كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

المتبادل بين السياسي والثقافي

محمد تركي النصار





لعلَّ من أهم الأمور التي يجدر تناولها عند الحديث عن مجتمع اللاعنف هو فحص العلاقة بين الجانبين السياسي والثقافي، إذا كان الهدف المقصود هو تحديد خصائص سهلة التعريف، لمجتمع تسود فيه قيم العدالة، والحرية، والتعايش السلمي، بين أفراده ومكوناته المتنوعة، مجتمع تسود فيه الحكمة والحوار العقلاني بعيدا عن الكراهية وإقصاء الآخر، إذ إن ذلك يسهم في تجنيب الأجيال الجديدة -على وجه الخصوص- الانحدار إلى مهاوي الفهم المجتزئ للنصوص والمفاهيم الدينية والتراثية، الذي يغذي روح التعصب والانغلاق ويجعل من فكرة التواصل بين أبناء الثقافات المختلفة مقرونة دائما بنمطية القراءات الخاطئة المعطلة للحوار والتواصل، سواء داخل المجتمع الواحد أو بين أبناء الجنس البشري بنحو عام.
إنَّ فكرة التعايش والتسامح ترتبط في المقام الأول – كما أرى- بمفهوم الحرية وروحها التي تعني إعطاء دور حقيقي للأفراد في الفعل، والتأثير، والاسهام في بناء المجتمع كذلك، لذا؛ فإن خلق المناخات الصحية لمجتمع تتكافأ فيه الفرص وتتحقق فيه العدالة هو في جوهره موضوع مرتبط بتراكم معرفي ثقافي، ذي طبيعة تأريخية مثلما يرتبط بالجانب السياسي، وعلاقة الأفراد بالسلطة ومؤسساتها، وكيفية إدارة هذه العلاقة بما يمنع نشوء ونمو الأسباب، التي تؤدي إلى بروز مظاهر العنف وأعني بذلك الاستبداد والفقر وعدم احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان، فضلا عن غياب الحكمة واتباع سياسة التعالي والاستقواء التي تمارسها السلطة ضد من يعارضون سياساتها وخططها.
وبالنظر لأهمية رصد العلاقة بين الجانبين الثقافي والسياسي، واستعراض بعض اللمحات من تأريخ هذه العلاقة؛ فقد أثرتُ التركيز في هذا المقال على إيضاح بعض التفاصيل والتأثير المتبادل بين هذين الجانبين (الثقافي والسياسي)، وانعكاسات ذلك على المجتمع وفعاليات أفراده ومكوناته المتعددة.
الثقافي بوصفه حاضنة للعنف السياسي
لم يكن العنف الثقافي -على ما أرى- طيلة الحقب المتعاقبة من تأريخنا العربي تاليا في يوم ما للعنف السياسي، بل أن الأول كان دائما المولد والراعي في معظم الاحوال للثاني.
كان تسويغ وتسويق – لكي لا أقول: تشريع الثاني- متحصلا ونافذا بحكم القبول الصامت و(المتفق عليه) من قبل القبيلة أو الجماعة (الثقافية والمثقفة) التي وجدت لها في نصوص ومرجعيات قارة وناجزة ما كان يعفيها من مسؤولية مراجعة وفحص النتائج، التي اكتسبت بحكم هذا القبول صفة التعالي على ممكنات العقل وأحكامه المنطقية.
وبين (نصي الشهادة العاطفية وتلك العقلية فأنا دائما أميل إلى تصديق الثانية والوفاء بالتزاماتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا ).
لم تكن سيرورة الفعل البشري، والحالة هذه، على مدى قرون من تأريخ منطقتنا إلا نتاج مقارنات مجحفة وغير مقبولة (أخلاقيا) بين واقع إنساني صعب وشظف حياة قاسية وشحة مصادر خارجية من جهة، وبين مثال نصي كريستالي لم يكن (وهو تحصيل لقاحات متنافرة لمعرفة تاريخية سابقة عليه) ليريد أن يتعايش مع أو يتقبل الاجتهاد الإنساني بل وحتى الاخفاق وتأويلاته بوصفها ميزات أساسية من هذا المشروع ومن ثقافة يفترض أنها تسعى لتطهير عناصرها وصقلها ومواجهة أسئلتها الأكثر حراجة انطلاقا من النظر إلى الإنسان باعتباره علة وراعي النصوص المتمرد والمصدر والمصحح لها.
وفي هذا أرى مفارقة أن السيد الواحد المتعطش للسلطة والثمل بها: أباً محلياً صغيرا كان أم أباً أشمل بعصا السحر الفتان العابر للأزمنة والقارات لم ينجب إلا شخوصا داجنين (غير ملمحين) أعفاهم تشابههم المتوارث من هم الكدح، والتساؤل، والاختلاف الفكري؛ لاشتراطات وجود إنساني يُفترَضُ أنه يبدأ من نقطة ما؛ لاستكناه معناه وجوهره، ومع حياة وظروف كانت تتجه من البساطة إلى التعقيد بتراكم الأزمنة والتواريخ .
وبين فترات زمنية متناثرة كانت تبرز هنا وهناك (عقول) نشطة وقلقة، ما لبث أن خفَّ لمعانها إما بقوة سلطة سيف الحاكم الأب المغمور بتبريكات السواد الأعظم من الجمهور، وإما – في أحيان أقل- بحكم تشظ قبلي جعل من وسائل التواصل في مراحل معينة أقل إمكانا، يمكن أن نطلق على هذه المراحل فترات النعاس التي بلغت ذروتها في ما عرف تاريخيا بالفترة المظلمة.
وقد ظلت الإضاءات العقلية المشار إليها طفيفة غالبا إذا ما قيست بأزمان متمددة، وعملاقة طغى فيها تأثير الهيام الانفعالي مختلطا بسحر الشعوذات العاطفية.
وإذا كان النص الشعري الجاهلي أكثر تظهيرا لحرية الشاعر العربي وأوضح إفصاحا عن تطابقه مع أسئلته الوجودية، نرى أن عنفية هذا النص – باستثناء المنافحات القبلية وصليل السيوف الخلب، ومفاهيم البطولة المحلية الدارجة آنذاك- إجمالا تبدو أقل اصطراعا داخليا، أعني أن تناقضاتها أبسط وأدعى للفهم والقبول من قبلي- أنا القارئ المهموم بتعاسات التناقضات اللاحقة وغياهبها الصلدة صعبة الاختراق .
لقد كان الفكر الخالص الباسل – كما أحسب- شحيحا أو مطرودا أو مصلوبا، ودائما أعوزته ممكنات الاعتراف والدولة (مؤسسات وموارد ) .
وبين حكام كانوا يتنطعون مظاهر الحياة المدنية السطحية في بعض فترات الحكم السياسي مثلا ويمارسون الزنا الثقافي علانية، وبين نصوص مغتربة عن نبض واقعها- كانت تزداد جاذبية بحكم التقادم والاستمرارية- ظل ولا يزال الفتى العربي غريب الوجه واليد واللسان كما يقول المتنبي وما انفك (صوت) العنف المضاد يتحول إلى محاولة رد اعتبار ثأري استخدِم -لأسباب إعلامية- الشعر وسيلة سهلة التناقل والتداول والتكرار، بيد أنه وقد بلغ ذروته مقدرة لغوية وموهبة شعرية فذة اجترحت مقتربات عقلية على يد الشاعر المتنبي، لم يستطع أن يتجاوز سحرية النص الأبوي وكسر جبروت سيفه الفتاك. وظل استرضاء الحاكم -النص، أو سيف الدولة، أو الحاكم بأمر الله، أو الملك، أو الامبراطور، أو السيد الرئيس- يمثل جرحا فضائحيا ثالما لكرامة المفكر والشاعر وشرف تمردهما الخلاق على سلطة هذا الأب القهرية،.. ولعلَّ حادثة موت المتنبي في مصادفة عبثية، مثلت لحظة التصادم الأخرى بين غوغائية الخارج الثقافي التي لا ترحم، وبين أقوال حاكت وتسولت أبوية النصوص المجحفة بوصفها ردات فعل لم تكن مستعدة للتعاطي مع مفردات الحلم، والتواضع، والخوف، والضعف، والكدح الإنساني والشغف الحر بالحياة، إذ كان التبجح المتغطرس مولد الاثنين… أبا ينزف ونصًّا غريبا محبوسا داخل تناقضاته الصماء .
في متاهة العنف والعنف المضاد هذه تبدو اللغة بكل طاقة القهر والاحباط الكامنة فيها كأنها مفرخ قاهرين ومقهورين يتنازعون السلطات ويتبادلون الأدوار، وتسلك هذه المؤسسة العتية بوصفها الأم التي تطلق النار على قلوب بنيها وعاشقيها، تطلق نار الدمع السامة وأحزان السكر الصوفي من شدة العشق والهيمان، نار الدوران فاقد البصر والبصيرة.نحتاج الان الى إحياء رموز ثقافية ومعرفية لم ننصفها على مدى عقود مثل ابن رشد وابن سينا والرازي، وسواهم، والاحتفاء بهم، فضلا عن حاجتنا الى التحرر من هذه الرغبة الكارثية المخذولة امام الكلمات المتعالية على إنسانية الانسان ومختلف أشكال التعاويذ والخرافات البالية المضادة للعقل والحكمة والحرية لنكون قادرين على فهم واستيعاب وجودنا البشري الذي تزداد عناصر تشابكه واضطرابه يوما بعد آخر .

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.