سكران، في راسي غيمة النشوة. ذهبت الى محل جابر ابو القيثارة وأشتريت كاسيت لكاظم ، شكرته وانحنيت وقّبلته في خده .قبّلته مرتين
ــ سأعطيك غيمة
ــ متى ؟
ــ بعد ان اغلق محلي قبيل الساعة 12
(النجمة نستطيع رؤيتها رغم دخان الاراكيل في مقاهي شارع الحرية)
في شقتي في شارع الحرية فوضى : قطع حديد، علب فارغة ،جرائد قديمة وحين تفتح النافذة سترى نهر دجلة ،وسترى النجمة تلمع سترى زورقا وهو ليس زورقا انه سرير يخفي نفسه كي لا تحل كارثة ما .
في شقتي لوحة أصلية رسمها جواد سليم كان قد اهداها لوالدي وانا كنت صغيرا .
لن امنحها لك ستراها خمسة دقائق فقط خلال هذا الوقت القصير تمعن بها كثيرا كي تكتب عنها ههههههههههل انت بارع في الكتابة .
حين تغني في شقتي غن بصوت مكتوم كي لا يقتحم اصحاب الملابس السوداء الشقة ويقطّعوننا بالسكاكين مثل القثاء.
×
قال جابر ابو القيثارة : انا قبل ان اشتغل في محل التسجيلات كنت اعمل في محل لبيع الثياب الشبابية
قمصان حمراء تشبه التفاح بروحه الدبقة
أو برتقالية باردة ومنعشة في شهور القيّض
أو صفراء مجموعة ورود صفراء
أو خضراء كأوراق اشجار الحناء
أو زرقاء روح البحر الطافحة عبر النهارات
أو نيلية كانها مبللة
أو بنفسجية
من يلبسها كأنه يرتدي وردة بنفسجية .
في شارع الحرية كنت ابيع الملابس للشباب . اراهم يطيرون صوب نهر دجلة يطيرون فوق الشارع بفنادقه ومقاهيه وافرعه ولايشبعون من الطيران ،اراهم يتجمعون قريبا من تمثال المتنبي الذي يتوسط فلكة كبيرة واقمصتهم تتحول الى ضمادات للقلوب الجريحة اثناء المطالبة بحصتهم من الخبزليس الخبز المصنوع من طحين الحنطة والشعير او الذرة خبز اخر ما زالت اقمصتهم اجنحة ايضا .
×
في الشقة غرقت بلوحة جواد سليم ، غرقت تماما وعثرت على لؤلؤة مدفونة بالرمل :امرأة كأنها تخلع عباءتها
ــ من اي منطقة من بغداد انت ؟
ـــ………………..
حجابها ازرق مثل لون السماء في مرآة الزينة، في خدها الايسر لطخة حمراء ،ربما شمندر خلال دقائق ايروتيكية .
قالت حين يتأخر الوقت ستجدوني فلاحة في مقبرة الخيزران ازرع زهرة عصفورة الجنة واسقيها بقليل من الدمع الصمغي.
×
بعد ان اخذت كفايتي من اللوحة مضيت الى غرفتي في الفندق ووجدت شريكي في الغرفة مددا على سريره يدخن سيجارة وفي الغرفة غيمة ، ويتدلى من المروحة قمر مشنوق ما زال يلمع (فضة غزاها الصدأ الاسمر قليلا ).
قال لي اين كنت انت ماذا تعمل ؟
ــ انا كاتب سيناريو وصحفي وفنان تشكيلي ايضا وشاعر شعبي !
ــ اكيد عندك فلوس كثيرة
ـــ لا . انت ماذا تعمل ؟
ـــ حمّال كنت في الشورجة الان هنا في شارع الحرية
اذا كنت رساما هل من الممكن ان ترسمني
ــ نعم ارسمك
ــ ارسمني وانا ارتدي قاط انيق مثل رئيس الوزراء
ـــ ارسمك وانت في شارع الحرية بملابس العمل
انت افضل من رئيس الوزراء
انت تنام ليلا وهو يسهر ويشنق النجوم
ــ ههههههه كم نجمة شنق رئيس الوزراء لحد الان ؟
ــ الكثير الكثير
شاهدت تحت السرير قنينة خمرة فارغة ، ثمة رائحة تراب عتيق ، فتحت النافذة رأيت الجهة الاخرى المعاكسة لنهر دجلة رأيتُ فرنا للصمون وبائع السجائر المصري النحيف جالس قريبا من كشكه الخشبي .
نزلت مع صديقي ورحت التقط له صور اثناء العمل كانت السماء تمطر وقطرات المطر تلصف على واجهات المحلات .تبللت الاحذية المعروضة وعتبات الفنادق وشرفاتها رأيت احدهم في الشرفة يجمع ملابسه ويحملها الى داخل الفندق .
×
قال لي بائع السجائر المصري بعد ان جئت الى العراق في الثمانينات فكرت قليلا بالعودة الى القاهرة لكن بعد سنوات طويلة، بعد ان اقمت هنا صار هذا الشارع دولتي واخترت غرفة ابدية في احد الفنادق في هذا الشارع والله الغرفة مثل غرفة المنازل تحب تراها ؟.
ــ لماذا لم تتزوج ؟
ـــ انتظر حورية تطل علي من اعماق هذا الشارع وتأتي الي، تقبّلني وتطلب مني الزواج. وضحك .
×
بين باعة الاحذية والملايس والافرع قريبا من محل يستنسخ فيه احدهم المفاتيح وباعة الاحذية الشركس واحذية القماش الترابي .
التقطت لشريكي في الغرفة عدة صور كان يلف راسه باليشماغ مثل عمامة ويرتدي قميص برتقالي حائل وبنطال مغاوير مرقّع .
قال : انا نصف شرطي….. شرطي عاطل وضحك .
قال هل تدري انا لست حمّالا في شارع الحرية فقط انا اعرف تاريخ هذا الشارع واعرف القوق الذي يعشش في زوايا شرفاته .
ومشينا في الفرع حيت تسجيلات جابر ابو القيثارة وامامنا نهر دجلة والكورنيش وعوامات قليلة وعتيقة .
تخيّلت الاسماك تتمشى في الشارع ،تخّيلت الاسماك نازفة واقمصتها تشتعل ،لكن الاسماك تقاوم كي لاتبتلعها حفلات الشواء\
قالت احدى الاسماك لن أُشوى
مستحيل اشوى واتخلى عن الموعد مع حبيبي
أضف تعليق