كناية

مساحة للحلم وأفق للحقيقة. مجلة ثقافية رقمية مستقلة جامعة تعنى بالخيال والحرية والحداثة. رئيس التحرير حكمت الحاج

مأساة استعارة: ثالثة الأثافي في قراءة آثار محمود المسعدي

فتحي الرحماني


صدرت منذ مدّة عن دار الوطن العربي للنشر والتوزيع بتونس دراسة نقدية اتّخذت شكل كُتيّب من 90 صفحة عنوانه ” مأساة استعارة: دراسة في مولد النّسيان لمحمود المسعدي” لأستاذ اللغة العربية وآدابها محمد الباشا الذي كان من أوّل أمره شغوفا بالمسعدي، إذ تُعدّ هذه الدراسة ثالثة دراساته عن أدب المسعدي بعد كتابين سابقين: أوّلهما عن رواية ” حدّث أبو هريرة قال..” سنة 2008 وثانيهما عن مسرحيّة ” السدّ ” سنة 2017 . ويُذكر أنّ الأستاذ محمد الباشا الذي قضّى شطرا من حياته المهنيّة والأكاديمية منقّبا في نصوص المسعدي مُعاشرا لها قد كوّن رؤية مخصوصة لأدب المسعدي بثّها في هذه الدراسات التي لا ترى في المسعدي فيلسوفا وجوديّا بل أديبا ومفكّرا انتمى إلى جيل قَلِقٍ من المجدّدين والمصلحين كان هاجسهم وضع أسس دولة الاستقلال ودعائم مجتمع جديد، ووجدوا أنفسهم أمام سؤال حضاري لخّصته ثنائية التجديد والتأصيل أو الأصالة والمعاصرة.
ويذهب الأستاذ الباشا إلى أنّ ” مولد النسيان ” شأنها شأن آثار المسعدي لا تخرج عن إطار الخوض في هذا السؤال الأدبي وافكري والحضاري غير أنّ المسعدي يتجنّب الأجوبة التقنية المباشرة ويقترح جوابا مُواربا حين يحتمي بالاستعارة التي حوّلت النسيان إلى ولادة والغياب إلى حضور في مفارقة لا تجدها إلا في المجاز أو في التراجيديا، وهو ما نبّه إليه الأستاذ الباشا منذ العنوان إذ اعتبر مسار ” ولادة النسيان ” مأساة رغم أنّ الاستعارة حرّرت النقيضين وجمعت المتباعدين ولكنّه جمع إلى حين ذلك أنّ الاستعارة هي في جوهرها إعارة تجود بها اللغة وقد تستردّها في كلّ حين وترجعها سيرتها الأولى وتردّها من المجاز إلى الحقيقة. لذلك لخّص الأستاذ محمد الباشا قصّة رواية ” مولد النسيان ” في ” قصّة الكلام الشّعري – الفنّي بين إغراء المجاز من ناحية وسيف اللغة وسور الحقيقة والعقل والمعنى من ناحية ثانية” – ص15
أي أن ملخّص هذه الحكاية أنّ بطلها ” مَدْيَن ” يلاحق الموت بل يريد أن يقتله فيبني مارستانا في الغاب بعيدا عن صخب المدينة وصرامة عقلها . ويعتقد الأستاذ الباشا أنّ المسعدي في هذا الأثر وغيره من الآثار قد استوحى الكثير من عوالم الرومنطيقية ، وما هروب مَدين بطل مولد النسيان إلاّ هروب الرومنطيقيين من سجون الحضارة والمدنية إلى الغاب حيث الحلم والخيال والحرية والبدايات، وبالتوازي مع هذا الهروب الرومنطيقي كان هروب مَدين في اللغة وإليها أيضا إذ انصرف عن الحقيقة إلى المجاز ” وحرّر نفسه بالاستعارات ” على حدّ عبارة الشاعر محمود درويش .
لكنّ هذا البطل يموت في النهاية ميتة أبطال التراجيديا ” فقد كان يسعى لصنع دواء للحياة فإذا هو يُركّب عقّارا للموت ” – ص79 ، لقد أراد أن ” يقتل الموت ” فقتله وسعى إلى أن يصرع العدم فصرعه..
ولعلّ محنة مدين من محنة صاحبه المسعدي ،بل لعلّها محنة جيل بأكمله سمّاه الأستاذ الباشا ” جيل الاستعارة ” الذي وجد في الفنّ أداة ممكنة لحلّ تناقضات الواقع، أو أقلّها تحقيق نوع من التوازن بين مقتضيات الأصالة والتجذر ومتطلبات الانفتاح والمعاصرة، لقد كانت الاستعارة بلسما لذلك الجيل الذي عصف به سؤال الهويّة والحضارة..
عموما دراسة مثيرة تنظر إلى أدب المسعدي من زاوية طريفة و تدفع بنا إلى إعادة مراجعة ما استقرّ من مسلّمات ذلك الأدب ولا سيّما تخليصه من ” كليشيات ” كثيرة لازمت قراءته ونقده..

أضف تعليق

معلومات عنّا

Writing on the Wall is a newsletter for freelance writers seeking inspiration, advice, and support on their creative journey.